إعلان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أن قوات «درع الفرات» باتت على تخوم مدينة الباب، وأن تحريرها بات مسألة أيام، والذي مضى عليه أكثر من شهر، يثير أكثر من تساؤل خصوصاً وأن قوات درع الفرات ما تزال تراوح مكانها، بينما القوات السورية والقوات الحليفة المدعومة من إيران هي التي تتقدم في تلك المنطقة للدخول في معركة كسر عظم حاسمة مع القوات التركية فيما لو فشلت اجتماعات «أستانة» في تثبيت وقف إطلاق النار الهش.
فتركيا التي أطلقت عملية «درع الفرات» من جرابلس في 24 آب/أغسطس الماضي، كانت تخطط للوصول إلى «الباب» ومنها إلى منبج فالرّقة، أخرت معركتها الكبرى بانتظار ما ستسفر عنه علاقتها مع القادم الجديد إلى البيت الأبيض، ولتعيد النظر ربما، في «استدارتها» الراهنة وذهابها إلى «أستانة» راضية ولو على مضض.
وتدرك إيران من جهتها أن نجاح تركيا في تحقيق حساباتها الاستراتيجية في «الباب» يعني أن انتصاراتها وحليفها السوري لن تصمد طويلاً في معركة الباب التي تحقق لتركيا ثلاثة أهداف استراتيجية تسلب من سوريا وإيران الكثير من أوراق التفاوض في»أستانة» فيما يتعلق بتثبيت وقف إطلاق النار، وهي قطع الطريق بين الوجود الكردي في كوباني وعفرين، في الطريق نحو الهدف القديم وهو إقامة منطقة أمنية عازلة، تحدث بشأنها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مكالماتهما الهاتفية بُعيد تسلم ترامب مقاليد الرئاسة في واشنطن. كما تحقق نتائج الحسم في معركة الباب لتركيا الاقتراب من معركة حلب رغم أنها هادنت فيها، والتي يعمل الروس والإيرانيون على حسمها عسكرياً مع قوات الحكومة السورية وحزب الله والفصائل العراقية التي وصلت من جهتها إلى حدود الباب، ما جعل جملة من التعقيدات تبرز إلى السطح، لأن نتائج معركة الباب الاستراتيجية، ستؤثر على موازين القوى المتصارعة والمتنافسة على الساحة السورية، في ضوء وجود قوات متباينة الأهداف هي «سوريا الديمقراطية» المتحالفة مع الولايات المتحدة، وهي تتهيأ لدخول المدينة من محورين.، والقوات السورية وحلفاؤها بدعم من إيران، والتي تستبق القوات الأخرى للوصول إلى المدينة، بالاضافة إلى القوات التركية.
وكما يبدو من المشهد الراهن فإن سوريا بدعم إيراني وتركيا وأيضاً قوات «سوريا الديمقراطية» تتحرّك في الميدان، لتعزيز أوراقها التفاوضية خصوصاً الأكراد المرفوضين تركياً من العبور إلى «أستانة» للمشاركة في المفاوضات، بما جعل معركة الباب صعبة الحسم عسكرياً بانتظار التفاهمات والحسم السياسي نظراً لأهميتها الاستراتيجية، خصوصاً وأنها تعني قطع التواصل بين الرقة وريف حلب الشرقي.
وبالنسبة للأكراد أيضاً الذين يدركون جيداً أن دخول القوات التركية إلى جرابلس ومارع، وتقدمها نحو الباب، يعني فقدانها خط الربط الوحيد الذي يربطهم في كوباني وعفرين، في ظل حسابات متناقضة تقلق الأكراد، إذ تريد واشنطن تحريك الأكراد نحو الرقة بدلاً من الباب، ومخاوف كردية من «غدر أمريكي» فيما لو دخلوا «الباب’» وواجهوا القوات التركية من دون تغطية جوية أمريكية.
المعركة الكبرى لمنع المنطقة العازلة
كذلك، فان إيران والحكومة السورية فإنهما مع القوات الحليفة ينظران إلى معركة «الباب» من واقع أنها بالنسبة لهم تشكل المعركة الكبرى التي ستحول دون إقامة «المنطقة العازلة» في جزء هو من السيادة السورية.وبموازاة ذلك تحركت دمشق على مجلس الأمن والأمم المتحدة ورفعت شكوى ضد تركيا، لوقف تدخلها العسكري، ومن ثم التفرغ لباقي مناطق الشمال السوري، ذلك أن وصول القوات السورية بدعم إيران إلى الباب سيوقف تقدم قوات درع الفرات، وسيجعلها على مقربةٍ من الرقة التي تتوجه الأنظار إلى معركتها، وإلى من سيقودها.
وبينما يجري التحضير إيرانياً لمعركة الباب، وصل فريق جديد من المستشارين العسكريين الإيرانيين إلى المنطقة، وهم يمهدون أيضاً لمعركة الوصول إلى سد الطبقة الاستراتيجي، قبل أن تصل له القوات التركية.
طريق القدس عبر تلعفر
بموازاة ذلك تواصل إيران المضي في تحقيق هدفها الكبير المتمثل بالسيطرة على خط بري استراتيجي يربط طهران بشرق سوريا عبر تلعفر التي يقود المعارك فيها الحشد الشعبي (في معركة تحرير الموصل) في شمال العراق، والذي تريده طهران ممراً يضمن نقل الإمدادات والقوات إلى سوريا، تحسباً لأي مواجهة مرتقبة مع إسرائيل.
وفِي البين يستمر أيضاً الحراك سياسياً في منطقة الخليج وفِي هذا السياق، جاءت زيارة أردوغان إلى السعودية وقطر والبحرين لكسب تأييد ودعم هذه الدول في موضوع «المنطقة العازلة» وإعادتها من جديد إلى الواجهة في سوريا بعد أفول دورها خصوصاً السعودية، فيما يجري من مفاوضات في «أستانة» وللتوسط أيضاً في إعادة العلاقات الإيرانية السعودية، كما كان قد أعلن عن رغبته في لعب هذا الدور من قبل بعد فشل الانقلاب.
المعادلة الصعبة
باختصار، تفاهمات إيران وروسيا وتركيا بعد الانقلاب العسكري لتنفذ تركيا عملية «درع الفرات» تواجه هذه الأيام معادلة صعبة، ومخاوف من خلط الأوراق، يؤكدها تقدمُ القوات السورية في شرقي حلب، ولقاءات تنسيق تشاورية تجري على أعلى المستويات بين إيران وروسيا وسوريا واتصالات رفيعة يجريها منسق العمل السياسي الميداني لوزراء دفاع الدول الثلاث اللواء علي شمخاني بشأن الموقف النهائي من معركة الباب قبل أن تحدد تركيا موقفها الواضح فيما إذا كانت تريد المضي في خطتها القديمة نحو إقامة منطقة عازلة لتبدأ معها سوريا بدعم إيران، معركة كسر عظم وإذ بدأت بالفعل بوادر ذلك تظهر في «أستانة» في تصريحات سورية تركية متشائمة تعكس «الترقب» فيما إذا كانت تركيا ستقف عند النقطة التي وصلت إليها قوات درع الفرات، أم أنها تنتظر صفقةً ما مع روسيا وإيران وبالتالي مع سوريا لاستكمال عمليتها.
نجاح محمد علي