إيران ولبنان: من دولة الحزب إلى الدولة عن طريق الحزب!

حجم الخط
2

تسعى المملكة العربية السعودية منذ وقت ليس بالقصير إلى «شيطنة» «حزب الله» وإيران أيضاً، وتحويل الانظار نحو إيران واعتبارها العدو الأول للعرب. في المقابل لا يُخفي «حزب الله» ولاءه الأيديولوجي لنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بالرغم من إعلانه الصريح مراراً أنه يتحرك على أساس حسابات لبنانية. وعلى رغم التبريرات التي قدمها الحزب لتدخله في سوريا وأنه هو الذي اقنع الإيرانيين بالتدخل المباشر، فإن الكثيرين في لبنان وخارجه يعتبرون أن تدخله تم خدمة لجدول أعمال إيراني قبل أي شيء آخر. حصل «حزب الله» على دعم مباشر من إيران منذ تشكيله كمقاومة إسلامية لصدّ الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وذلك باقتراح مباشر من زعماء شيعة لبنانيين، منهم الشيخ صبحي الطفيلي الذي أصبح أول أمين عام للحزب، واتفق حينها أثناء تواجده في طهران مع المسؤولين الإيرانيين على إنشاء المقاومة، وعلى مجيء بعض الإيرانيين من الحرس الثوري إلى لبنان، وقد وصلوا بالآلاف في حزيران/يونيو 1982، عبر طريق سوريا إلى البقاع، ثم عاد جزء كبير منهم إلى إيران وبقي جزء منهم لمهمات الدعم وتدريب المقاتلين، وهؤلاء أيضا رحلوا وقُـتل عدد منهم بالقصف الإسرائيلي على البقاع.
وخلال الأسبوعين الأولين من الاجتياح، وفي ظل غياب عربي والصفقات الثنائية العربية الإسرائيلية، السرية والعلنية، وصل نحو 2000 من عناصر الحرس الثوري إلى لبنان، معظمهم استقر في وادي البقاع، وساهموا في تأسيس المدارس والمستشفيات والمساجد والجمعيات الخيرية، إلى جانب أربعة مراكز لتدريب المقاتلين، منها معسكر في الزبداني وآخر في بعلبك. ولعب كل من وزير الحرس الثوري السابق محسن رفيق دوست، والسفير الإيراني (آنذاك) في سوريا علي أكبر محتشمي، دوراً فاعلاً في دعم تشكيل «حزب الله» وظلت السفارتان الإيرانيتان في سوريا ولبنان تعملان إلى وقت قريب، بشكل شبه مستقل عن وزارة الخارجية، في تقديم الدعم لحزب لم يكن يخضع أبدا لسلطة «مكتب حركات التحرر» الذي كان ضمن وزارة الخارجية، ولم يكن ينسِّـق أبداً معه، الذي كان نائب الإمام الخميني المخلوع (الراحل) آية الله حسين علي منتظري أسسه في الأيام الأولى من الثورة وأسند قيادته إلى شقيق صهره مهدي الهاشمي (الذي أُعْـدم لاحقاً).
وكما لا يُخفي الحزب ولاءه الأيديولوجي لنظام الجمهورية الإسلامية ولولاية الفقيه، وهو أمر يعتَـز به ولا يعتبر نعته من أحزاب ولاية الفقيه شتيمة، فإنه أكد أيضاً في بيان صادر في 16 شباط/فبراير 1985، عندما وُلد الجانب السياسي من «حزب الله» بعنوان «من نحن وما هي هويتنا»؟ «أننا أبناء أمـّة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران، وأسّـست من جديد نواة دولة الإسلام المركزيّة في العالم… نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة عادلة، تتمثّل بالولي الفقيه الجامع للشرائط، وتتجسَّـد حاضرا بالإمام المسدّد آية الله العظمى روح الله الموسوي الخميني، دام ظلّه، مفجّر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة».
ويعتبر الحزبُ خليفةَ الإمام الخميني الراحل، آيةَ الله علي خامنئي الذي يُلقّـبُ في أوساط «حزب الله» بالإمام الخامنئي، المرجعية الدينية العليا وولي أمر المسلمين جميعاً، ويُسمى أمينُ عام حزب الله حسن نصر الله، الوكيل الشرعي لآية الله خامنئي الذي كان عناصر الحزب من أوائل الداعين إلى تقليده بعد وفاة الإمام الخميني، حتى قبل أن يضع خامنئي «الرسالة العملية» التي تُشكّـل واحدة من أهم ما يربط المجتهد المرجع بمقلديه في المذهب الشيعي. كما أن الاحتفالات التي يُـقيمها الحزب وعروضه العسكرية، تُظهر على الدوام صورا كبيرة للإمامين، الراحل والحالي، وهي تجري عادة بحضور مسؤولين إيرانيين، أقلهم بدرجة سفير يحرص على الجلوس إلى جانب السيد نصر الله.

حسابات لبنانية

وبالرغم من كل ذلك، أثبت «حزب الله» مرارا أنه يتحرك على أساس حسابات لبنانية، واضعاً مسافة بينه وبين تطبيقات «ولاية الفقيه المطلقة» التي تُلزم أتباعها إطاعة الولي الفقيه في كل تفاصيل الحياة. فقد مرّ «حزب الله» بمرحلة مهمة من حياته التأسيسية، كان ممثل الولي الفقيه جزءاً فاعلاً وقوياً من مجلس «شورى الحزب» إلا أن آية الله علي خامنئي وافق على طلب من «شورى الحزب» بتأثير مباشر من نصر الله، بالتخلي عن ممثله وإلغاء هذا الدور «الإيراني» ليرتدي حزب الله خصوصيته اللبنانية بعيداً عن وصاية ممثل الولي الفقيه وعباءته، وعن تدخّـل الحرس الثوري. والأكثر من ذلك فإن زيارات المسؤولين الإيرانيين للبنان ومنها زيارة المستشار الأعلى للمرشد للعلاقات الدولية علي أكبر ولايتي ولقاؤه مع سعد الحريري، كانت كلها تعمل على تأصيل علاقة إيرانية راسخة ليس فقط مع حزب الله بل مع الدولة اللبنانية قبل كل شيء، ومع باقي الفاعليات السياسية حتى التي تحسب على السعودية.

 لبننة «حزب الله»

الحقيقة التي أفرزتها جميع المعارك التي خاضها «حزب الله» منذ انطلاقته كمشروع لبناني، حدّدت لإيران مكانها كعُـمق استراتيجي يمدّ «حزب الله» بالمال والسلاح وبالدعم المعنوي اللازم لمواصلة الحرب مع إسرائيل، التي لا تعترف بها إيران، وتبشّـر على الدوام بإزالتها من الخريطة. ويمكن أن نسجل عدداً لا يُـستهان به من المفارقات بين «حزب الله» وإيران، وانتقدت قيادة الحزب في مرّات مختلفة السياسة الخارجية لإيران، في ما يتعلق بنزع سلاح الحزب. لقد خطط بعض القيادات في إيران، وعلى رأسهم الراحل علي أكبر هاشمي رفسنجاني لـ «لبننة» «حزب الله» وأن يصبح حزبا سياسيا في مرحلة ما بعد إغلاق ملف الرهائن الغربيين في لبنان عام 1992. وسعى إلى دمج الحزب بالدولة اللبنانية، ونجح للوهلة الأولى في إقناع الحزب بالدخول إلى الحياة النيابية في الطريق لنزع سلاحه، وهو ما أدّى إلى انفصال أمينه العام السابق الشيخ صبحي الطفيلي عنه. إلا أن الأمين العام الحالي حسن نصر الله نجح في تكوين علاقة خاصة مع «الولي الفقيه» آية الله علي خامنئيٍ، الذي ترك للحزب هامشا عريضا جدا يتحرك داخله، من دون الالتزام داخليا بالولاية المطلقة للولي الفقيه، بما سمح لـ«حزب الله» تنفيذ مشروعه السياسي في إطار الدولة اللبنانية، بعد أن كان يسعى في مراحله الأولى إلى إقامة جمهورية لبنان الإسلامية التابعة للجمهورية الإسلامية في إيران.
وواضح من طريقة إيجاد مؤسسات مدنية للإغاثة والإعمار، أنها كانت في البداية امتدادا لمؤسسات أنشِـئت في إيران الجمهورية الإسلامية مثل: مؤسسة الشهيد، وجهاد البناء وغيرهما، والتي بدأت تتلبنن في عهد نصر الله ـ خامنئي.

المنطقة: كلٌ مترابط والحل شامل!

لا شك في أن التطورات الأخيرة بعد استقالة سعد الحريري، واستمرار التدخل العسكري المباشر في سوريا، أكّدت ـ أو سعت إلى التأكيد ـ مجددا أن المنطقة كلٌ مترابط من غزة إلى إيران مرورا بسوريا ولبنان فالعراق، الذي لا يمكنه الانفكاك عن عدة ملفات، وتحديدا الملف النووي الإيراني، الذي يمنح الصراع مع إسرائيل نكهته العقائدية المطلوبة.
عموما، فإن التهديدات السعودية لـ«حزب الله» أعادت ربط الملف الفلسطيني بالملف اللبناني بعد أن تم فصله سياسيا في الطائف عام 1989، وأوسلو عام 1993، وعسكرياً بعد انتصار المقاومة اللبنانية بدعم مباشر من إيران عام 2000. كما سعى الحزب إلى إقامة الدليل على أنه لا يزال قويا حتى بعد الانسحاب السوري، وارتفاع أصوات في لبنان وخارجه تُنادي بنزع سلاحه. وأكّـد أيضا أنه قادر بدعم من إيران على خلط الأوراق وإعادة المنطقة إلى المربع الأول، وإحراج النظام العربي الرسمي، حتى و«حزب الله» يتلقى الاتهام تلو الآخر بأنه يتحرك بأجندة إيرانية، وهو يتّهم بالمقابل، الحريري وكتلته والأحزاب المنافسة له بأنها تعمل وفق جداول أعمال لدول في المنطقة وخارجها، مع ملاحظة أن «حزب الله» لم يستورد مذهبه الشيعي من إيران، وهي التي أخذت دينها وتشيعها في القرن السابع عشر من علماء جبل عامل. فاللبنانيون هم الذين كان لهم التأثير الكبير في إيران على المستويين الحضاري والديني في القرون الأخيرة.
أخيراً، ومع تعدد التسميات السلبية لـ«حزب الله» (التي توزّعت على كونه عميلاً لإيران، وورقة ضغط بيد سوريا، وأنه يحارب بالنيابة عنها وعن إيران، فهو إذن «خادم الأسياد») ، يمكن القول أن «حزب الله» سعى منذ تأسيسه ليكون مشروع مقاومة إسلامية لتحرير الأراضي العربية المحتلة، ومشروع معارضة للنظام السياسي اللبناني (تحوّل في ما بعد إلى جزء من جسده) وهو أيضا قنبلة موقُوتة ستنفجر حين يواجه نظام الجمهورية الإسلامية في إيران خطر الانهيار الجدي والسقوط، وعندها سيتخلى «حزب الله» عن كل حساباته الوطنية ليعود إلى كربلائية أحزاب ولاية الفقيه التي ترفع شعارات من قبيل: «كل يوم عاشوراء وكل أرض الجمهورية الإسلامية… كربلاء»!..

إيران ولبنان: من دولة الحزب إلى الدولة عن طريق الحزب!

نجاح محمد علي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية