إن كان للغباء دين فعليك به، قبل أن يتحول إلى عقيدة تبشيرية لها أتباعها وأئمتها وفروضها وقنواتها الفضائية، حينها لن ينقذك محمد علي كلاي بحكمته وقد خانته قبضته حين أخبرنا أن العيب ليس أن تنطرح أرضا إنما أن تظل منطرحا على الأرض، وبما أن الغباء موهبة تعزز لدى أصحابها يقينهم بأفضليتهم، فإن تيم حسن في مسلسل «نص يوم» راهن على أن يكون غبيا بذكاء، فخسر رهانه واحتفظ بموهبته، ليتحول إلى وصيفة لملكة جمال لبنان على مدى موسمين رمضانيين، ويا خسارتك يا تيم!
يفترض أن ينتمي المسلسل إلى الدراما البوليسية، ولكنه افتقر إلى كل مقوماتها، دون أن يفرط بقناعة المشاهد أن المحقق البوليسي العربي على أرض الواقع لا يتمتع بالذكاء الكافي لإسعاف الدراما بنموذج مقنع، ولهذا أبقى المخرج على الغباء الواقعي بإضافة غباء درامي ينقذ المحقق من جنحة الذكاء بمواقف «تخويث» تذكرك بتصريح مغفل لجون كيري تداولته مواقع التواصل الاجتماعي كبوستر للغباء مستعينة بملامحه البلهاء مفاده: «سنحارب داعش حتى آخر جندي عربي»، وقد قام «نص يوم» بمهمة كيري على أكمل وجه لما أطاح بكل الجنود من أجل الإبقاء على الغباء «كملك»، وهو ما عف عنه غاندي حين رفض تعلم الشطرنج صونا لهيبة اللعب!
لماذا خلقتَ النساء؟
شخصية البطلة نادين نجيم محتالة، محملة بالقسوة واللامبالاة، تحتاج إلى حياكة قماشة درامية على مقاس نفسيتها الصعبة بحيث تنهار تدريجيا قبل بلوغ القاع برصيد هائل من الضعف الذي يختبئ وراء قناع الحقد، وهذا ما لم نره، ففي حلقة الكشف عن الوجه الحقيقي للشخصية سقط الأداء في نوبة عاطفية مبالغ بها وبكاء مجاني خذل الجنون والدهشة فأثار الشفقة، حتى تقنية «الفلاش باك» لم تخدم النفس البوليسي للحكاية التي تخبطت بين التصورات والرؤى الفنية تتوسل صيغة مبتكرة دون جدوى لتتفسخ القماشة ويتم نتش نسيجها فلا يتبقى منها حتى شكة إبرة على شريحة «الباترون».
رغم أن رمزية القتل بالسم في فنجان قهوة كانت رائعة، إلا أن جمود الانفعالات والحفاظ على كل هذا البرود في الأداء عكس سطحية النص «سايكولوجياً»، والإخراج الذي أبقاها مُتَمْثلة «داخل التمثال»، بهيئتها الخارجية لتخفق بالتعبير عن الحجرية كانفعال «جُوّاني»، بسوء فهم مشترك تواطأ جميع طاقم العمل عليه فحولوا الجمود إلى وجه إبداعي مشوه للقسوة، والهدوء الذي يضمر سعيرا – كما يفترض – إلى قناع بليد لا يشي بنفحاته الحرارية السرية أو لسعاته الكهربائية الغير مرئية، لتبدو نجيم منطفئة لا يمكن إشعالها ولو ألقيت بها في مرمى للجمرات!
كان بإمكان العمل أن يكون تحفة فنية لو وجد نصا متحايلا على قناعات المشاهد ليقنعه، لكنه سيناريو لتفاصيل التافهة وشخصيات فضفاضة لم تعبئ فراغا ولم تثر حدثا، عداك عن أن «ميار» افتقر إلى ما تشتهيه النساء من خشونة الرجال حين ترق قلوبهم، ولأنني أكتب إليك أيها المشاهد بكامل ذكورتي تمنيت لو أن نجيم تمكنت من الشخصية أكثر لتبرهن للعذاب أن (العذاب امرأة)، ولكنها لم تفعل، ليبقى السؤال معلقا: يا إلهي، لماذا خلقت النساء؟
الشاويش ابن الإيه
من يرى معتز مطر على قناة « الشروق» ومحمد ناصر على «مكملين» وسامح شكري واصلا للأرحام في اسرائيل وقاطعا لحبال الوريد في غزة يحس بهول الكارثة، فناصر الدسوقي خطف الأضواء من السيسي في رمضان، مما شجع على انسحاب الشعب المصري من ميادين التحرير ورابعة و حلبات الفلول ومعارك النياق للاصطفاف خلف الشاشات فرادى وجماعات، أو عند الحلاق للحصول على «لوك» محمد الرمضاني في مسلسل «الأسطورة»، أو في حارات البلطجية الفيسبوكيين، وعمار يا مصر!
من وجهة نظر معتز وناصر، فإن الشعب بحاجة لبطل جدع، ولكن البطل الذي رأيناه كان «داعشيا» على الموضة، يتحدى «الحتة» والشرطة بالسلاح وبما ملكت أيمانه، مع مراعاة الـ «لوك» الذي حصر البطولة في صالونات الحلاقة والرؤوس المطأطئة لشفرة الموس الذي يحول الزبون إلى «مزة»، ولست أدري إن كان يمكن تحميل هذه الشخصية أبعادا سياسية أو إسقاطا دراميا على الشاويش فرعون، أو أنها مجرد رسالة مُشفرة للسيسي، يغمز بها الحلاق وهو يسن رمحه «موسه»: هل أنت «الأسطورة» يا ابن الإيه؟
التخنيث الدبلوماسي
أيها المشاهد لا أكتب إليك بقلمي إنما بعرق الروح ودم الأعصاب في زمن ينطبق فيه المثل القائل «اللي خلف ما ماتش» على المرحوم «عكاشة»، لأن نسخه المولودة في برج القرد حسب التقويم الصيني، ترث جيناته التطبيعية كشرائح درامية وروائية وسياسية عيناتها: عادل إمام وأمين معلوف وسامح شكري الذي دشن بامتياز مرحلة التخنيث الدبلوماسي!
لمن تقول إذن يا عيب الشوم؟
تركي الدخيل أروع المنجمين
لا أعرف لماذا أفضل الشماغ والكندورة «الثوب» مع الشوارب، ربما لأنني فلاح كجدي الذي اعتاد أن يمشط شنبه بفأسه فتحمر وجنة الأرض انتشاء بعرق شفتيه، وسأكتفي ولن أزيد لأنني رجل لعين وخجول أقول نصف ما أشتهي وأكتب ما لا أريد!
تركي الدخيل كان حليقا كالشريان وعادل الجبير، الذين يشكلون ثالوثا إعلاميا تنكريا لهيئة العربي البدوي الذي لطالما رسخ في ذاكرتنا وعشبة الخلود تكلل محياه، ورغم هذا، لا بد من الإشادة بالإعلام الخليجي في معظمه، لإصراره على التمسك بتراثه وزيه وقيمه، وعدم الذوبان في ميمعة الخلطبيطة الفضائية، رغم ما نراه من إشارات توحي بانزلاق مغناطيسي أعوج!
نجح الدخيل باختطاف «الشريان» البرنامج، وهو يصر على إدغام سيرته الذاتية برسالته المهنية، مركزا على هدفه الذي جاء له: رسالته الفضائية، وأشهد له براعته وحنكته وعناده وقوة شخصيته التي لم تدرك تواضعا ولم تلب غرورا، لتمكنه من إيصال رسالته للإرهابيين الذين ردوا عليها بإشارة مفخخة في الحرم النبوي الشريف وجدة والقطيف، كأن الدخيل بفطرته المهنية كان يحدس بمُشاهدَيْن: الإرهابيين والمنومين إرهابيا، ولذلك كان يراوح بين السبر عميقا في الوقت ذاته الذي كان يطفو فيه على السطح كرسالة من ورق. المشهد السعودي ليلة التفجيرات المشؤومة كان مقروءا في فنجان الدخيل الذي يحتاج إلى طاقم يليق بنبوءته الإعلامية، طاقم لا يتنافخ بعنجهية وهو يتلو أخباره الملغومة، بل يعصر روحه حتى آخر قطرة ليسكبها في عين كاميرا يبس الدمع في أحداقها!
تقع المسؤولية الكبرى على الإعلاميين – في هذا الظرف العصيب – الذين لا يتأسرلون ولا يتدعشون ولا يتأمركون ولا يتقيصرون ولا يتسلطنون ولا يتأيرنون، وهؤلاء لن نحتاج إلى وثائق ويكيليكس كي تثبت خيانتهم، لأن أقلامهم أهم وثيقة تدينهم وعلينا أن نطالب بمحاكمتهم ونحن نراهم يشمتون بجزيرة العرب ومصلى النبي الكريم، ويهزون أجسادهم انتشاء بطبول كسرى، ومقالتي المقبلة هي رسالتي لسيد المقاومة حسن نصر الله ومريديه، فصبرا جميلا!
عصام الشوالي
كعادته عصام الشوالي أتحفنا في نهائيات بطولة اليورو، وقد شاركه كريستيانو رونالدو الذي حرك الملعب بقدم مصابة وهدف جريح، فانتصر على خصمه وهو خارج ساحة المواجهة فمابالك لو كان وسط الميمعة!
وإنه الشوالي، الذي يهز الشباك بلغته قبل أن تهزها الأهداف الذهبية والركلات التي تراق لها الدماء والدولارات والغوايات والصراعات، وقد شاهدنا المواجهات التي نشبت بين الجماهير بعد وقبل المباراة، فهل الكرة أنثى؟
حين كان يتحدث الشوالي عن الرجال الذين يحمون الحمى ويذودون عن عرض الشباك تذكرت التخنيث الدبلوماسي في فقرة عكاشة، فبعد أن بلغ التعليق ذروته، وحمحمت الجماهير على وقع أواره الحماسي وأجيجه العاطفي، صدمني ما أضمره أكثر مما أعلنه حين هتف لرجال فرنسا الذين صانوا مجدها، ليذكرني بمذيعة المستقبل السابقة غيداء مجذوب في التسعينات حين نسبت بيروت إلى أمها فرنسا… ويح العبارات المبتورة إذن، وطوبى للغتك يا الشوالي حين تطيح بحواءات الملاعب!
كاتبة فلسطينية تقيم في لندن
لينا أبو بكر