إيضاح نكران الغرب جميل الشّرق عليه

هناك جهود قيّمة لكتّاب غربيين في القرنين الأخيرين، حاولوا أن يقدّموا صورة أكثر موضوعية في أذهان الغربيين حول تأثير الإسلام والحضارة العربية الإسلامية عموما في أوروبا. وهو جهد يعدّل قدر الإمكان الطّروحات المظلّلة التي قدّمها الكتّاب المسيحيون في القرون الوسطى، التي اجتهد أصحابها في تقديم صورة باهتة عن الإسلام، رغبة في الحطّ من شأن الحضارة التي أنتجها، والتي كان لها تأثيرها العظيم في تحقيق أوروبا لنهضتها.
وقد أكّد كثير من الباحثين الغربيين أمثال وليام مونتغمري واط على أنّهم لا ينظرون إلى المسلمين على أنّهم متطفّلون غرباء على أوروبا، بل بوصفهم ممثّلين لحضارة ذات إنجازات عظيمة أقيمت على رقعة كبيرة في العالم، وامتدّت فوائدها لتشمل أجزاء مهمّة من الكرة الأرضية.
ويُعدّ إنكار فضل الحضارة العربية على أوروبا كبرياء زائفا ومكابرة تصدر عن حقد أيديولوجي وتوجّس حضاري. أمّا الاعتراف بالمنجز الحضاري والثقافي الذي أنتجه العرب والمسلمون، الذين كانوا فيه منفتحين على غيرهم غير منكرين للمنجزات العلمية السابقة لهم، فهو اندماج في المسار الحقيقي للتّاريخ بعيدا عن الانحرافات الحاقدة وشهادة الزّور. ولعلّ من أبرز وجوه الانفتاح الثقافي والتفاعل الحضاري العربي الاسلامي، ما قام به المأمون، الحاكم المتنوّر، من جهد الترجمة ونقل المعارف وتمثّلها والتفاعل مع ثقافات الحضارات السابقة والمجاورة تاريخيا. وهو الذي تأصّـل في عهده سلوك معرفي من نوع خاصّ، اشترك فيه الحاكم في الحياة الفكرية بالحضور والسّؤال والمحاورة والمناظرة، ودعوة أهـل الفكر والنظر إلى مناقشة الأجوبة والمباحثة، وفي ذلك تجاوز المأمون عن قصد ودراية مرحلة اعتبار المعرفة ثقافة للسلوك القويم من داخل مطالب المركزية الثقافية والعربية الإسلامية، إلى مرحلة اعتبرت المعرفة وسيلة إلى الاعتقاد ومسلكا إلى السلطة بمعناها الواسع، ونتج عن هـذا الاهتمام الواسع بالعلم، وبتركيز «ثقافة الدولة» توسيع حدود العلم ليهتمّ بنقل علوم الأوائل، وهو مطلب افترض الإلمام بالروافد المعرفية على اختلافها إن قليلا أو كثيرا.
وقد عبّر المسعـودي عن ذلك بقوله: «الواجب ألاّ يوضع إحسان محسن عدوّا كان أو صديقا، وأن تؤخذ الفائدة من الرفيع والوضيع». وجاء عن الكندي في كتابه إلى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى: «ينبغي أن يعظم شكرنا للآتين بيسير الحق فضلا عمّن أتى بكثير من الحق، إذ أشركونا في ثمار فكرهم، وسهّلوا لنا المطالب الحقية الخفية، بما أفادونا من المقدمات المسهّلة لنا سبل الحق، فإنهم لو لم يكونوا لم يجتمع لنا مع شدة البحث في مددنا كلّها هذه الأوائل الحقية التي بها تخرّجنا إلى الأواخر من مطلوباتنا الخفية، فإن ذلك إنّما اجتمع من العصور السالفة المتقادمة عصرا بعد عصر إلى زماننا هذا، مع شدّة البحث، ولزوم الدأب وإيثار التعب في ذلك».
هو ضرب من وعي أفضى إلى ذاك التفتّح الواسع، الذي لا يحدّه شيء ولا يقف في سبيله أي تزمّت أو تعصّب ولا ضيق نظر، من شأنه أن يحدّ من تفاعل النظام المعرفي الدّيني الإسلامي وأنظمة المعرفة الموروثة، وهو العامل الأكبر في ازدهار الحضارة العربيّة الإسلاميّة، ذاك الازدهار الشامل الرائع الذي أضاء العالم في العصر الوسيط، دفعا لمسيرة العلم والمعرفة ولأجواء الارتقاء بالإنسان فكرا وثقافة وكيانا أنطولوجيا. وقد ســاهمت تلك الجرأة العلمية في بناء سلطة القول العلمي من جهات فكرية متعدّدة، حين خاطبت العقل الفاحص والناقد، بما هو أعلى سلطة يمتلكها الإنسان، بها استقام له معنى الاستخلاف كذات مفكّرة ومسؤولة، تتساءل دوما عن الأغراض والغايات والحكمة من وجود الشيء وضديده، وتنظر في الطبائع والماهيات، وفي الكون والإنسان، وعلاقته بربّه وبالعالم، وتنسج التصوّرات الحيّة عن اهتمامات وقضايا المجتمع. وتجتمع تلك المعاني لتعبّر عن رغبة الفكر الاسلامي الفلسفي والعلمي في استكناه حقائق الأشياء، والنظر في وجودها وطبيعتها، وتفسير كينونتها والبحث في عللها وغاياتها – ذلك أن الفكر إنّما يتقدّم في مراجعـة دائمة لتاريخه ولأفكاره، وتقدّمه كثيــرا ما يعـرف التعطّل والانكفاء والانحراف، كما يعرف الإصلاح والإكمال والانبعاث وغير ذلك من أشكال التواصل في طلب الحقيقة، وهو يقف موقف من يفحص كلّ شيء ويحكم على كلّ شيء ويشرئب دائما إلى بلوغ ذروة الوعي، وهو المتّهم لظنّه في المعاني الخفية، المتّبع الحجة والبرهان لا قول القائل الذي هو إنسان، المخصوص في جبلّته بضروب الخلل والنقصان.
لقد قطع المسلمون مرحلة مهمة في سبيل العلم والأدب والفلسفة والفنون، على أنّه من الضروري أيضا اعتبار أنّ المدنيّة ترتكز على جملة حقائق تكوّنت من المكتسبات العقلية التي تعاقب البشر على توفيرها وتنميتها، وتوارثتها الأمم جيلا بعد جيل، وطوّرتها طبقا لدرجات التمدّن وازدهار العمران البشري وارتقاء الاجتماع الإنساني. وإنّنا لا نفاخر بماضي العرب والمسلمين ونتغافل عن الحاضر الذي ليس لأمّتنا فيه أيّ إسهام علمي أو تقنيّ يُشهد له، ولكن محاولة بناء الاستئناف الحضاري تقتضي منّا التذكير بما به صنع العرب والمسلمون أمجادهم وقدروا على الفعل الثقافي والسياسي، وعلى إنتاج المعرفة في كافّة المجالات. ونحن وإن تكلّمنا عن حضارة العرب والمسلمين فما ذلك إلاّ للغاية التي سبق ذكرها، وقد لا يفوتنا أيضا إيضاح نكران الغرب جميل الشّرق عليه، وما يُبديه كتّابه ضدّه من المحاباة والتحامل، رافضين الاعتراف بإسهامات الحضارة العربية الاسلامية في الفكر الإنساني، وما كان لها من دور في الدّفع بهم نحو استشعار حال التخلّف والانحطاط الذي كانوا عليه تحت مظلّة الكنيسة وتعاليمها الظلاميّة المتشدّدة. فتأثير الاسلام في العالم المسيحي الغربي أكبر ممّا يُعتقد بشهادة أصدق كتّاب الغرب وأكثرهم حيادية وعلمية، ومن الثابت أنّ الإسلام حفّز أوروبا فكريا في مجالات العلوم والفلسفة ودفعها إلى تشكيل صورة لنفسها. وكما أكّد وليام مونتغمري واط فإنّ مهمّة أوروبيي اليوم خاصة مع الانتقال إلى عصر العالم الواحد، هي تصحيح الاعتقادات الخاطئة التي كرّسها الغرب منذ القرون الوسطى عن الإسلام وحضارته عموما، والاعتراف بفضل العالمين العربي والاسلامي.
كاتب تونسي

إيضاح نكران الغرب جميل الشّرق عليه
 
لطفي العبيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية