اتهام رؤساء تحرير الصحف الخاصة بالتواطؤ مع رجال الأعمال… ومطالبة الدولة بالبحث عن مصادر أموالهم

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي» من: ازدحمت صفحات الصحف الصادرة أمس الأربعاء 12 نوفمبر/تشرين الثاني، بالأخبار والموضوعات التي ينافس بعضها بعضا في الأهمية، فلا يزال الحديث متواصلا عن حوادث الطرق والإهمال الذي راح ضحيته العشرات، بسبب فوضى القيادة ونزول شرطة المرور في حملات على معظم الطرق، ووصلت الأمور إلى حد غريب وتحالف غريب. أخبرتنا به زميلتنا الجميلة الرسامة في الأهـــالي سحر وهو تحالف الإرهاب والإهمال، إذ قالت إنها شاهدت بعينيها إرهابيا يمد يده لمصافحة الإهمال ويقول له مبتسما:
– إنت بتوفر عليّ شغل كتير عايز أحييك بارك الله فيك.
بينما واصلت قوات النخبة من الجيش والشرطة في شمال سيناء هجماتها بالتنسيق مع طائرات الهليكوبتر ضد أماكن وجود التكفيريين المطلوبين، وحرقها وتدميرها. كما تعرض كمين للجيش لإطلاق قذائف هاون من دون أي خسائر، وانفجار سيارة مفخخة في العريش من دون خسائر أيضا، وانفجرت قنبلة بدائية الصنع في اثنين كانا يستقلان دراجة بخارية على الطريق الدائري بالقاهرة، وقتل أحدهما وأصيب الآخر وألقي القبض عليه. كما شنت القوات الخاصة بالشرطة وبحضور وزير الداخلية حملة على أوكار لبلطجية وإرهابيين، وضبطت لديهم أسلحة من بينها مدفع صناعة محلية يطلق القنابل لمدى خمسمئة متر.
كذلك نشرت الصحف عن اجتماع الرئيس عبد الفتاح السيسي مع مجموعة كبيرة من شباب أصحاب الأعمال الصغيرة والمبدعين، وموافقته على إنشاء شركة رأسمالها عشرة آلاف مليون جنيه، ترتفع إلى عشرين ألف مليون جنيه لمساعدتهم في مشروعاتهم وتطبيق اختراعاتهم. كما أصدر قرارا آخر بتخصيص مساحة ألفين وثلاثمئة فدان للجيش لإقامة مدينة سكنية مزودة بكل الخدمات والأنشطة ولها واجهة على ساحل البحر لأهالي منطقة الضبعة بالصحراء الغربية، الذين تركوا أراضيهم ومنازلهم لصالح إقامة مشروع المحطة النووية.
وشارك الجيش في الاحتفال بمرور مئة سنة على بدء الحرب العالمية الأولى في الحادي عشر من نوفمــبر / تشرين الثاني عام 1914 ومشاركته بريطانيا وفرنسا في الحرب ضد دولة الخلافة العثمانية.
كما برزت مشكلة مفاجئة أمام مصر لا نعرف كيف ستتصرف فيها وهي انهيار جهودها التي بذلتها لتحقيق المصـــالحة الفلسطينية بين السلطة وحركة فتح، وبين حركة حماس في غــــزة، وكذلك تنظيمها للمـــــؤتمر الدولي لإعادة إعمارها، بعد أن وجه الرئيس الفلسطيني محمود عباس يوم الثلاثاء، كلمــــة في الاحتفال بالذكرى العاشرة لوفاة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، اتهم فيها قيادة حــــركة حماس بأنها وراء التفجيرات التي تعرضت لها منازل خمسة عشر قياديا من قادة فتح في غزة، وتدمير المنصة التي أعدت للاحتفال بذكرى وفاة عرفات.
وإلى قليل من كثير عندنا…

بعض الإعلاميين يعتبرون
الرئيس استثناء لا يُنتقد ولا يُحاسب

لا تزال المعارك مشتعلة ومتواصلة حول الإعلام المرئي والمكتوب، من قنوات تلفزيونية وصحافة خاصة وقومية، حول ما تتم إذاعته فيها من برامج وما تنشره من مقالات قال عنها يوم الأربعاء في «المصري اليوم» زميلنا حسام السكري: «لدينا كتاب يحرضون على التصفية الجسدية والقتل بالشبهة، لكل من يخالف أو يختلف أو يتساءل. وآخرون يطلون على الشاشة بهدف تحريض شعبنا على أشقائه من جزائريين ومغاربة وسوريين وفلسطينيين. إعلاميون يطربون وتلمع عيونهم عندما ينادون بمزيد من القتل والدم ويطلبون من الرئيس أن يجز ويجزر ويسعدهم تخيل الجثث بالعشرات أو بالمئات من دون التزام بأطر وقواعد القانون.
لدينا مذيعون يستمرئون الكذب ولا يخجلون من اختلاق القصص والروايات التي ينسبونها لمؤلفي الكتب والمذكرات من الساسة الغربيين. لدينا إعلام يعشق صنع الآلهة.. إعلاميون احترفوا نحت الأصنام.. الرئيس في قولهم استثناء لا يُنتقد أو يُحاسب أو يُساءل، فهو ليس رئيسا تقليديا نطبق عليه قواعد النقد الكلاسيكية، هو ظاهرة استثنائية غير تقليدية وغير متوقعة. وعلى هذا الأساس يجب أن نفهمه؟ كل هؤلاء لا يوجد من يسائلهم، بل رأينا ما يشي بأنهم مقربون يكافأون على تجاوزاتهم في حق المهنة والناس».

إعلام المخبرين يصنع أشخاصا لا يُعرف تاريخهم

وفي اليوم التالي الخميس قالت زميلتنا الجميلة نور الهدي زكي ـ ناصرية ـ في الجريدة نفسها: «وصل بنا إعلام المخبرين إلى حالة من حالات الهستريا التي تصيب المجتمعات بالوباء والبلاء. وباء من حيث الانتشار المرضي والطعن في الوطنية والاغتيال السياسي للخصوم، ونشر الفضائح وتلفيق التهم التي تنتهي أمام القضاء بعد أن تفعل فعلها في مجتمع يقتات على سير الآخرين المنطوقة والمرئية. يسقط المخبرون كل ليلة رموزا وطنية لا تستجيب إلا لضميرها الوطني، ويطعن المخبرون كل يوم في شرف ووطنية شباب صغير شارك في الثورتين، وكان لديه أمل في تغيير. ويصنع لنا إعلام المخبرين أشخاصا لا نعرف لهم تاريخا ولا مهنة ولا ثقافة ولا هوية، ألا يستدعي هذا الوباء وقفة من رموز مصر ومثقفيها للبحث عن سبيل من هذا المنحدر».

برامج «التوك شو» لا يحكمها
ضابط مهني أو أخلاقي أو لغوي

ويوم الأحد نشرت «المصريون» الأسبوعية المستقلة تحقيقا لزميلنا محمد منسي والجميلة أمينة عبد العال جاء فيه: «تسود حالة من البلطجة الإعلامية حاليا في وسائل الإعلام المختلفة، خاصة الإعلام الخاص. وهناك العديد من الأمثلة في برامج «التوك شو» لا يحكمها ضابط مهني أو أخلاقي أو فكري أو لغوي، يتحدث مقدموها كما يتحدث رواد المقاهي من الدهماء والعامة، يتأوهون ويصرخون ويشوحون بأيديهم ذات اليمين وذات اليسار، ويهزون رؤوسهم وذلك من دون استثناء لقضية جادة أو غير جادة، يتوعدون هذا ويسبون ذاك، ويحرضون على العنف، كل ذلك في إطار لغة سفيهة وأحاديث بالغة الجهل. وأكد ياسر عبد العزيز الخبير الإعلامي، أن حالة السيولة والاضطراب التي تشهدها مصر حاليا تأثرت بالإعلام وأثرت فيه، وبسبب هذا التأثير المتبادل أخذت بعض أنماط الأداء الإعلامي منحى حادا ومنفلتا، من الضروري أن يقف الإعلاميون وقفة مع أنفسهم ويراجعوا الطريقة التي يؤدي بها بعضهم عمله. ولاحظ محمد الخولي الخبير الإعلامي أن بعض المذيعات والمذيعين كادوا أن يتحولوا إلى زعماء، حيث يتصورون أنفسهم قادة فكر، على الرغم من أنهم في النهاية «حراس بوابة» عملهم، من خلال متحاورين أو ضيوف أو تقرير إعلامي ميداني، أبطاله هم الجماهير وهنا يكون «مودريتيور» في الإعلام الحديث الأمريكي، وهو يعتبر أنجح التجارب الإعلامية، حيث لا يتدخل المذيع في مضمون الرسالة، بل فقط يوجه ويربط بين المتحاورين، ويعلق في الإطار العام ولا يحمل توجهات خاصة للمشاهد. وقد يصل به الحماس غير المطلوب إلى الإثارة الدرامية، وهو ما يصل به إلى التوتر العصبي وإلى مستوى متدن من السباب والشتائم. هؤلاء يمثلون خطرين، الأول إنصراف قطاعات من الجماهير عنهم. والخطر الثاني يتمثل في تقديم نموذج سيئ للأطفال والمراهقين».

القانون يجب أن يحول
دون ترشح المتهمين بالفساد والمدانين

وما أن قرأت زميلتنا الجميلة في «الأخبار» الناقدة الأدبية عبلة الرويني ذلك حتى أرادت في اليوم نفسه الأحد أن تعطي مثلا في عمودها اليومي ـ نهار ـ قالت فيه عن محمد فودة الذي يكتب مقالا أسبوعيا في صحيفة «اليوم السابع» وأعلن أنه سيرشح نفسه في انتخابات مجلس النواب المقبلة في زفتي في محافظة الغربية: «في حالة محمد فودة أظن أن القانون نفسه يجب أن يكون الحائل والمانع، يجب أن يحول القانون دون ترشح المتهمين بالفساد والمدانين، والصادرة بحقهم أحكام، خاصة في قضايا تمس الشرف كالنصب والرشوة والاختلاس والسرقة. ويجب أيضا أن يحدد القانون ضوابط للفضائيات والإعلام الخاص «إعلام السوق والتجارة» من القيام بعمليات الترويج الزائف وغسيل السمعة، كما حدث قبل أيام على قناة «النهار» حين استضاف الصحافي خالد صلاح في برنامجه محمد فودة، لتلميع إسهاماته وأنشطته في خدمة أبناء دائرته في «زفتي» تمهيدا للترشح لعضوية البرلمان.
كما سبق واستضافت لميس الحديدي قبل أشهر على قناة «سي. بي. سي» الفنانة غادة عبد الرازق، ومن دون أي مبرر في الحوار قالت لها تحياتي لمحمد بيه وتقصد محمد فودة زوجها، بينما سبق أن قامت قناة «أون. تي. في» بنقل مؤتمر على الهواء مباشرة أقامه فوده في «زفتي» لدعم الدستور. ومحمد فودة الذي يقدم نفسه حاليا إعلاميا، بينما هو حاصل على «دبلوم صنايع» وعمل سكرتيرا لوزير الثقافة الأسبق فاروق حسني، ثم كانت قضية الرشوة الشهيرة واستغلال النفوذ واختلاس الأوراق وتسهيل بيع أراض خاضعة للدولة إلى رجال أعمال، والتي انتهت بصدور حكم المحكمة على فودة بالحبس خمس سنوات وتغريمه ثلاثة ملايين و167 ألف جنيه وإلزام زوجته السابقة برد مبلغ مماثل إلى خزينة الدولة، وفور انتهاء مدة العقوبة «قبل سنوات» عاد محمد فودة من جديد إلى الحياة العامة والعمل على ترشيح نفسه في انتخابات مجلس الشعب المقبل.هذا وقد انفجرت الأزمة المكتومة علنا بين نقابة الصحافيين من جهة والحكومة وملاك الصحف والفضائيات الخاصة علنا، واتهمت النقابة هذه المرة الحكومة بالعمل ضد الصحافيين والتواطؤ مع رجال الأعمال ضدهم، وأكدت النقابة صحة شكوكها السابقة في الحكومة، التي تجلت من مدة عند إعلانها تشكيل لجنة من وراء ظهر النقابة والمجلس الأعلى للصحافة، من عدد من ملاك وسائل الإعلام لبحث تشكيل مجلس الإعلام، وتحدت الدستور في ذلك وهاجمتها النقابة والمجلس الأعلى. واجتمع إبراهيم محلب مع النقيب ضياء رشوان ورئيس المجلس الأعلى للصحافة جلال عارف، وتعهد ألا يتم شيء إلا بعد تمثيلها، ووقف أي عمل للجنة، إلا أن النقابة فوجئت بتحركين: الأول اجتماع مفاجئ يوم السبت مع رؤساء تحرير الصحف الخاصة، أعلنوا فيه تأسيس اللجنة التي وعد رئيس الوزراء بتجميدها.
وهكذا أصبحت الحكومة في موضع اتهام علني ومباشر بالتواطؤ مع رجال الأعمال، كما أصبح في موضع الاتهام العلني أيضا عدد من رؤساء التحرير، وأصبح النظام الآن مهددا بالدخول في مواجهة عنيفة مع الصحافيين لن يخرج منها سالما».

إنشاء غرفة لصناعة الصحافة
ليس من شأن رؤساء التحرير

ونشرت «الأهرام» يوم الثلاثاء تصريحا لرئيس مجلس إدارتها زميلنا أحمد السيد النجار قال فيه: «هؤلاء الذين اجتمعوا ليست لهم علاقة بهذا المجال، إنه عمل لا يليق بزملاء المهنة، وأرجو أن يراجعوا أنفسهم وضمائرهم. مؤسسة الأهرام تمتلك سبعين في المئة من صناعة الصحافة، وقد أكد كارم محمود مدير تحرير جريدة «التحرير» وعضو مجلس نقابة الصحافيين أننا لسنا ضد غرفة لصناعة الصحافة تتبع اتحاد الصناعات، فهذا يساعد على تطوير الصناعة وإدارة شؤونها ونهضتها، ولكن الغرفة ليست للصحافيين، فالقانون يحظر على الصحافيين امتلاك الصحف، وبالتالي هذا ليس من شأن رؤساء التحرير ليقرروا إنشاء غرفة لصناعة الصحافة».

لن نقدم حرية إعلامنا قربانا
وهدية لبعض رجال المال

كما نشرت «الأهرام» في العدد نفسه مقالا لزميلنا وصديقنا في جريدة «المساء» وكيل مجلس النقابة السابق يحيى قلاش جاء فيه: «أعلم أن حجة غرفة صناعة الفضائيات الخاصة جاءت في ظل فراغ نتيجة غياب الكيان النقابي للعاملين في مجال الإعلام المسموع والمرئي، الذي ندافع عن ضرورة وجوده، ونؤكد أنه لا سبيل لتنظيم حقيقي لهذه المهنة من دون وجود تنظيم نقابي يعبر عن مصالح العاملين فيه، رغم أن هذه القضية بدأت مؤخرا تأخذ مسارا إيجابيا باتفاق الإعلاميين على تصور واحد لمشروع قانونهم المقدم لمجلس الوزراء، الذي أدرجه بدوره في جدول أعماله. وأعلم أن من حق ملاك الفضائيات وملاك الصحف الخاصة أن يشكلوا كيانات تدافع عن مصالحهم، بصفتهم ملاكا وهذا ليس بدعة ولا ابتداعا، وقد عرفته مصر حتى منتصف خمسينيات القرن الماضي، وكان مجلس نقابة الصحافيين منذ عام 1941 وحتى عام 1955 يتم تقسيمه بين ممثلي أصحاب الصحف وممثلي المحررين، إلى أن يتم تعديل قانون نقابة الصحافيين لتقتصر على الصحافيين دون الملاك أو المساهمين في ملكية الصحف.
الأولى بالرعاية في هذه اللحظة الفارقة التي نمر بها، ليس غرف الصناعة، مع احترامنا لأصحاب أفكار هذه الغرف وأصحاب الصناعات، وإنما التمسك بالبديهيات وألا تختلط المصالح، وألا نهرب من مطلب استقلال الإعلام في مواجهة سيطرة أي نظام، لنذهب به طوعا إلى احتكار سلطة المال، وأن نقدم مطلبنا في مهنة تقوم على الحرية وتمارس استقلالها في دولة ديمقراطية بعد ثورتين، قربانا وهدية لبعض من رجال المال، الذين لا نعرف لماذا يغريهم الإعلام إلى هذه الدرجة، ومن أين تأتي أموالهم بكل هذا السخاء، وما هي هذه الصناعة التي يريدون أن يتوحدوا من أجل رفعتها؟ لم نر مطبعة ضخمة ولا أسطولا للتوزيع ولا نموذجا خلاقا في علاقات العمل تفرق بين العمل في مشروع تجاري والعمل في المشروع الإعلامي، ولم تفرز لنا قامات في الإدارة الصحافية مثل سيد أبو النجا وفؤاد إبراهيم وصليب بطرس وعبد الحميد حمروش، كما أننا في حاجة لمعرفة الفرق بين إصدار صحيفة ناجحة ومؤثرة وقيام صناعة تنهض بالصحافة والإعلام».

تعديل قانون نقابة الصحافيين
عام 1955 جاء لحمايتهم

هذا أبرز ما جاء في مقال يحيى قلاش وإشارته إلى تعديل قانون نقابة الصحافيين عام 1955، بحيث استبعد أصحاب الصحف من عضوية مجلس الإدارة، وكان أول تعديل حقيقي للحفاظ على استقلال النقابة والصحافيين، ولم تكن هناك قوانين تحميهم من الفصل أو في حالة غلق الصحيفة، مما كان يدفع بعضهم إلى العمل في مهن أخرى وبعد أن صدر قانون تنظيم الصحافة وانتقلت ملكية «الأهرام» ودار الهلال و»أخبار اليوم» إلى التنظيم السياسي الوحيد الذي كان موجودا وقتها، وهو الاتحاد القومي، وتحويلها من مؤسسات خاصة إلى مؤسسات عامة ذات طابع خاص، حتى تكون بعيدة عن الإدارة الحكومية فقد دفعت عدة أحداث، وهي نقل أعداد من الصحافيين من عدة مؤسسات إلى وزارات للدولة بناء على طلب بعض رؤساء التحرير، ولم يكن ممكنا فصلهم لأن قانون العمل أصبح يمنع أي فصل تعسفي، ولكن الصحافيين وقفوا ضد هذا الإجراء وتوحدوا جميعا في مواجهته، إلى أن نجحت النقابة عام 1970، قبل وفاة خالد الذكر، وكان يرأسها أستاذنا الكبير المرحوم أحمد بهاء الدين، في استصدار قانون يمنع تماما نقل الصحافي إلى عمل غير صحافي أو تغيير طبيعة عمله. وبعد تولي الرئيس السادات – عليه رحمة الله – الحكم أصدر قرارا بعودة الصحافيين المنقولين إلى وزارات أخرى إلى أماكنهم. بينما رفض آخرون منهم العودة وفضلوا البقاء في الوزارات التي نقلوا إليها. والغريب أن السادات نفسه هو الذي اعتدى على القانون، عندما أصدر قرارا في الثالث من سبتمبر/أيلول عام 1981 بنقل العشرات من الصحافيين من أماكنهم إلى وزارت أخرى في إطار قراراته التي عزل بموجبها البابا شنودة الثالث واعتقل حوالي ألف وخمسمئة وستة وثلاثين سياسيا وصحافيا ورجال دين مسلمين ومسيحيين. المهم أن «المصري اليوم» سارعت يوم الاثنين إلى الدعوة لعقد اجتماع مع نقابة الصحافيين لبحث الأزمة وتهدئة الوضع، حتى تتبرأ من الاتهام باشتراكها في ما حدث، ملقية بطريقة غير مباشرة بها على صحيفة «الوطن» ورئيس تحريرها زميلنا وصديقنا مجدي الجلاد، لأنها هي التي دعت إلى اجتماع رؤساء التحرير وقامت جريدة «اليوم السابع» التي يرأس تحريرها زميلنا وصديقنا خالد صلاح باستضافته. وأمس الأربعاء نشرت «اليوم السابع» تحقيقا دعت فيه مثل «المصري اليوم» للتفاهم مع النقابة وأن ما حدث هو لصالح الصحافيين والصحف الخاصة .

إذا لم تبدأ المحاسبة فإن فساد
رجال مبارك سيعود أكثر شراسة

وإلى المعارك والردود المتنوعة التي يضرب أصحابها في كل اتجاه لا يلوون على شيء ولكن الغضب يجمع بينهم ويؤلف بين قلوبهم، كل يغضب بسبب مشكلة أو موقف أو تخوف من بعض ما يحدث أو شك فيه، مثل زميلنا إبراهيم خليل رئيس تحرير مجلة «روز اليوسف» القومية ـ ناصري ـ وقوله في عددها الصادر يوم السبت: «الناس بمنتهى الصراحة لم يعودوا يتحملون مزيدا من المتاعب والأحزان، باعتبار أن معاملات المواطنين تمر عبر هؤلاء المسؤولين، فإذا جاءت التعاملات الخاصة بالمسؤولين على أساس معيار الكفاءة والنزاهة والاستقامة، فإن المواطن سيشعر بأن حقوقه بدأت تصل إليه، إذا لم تبدأ المحاسبة فإن فساد رجال مبارك سيعود أكثر شراسة، لا سيما أن أصوات الماضي، الممثلة في أحمد عز وشلة الفساد، بدأت تعلو وتهين المستقبل، وكأنها تخرج لسانها لكل من شارك في ثورة 25 يناير/كانون الثاني وثورة 30 يونيو/حزيران، وبسبب هذه الأصوات عاد البعض يتساءل عن فائدة الكلام والفعل، وأيضا فائدة الأمل في التغيير. إن أكثرية الشعب المصري تريد السيسي وترفض من يشكك في شرعيته، وهذه الأغلبية يحق لها أن تعيش وتعمل وتفرح. أكثرية لا تريد أن ترى الشباب المتعلم والمتخرج في الجامعات يجلس على المقاهي من دون عمل، وهذه الأغلبية تريد الاستقرار وحل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بجانب النظام الديمقراطي والسيادة والقرار الحر، وليس من المعقول أن يجبرها الإرهاب على السير إلى حيث يريد، ولا من المقبول أن تبقى مصر ساحة للقنابل الطائشة التي تصيب أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم يريدون أكل العيش والاستقرار ووطنا له دولة ونظام يمثله ويرعاه ويحميه، يريد استرداد الأموال المنهوبة ومواجهة الفساد حتى يسود الاطمئنان بعدما سمعوه ويسمعونه عبر الفضائيات من خروج أصحاب المصالح الخاصة، الذين أفسدوا نظام مبارك وهم يرتدون مسوح الوطنية، وهو ما يخيف الشباب الطاهر الذي خرج ثائرا على الفساد في ثورة 25 يناير».

الاقتصاد المصري يعاني كابوسا حقيقيا

ولقي إبراهيم دعما قويا يوم الاثنين في «الأهرام» من رئيس مجلس إدارته الخبير الاقتصادي الكبير أحمد السيد النجار فقال عن رجال مبارك: «يعاني الاقتصاد المصري كابوسا حقيقيا يتمثل في الاحتكارات الإنتاجية والتجارية المهيمنة على حركة الاقتصاد، وتؤدي تلك الاحتكارات في النهاية إلى رفع الأسعار بصورة مبالغ فيها لا علاقة لها بتكلفة الإنتاج أو الاستيراد، ومعروف أن ارتفاع الأسعار يؤدي في النهاية إلى إعادة توزيع الدخل لصالح الأثرياء وأصحاب الملكيات على حساب الفقراء والطبقة الوسطى، وبالذات من يعملون بأجر، تلك الاحتكارات بعضها مصري والبعض الآخر أجنبي في قطاعات أبرزها الإسمنت والنفط والغاز، منذ فتح الاقتصاد المصري لهيمنة الأجانب بلا ضوابط في بداية تسعينيات القرن العشرين الذي وصل لذروته من خلال برنامج الخصخصة الذي تضمن قدرا مروعا من الفساد وإهدار المال العام، الذي لم يحاسب عليه مبارك ونظامه حتى الآن. وهناك ترابط وثيق بين تنامي الاحتكارات والفساد من جهة، وبرنامج الخصخصة من جهة أخرى، حيث انتقلت احتكارات الدولة السائدة في فترة هيمنة القطاع العام على الصناعة التحويلية والخدمات إلى القطاع الخاص المحلي والأجنبي مباشرة عند بيع تلك المشروعات العامة له، في إطار برنامج الخصخصة، ولأن ذلك الانتقال تم في غالبيته الكاسحة عبر صفقات فساد مروعة، فإنه أسس لمستوى جديد من الفساد المنظم والشامل، الذي لم يتوقف عند برنامج الخصخصة، بل انتقل إلى عمليات منح الأراضي للتنمية الزراعية والصناعية وإرساء العقود العامة، كما أسست عملية الخصخصة لبناء تحالفات احتكارية خاصة محلية وأجنبية، وخرج نموذج احتكار القلة، من صفحات الكتب التي يدرسها طلبة الاقتصاد، إلى أرض الواقع في مصر ليحيل حياة الفقراء والطبقة الوسطى إلى جحيم من ارتفاعات الأسعار التي تؤدي إلى تآكل القيمة الحقيقية لدخولهم».

عودة أساطير الشر المباركية

وفي «الأسبوع» الأسبوعية المستقلة التي تصدر يوم الاثنين فضّل رئيس تحريرها التنفيذي زميلنا وصديقنا محمودي بكري ـ ناصري ـ الاتجاه إلى المرشحين لانتخابات مجلس النواب وقوله عنهم : «يبدو أن بقايا الوطني المنحل لا يأبهون لثورات قامت ولا تحولات حدثت ولسنا نقصد هنا كل بقايا الوطني، فهناك رموز طاهرة اليد عفة اللسان لم تعلق بتاريخها شائبة، ولم ترتكب نقيصة أو إثم، نقصد بقايا أرباب المصالح وسدنة الباطل وحملة المباخر وأصحاب كل الأقنعة. نقصد هؤلاء الذين لا يرعون للوطن حرمة ولا يسعون لصالح بلادهم، بل رغم كل ما حدث وشهدته البلاد من تضحيات جسام وخسائر حلت على مصر كمحصلة طبيعية لسياسات فاشلة كانوا هم رموزها وصناعها.
رغم كل ذلك عادت أساطير الشر لينسجوا على ذات منوال باطلهم، ذات السيناريو الكئيب الذي أودي بالوطن إلى بؤرة الهلاك. هؤلاء من الذين انكبوا على وجوههم يوم سقوط نظام مبارك وتواروا عن الأنظار، ولم يجرؤ غالبيتهم على السير في الشوارع وسط المارة، أمثال هؤلاء يعودون اليوم لترتفع عقيرتهم مجددا وليعلو صوتهم ويرسموا لأنفسهم دور الأبطال العائدين من كهوف الماضي» .

الدعوة لتحالف مع بعض رموز
الحزب الوطني أصحاب المواقف المستقلة

ومن المصادفات اللافتة أن الموضوع نفسه اجتذب انتباه زميلنا وصديقنا عماد الدين حسين ـ ناصري ـ رئيس التحرير التنفيذي لـ»الشروق» في اليوم نفسه وقال عنه داعيا الأحزاب السياسة التحالف مع: «للمرة المليون أكرر، غالبية الأحزاب المصرية الرئيسية إن لم تكن كلها تتفاوض مع أعضاء ونواب سابقين في الحزب الوطني، كي يترشحوا على قوائمها في الانتخابات النيابية المرتقبة. الواقع يقول إن الذين حملوا عضوية الحزب الوطني أو ترشحوا باسمه لم يكونوا كلهم شياطين في أي انتخابات جادة، أو حتى نصف جادة، باستثناء مهزلة 2010 طبعا فإن الحزب الوطني مدعوما بالرئيس والحكومة والمحليات والأمن والتزوير، حصل على 38٪ في انتخابات 2000 ثم 2005، وما حدث بعد هذه الانتخابات معروف للجميع، وهو انضمام المستقلين إلى الحزب الحاكم بسلاح الإغراءات والخدمات والحصانات.
الحزب الوطني كانت به عضوية تصل إلى 2.8 مليون على الورق، والفاسدون بين هؤلاء معروفون بالاسم من طبقة الحيتان، والبقية انضموا بحثا عن منفعة أو اتقاء لشر، وبالمناسبة ليس هؤلاء في جيب أحمد عز أو أحمد شفيق أو في جيب أي شخص في مصر كما يعتقد كثيرون، أعرف بعضا من هؤلاء رأيهم في كبار قادة الحزب أسوأ من رأي خصوم الحزب التقليديين فيهم. السؤال هو: إذا كانت الأحزاب تدرك هذا الواقع فلماذا تصر على اللعب منفردة، وهي لا تملك كوادر حقيقة في صفوفها؟

مبارك حول مصر إلى عزبة له ولعائلته

ومن معارك صحف الثلاثاء الهجوم الذي شنه زميلنا وصديقنا في مجلة «صباح الخير» وابننا وابن عمنا الراحل محمود السعدني أكرم الذي وجه هجومه ضد السيدة سوزان مبارك بقوله في مقاله الأسبوعي في جريدة «الأخبار القومية»: «ذهبت مع لجنة لاستعادة الأموال المنهوبة والمهربة إلى بنوك سويسرا، وكنت أتمنى لو أننا ذهبنا إلى الداخل وفتشنا ودورنا كثيرا، سنجد أنهم نهبوا أموالا بمئات وآلاف الأضعاف هنا، في دولة الفساد، قاموا بتوزيع الأراضي وتسقيعها على الحبايب والنسايب وطالبي القرب من النظام، والبعض يؤكد أن سيئة مصر الأولى كانت تقطع بعض الأراضي مقابل «جعل» يدفع للباب العالي وللأسرة الحاكمة. هذه الأسرة التي تصورت بعد أن طال بها الأمد على كرسي الحكم أن مصر تحولت إلى عزبة، وإذا كان محمد علي باشا قد استطاع أن يؤسس دولة، وأن يتولى عرشها الأبناء والأحفاد، لماذا لا يفعلها الباشا الجديد حسني مبارك، وبالمناسبة هذا كان لقبه الرسمي في الدولة. أما الوريث الشرعي للبلاد الذي جاء بكل البلاء فكان لقبه الأستاذ».

حسنين كروم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية