نيويورك (الأمم المتحدة) ـ «القدس العربي»: أعلن مساء الثلاثاء في باريس عن اتفاق تم التوصل إليه بين المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، وفايز السراج رئيس المجلس الرئاسي الليبي وبحضور كل من الرئيس الفرنسي إيإيمانويل ماكرون وممثل الأمين العام الجديد في ليبيا غسان سلامة. ويتكون الاتفاق من عشر نقاط تتضمن وقف إطلاق النار إلا إذا كان في قتال الإرهاب (والمختلف عليه بين الإثنين) وتنظيم انتخابات في ربيع عام 2018 وتوفير الظروف المناسبة لإنجاح الانتخابات الرئاسية والتشريعية. واتفقا على أن حل الأزمة الليبية لا بد أن يكون سياسيا بعيدا عن الحسم العسكري. ويؤكد الطرفان على أهمية الاتفاق السياسي الذي اعتمد في الصخيرات في كانون الأول/ديسمبر 2015 وبالتحديد البند 33 الذي يتحدث عن دور الجيش الوطني المهني الذي يخضع لقيادات سياسية منتخبة. ودعا الاتفاق الميليشيات إلى الانضمام الطوعي إلى الجيش أو أجهزة الأمن ومن لا يريد ذلك فبإمكانه الانضمام إلى مؤسسات الدولة المدنية. كما طالب الاتفاق المجتمع الدولي والأمم المتحدة بدعمه وتبنيه.
والسؤال الآن هل يستطيع هذا الاتفاق أن يجمع بين القوة العسكرية الأقوى في الشرق الليبي والقوة السياسة الأكثر قبولا في العالم في الغرب الليبي؟ وهل ستقبل الميليشيات المسلحة حل نفسها والانضمام إلى وحدات الجيش التي يقودها حفتر؟ يستطيع غسان سلامة إقناع مجلس الأمن بالتوجه الجديد الذي يزاوج بين شرعيتين: مجلس النواب في طبرق والذي منح الشرعية، طوعا أو كرها، للواء حفتر الذي رقى نفسه إلى رتبة مشير، وشرعية فايز السراج المنبثقة عن الاتفاق السياسي الليبي المعترف به دوليا والذي تبناه مجلس الأمن في القرار 2259 الذي اعتمد تحت الفصل السابع بالإجماع يوم 24 كانون الأول/ديسمبر 2015؟ وسنحاول، ما استطعنا، في هذا المقال أن نجيب عن هذه الأسئلة.
من المستفيد من اتفاق باريس؟
تواجه ليبيا حاليا أربعة تحديات أساسية: أولا- تنازع السلطة بين مجلس النواب في الشرق وحكومة الوفاق والمجلس الرئاسي في الغرب. كل سلطة منهما تملك جزءا من الشرعية. فمجلس النواب معترف به كجهاز تشريعي وحيد والمجلس الرئاسي معترف به كجهاز تنفيذي وحيد. فلا شرعية طبرق مكتملة دون جهاز تنفيذي ولا شرعية السراج مكتملة دون جهاز تشريعي.
ثانيا- انتشار الميليشيات المسلحة في طول البلاد وعرضها بينها جماعات تتبنى الفكر المتطرف ومنها جماعات قبلية وبعضها أعلن ولاءه لحكومة الوفاق بينما رفضت مجموعات أخرى، حفتر مثلا يعتبر أن قوات فجر ليبيا جماعة إرهابية رغم أنها قامت بتحرير سرت من تنظيم «الدولة» وهذه القوات تعتبر حفتر خارجا عن القانون ودبر عملية إنقلاب دموي ويحاول أن يفرض إنقلابه على البلاد كلها بقوة السلاح على طريقة عبد الفتاح السيسي في مصر.
ثالثا- تدفق مئات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين وانتشار معسكرات لاحتجازهم وتعذيبهم ثم قذفهم إلى البحر المتوسط يواجهون خطر الموت غرقا أو الوصول إلى الشواطئ الإيطالية ليتحولوا بعدها إلى مشكلة أوروبية. لقد أصبحت ليبيا بلد العصابات المنظمة التي تتاجر بالبشر. وأقر تقرير أخير صدر عن الأمم المتحدة أن نسبة الإتجار بالنساء لأغراض الاستعباد الجنسي في إيطاليا إرتفع بنسبة 600 في المئة في السنة الأخيرة فقط.
رابعا- التدخلات الخارجية في الشأن اللبيبي حيث وضعت مصر والإمارات كل ثقلها خلف حفتر ثم انضمت فرنسا إلى هذا التيار وأرسلت عناصر أمنية تقاتل مع حفتر وتقدم له المشورة وقد فضح الأمر بعد مقتل ثلاثة من رجال الأمن في 21 حزيران/يونيو 2016. إيطاليا مثلا تفضل حصر التعامل مع حكومة الوفاق والسراج، بينما روسيا وأخيرا الولايات المتحدة بدأت تنفتح على حفتر لأنه يمثل قوة عسكرية على الأرض.
لا شك أن اتفاق باريس أعاد تأهيل حفتر دوليا وستضطر كثير من الدول التي كانت مترددة في التعامل معه إلى إعادة حساباتها حسب تصريح جريدة «الغارديان» البريطانية. فقد قدم اتفاق باريس حفتر على أنه الرجل الصعب والذي شق طريقه نحو الاعتراف بالقوة والحنكة والدعم المصري والإماراتي أساسا. وترجم هذا الموقف مزيدا من العنجهية والغرور كما عبر عن ذلك تصريحه بعد الاتفاق لقناة «فرنسا 24» عندما خاطب شريكه في الاتفاق قائلا: «على فايز السراج أن يبتعد عن العنترة التي لا يملك منها سوى الكلام».
العقبة الأساسية أمام هذا الاتفاق هو وقف إطلاق النار وتفسير الأطراف لهذا البند. فالعديد من التعليقات والمقالات التي تلت الاتفاق شككت في إمكانية مراعاة وقف إطلاق النار وسيقوم حفتر باستغلال النص الذي يستثني الجماعات الإرهابية من الأعمال العسكرية. فبالنسبة لحفتر فكل من يعترض على تصنيفه «من هو إرهابي» إنما هو إرهابي. فحسب قرارات الأمم المتحدة هناك تنظيمان صنفا على أنهما إرهابيان «القاعدة» ممثلا بأنصار الشريعة وتنظيم «الدولة». فبينما استطاع حفتر أن يهزم جماعة «أنصار الشريعة» في بنغازي استطاع أيضا طرد جماعة «داعش» من مدينة درنة في الشرق الليبي. لكن جماعة فجر ليبيا المنتشرون في طرابلس والغرب الليبي استطاعوا هزيمة «داعش» في سرت وطردهم تماما من المنطقة. إلا أن مسلحي فجر ليبيا بالنسبة لحفتر عبارة عن جماعة إرهابية وكذلك سرايا الدفاع عن بنغازي والجماعات الجديدة من تنظيمات الإخوان المسلمين. وقد أصدر «حزب العدالة والبناء» القريب من تنظيم الإخوان المسلمين بيانا يشكك فيه باتفاق باريس. وجاء في البيان الصادر مباشرة بعد الاتفاق: أن الحزب «يرفض إدخال أي تعديلات على الاتفاق السياسي دون رعاية مباشرة من منظمة الأمم المتحدة. كما أن عقد أي لقاءات برعاية دول منفردة هو انحراف عن المسار السياسي للاتفاق السياسي، وتشويش عليه، ويفتح المجال لأجندات تلك الدول بتغليب طرف على الآخر أو بتعميق هوة الخلاف واستمرار الانقسام والأزمة». لكن محمد صوان رئيس الحزب رحب بالاتفاق واعتبره خطوة مهمة على طريق حل الأزمة الليبية. فقد كتب على حسابه في تويتر: إن لقاء باريس وما نتج عنه يعتبر تغييرا غير مسبوق في موقف أكبر معرقلي اتفاق الصخيرات ورافضي السلطة السياسية العليا للمجلس الرئاسي، وفشل مشروع عسكرة الدولة في ليبيا الذي يقوده حفتر بدعم إقليمي، وقبوله للمجلس الرئاسي كسلطة سياسية فوقه.
دور غسان سلامة والأمم المتحدة
الأمم المتحدة تعاملت مع الملف الليبي من قناة الشرعية الدولية التي مثلها ويمثلها المبعوثون الخاصون للأمين العام لليبيا منذ عبد الإله الخطيب ووصولا إلى غسان سلامة مرورا بطارق متري وإيان مارتن وبرناردينو ليون ومارتن كوبلر. وكانت المنظمة الدولية ترى أن الحل هو في التوافق الليبي عبر الحوار متعدد الأطراف: أحزاب، وميليشيات وطنية، ومجتمع مدني، وقبائل، وطلاب وتجمعات نسائية. ورأت أن الاتفاق الذي توصل إليه الليبيون في الصخيرات في كانون الأول/ديسمبر 2015 يمثل سفينة النجاة بالنسبة لليبيا وبالتالي تم اعتماده بالاجماع في قرار أممي صادر عن مجلس الأمن تحت الفصل السابع. لكن تبين أن الاتفاق، وخاصة البند الثامن، الذي يعطي المجلس الرئاسي حق تعيين المسؤولين عن الجيش والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية اصطدم بعقبة كبيرة يمثلها حفتر والذي ضغط على مجلس النواب لعدم تبني البيان وبالتالي بقيت الشرعية في ليبيا مقسومة بين برلمان طبرق والمجلس الرئاسي.
يبدو أن غسان سلامة الآن في وضع أفضل لتسويق بعض التعديلات على الاتفاق لضم الشرعيتين معا وبالتالي يصبح السراج المرجعية السياسية الأولى في البلاد مدعومة من قوة عسكرية يمثلها حفتر وشرعية يمثلها مجلس النواب، فإذا استطاع غسان سلامة أن يضمن هذا الثالوث القوي: حكومة الوفاق الوطني والبرلمان والجيش، يستطيع في تقريره الأول أمام مجلس الأمن أن يسوق هذا الاتفاق على أنه خريطة طريق جديدة يدعمها معظم أبناء الشعب الليبي الذين سئموا من القتال والاقتتال ويستصدر قرارا جديدا، أو على الأقل، بيانا رئاسيا يصدر بالاجماع، يؤيد المبادرة الجديدة التي يعمل على تحقيقها وبدعم قوي من داخل المجلس آت من فرنسا ومصر أساسا ثم روسيا والولايات المتحدة والسنغال. وعندها لا تملك إيطاليا وألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي وتركيا وقطر إلا السير في الركب الدولي كي لا تظهر وكأنها تعطل عملية سلمية توافق عليها غالبية الليبيين إن لم يكن كلهم.
عبد الحميد صيام