اختلاط الديني بالسياسي في التاريخ الإسلامي

نقل أبي حيان التوحيدي عن شيخه عن يحيى بن عدي بشأن المتكلمين: «إنّي لأعجب كثيرا من قول أصحابنا إذا ضمّنا وإياهم مجلس: نحن المتكلمون، ونحن أرباب الكلام، والكلام لنا، بنا كثُر وانتشر وصحّ وظهر، كأنّ سائر الناس لا يتكلّمون، وليسوا أهل كلام؟ لعلّهم عند المتكلمين خُرس أو سُكوت! أمَا يتكلّم يا قوم الفقيه والنحوي والطبيب والمهندس، والمنطقي والمنجّم والطبيعي والإلهي والحديثي والصوفي».
يتّضح حينئذ أنّ «الكلام» يتّسع تبعا لذلك التفاوت في مدارك الذهنيات ومطالب تحصيل العلم والعمل به. وإن انحكم من جهة المنحى الغالب بالعامل العقدي خدمة للفكر الديني والعقائد الإيمانية، ولتحقيق اقتران العلم بالعمل وتطابق النية والسلوك، ولنا في قول الجاحظ ما يُعزّز مكانة المتكلّمين، فـ»كبار المتكلّمين ورؤساء النظّارين كانوا فوق أكثر الخُطباء وأبلغ من كثير من البلغاء».
ويمكن أن يُيسّر لنا «علم الكلام» الفهم المساعد على الإحاطة بمنزلة الفقيه والمحدّث والحافظ والقارئ والرّاوية والمنطقي والمهندس في البيئة الثقافية العربية الإسلامية، وعلى تفسير وظائفهم وخصائصها وحدود التّجاور والتّداخل والتجانس أو التماثل بينهما وبينهم، وفي دائرة خطاب ثقافي ومعرفي وشفوي أو مكتوب أو هما معا وجامع وبدرجات متفاوتة بين مظاهر الحسّ وملامح الجسد وروح الوجدان وتقييدات العقل.
وإذا تتبّعنا وقائع الأفكار المتعيّنة تاريخيّا، رأينا أنّ الاختلاف في تفهّم المعنى الحقيقي لكلام الله هو الذي أدّى إلى ظهور بعض الفرق الإسلامية كالخوارج والمرجئة والشيعة وأهل الحديث والمعتزلة، ومن ذلك اختلافهم في مسألة الجبر والاختيار ومسألة التجسيم والتنزيه ورؤية الله وقضية الإيمان بين الإقرار باللسان والتصديق بالقلب والاقتران بالعمل.
ويردّ ابن خلدون نشأة علم الكلام إلى السلف السنّي، وهو في رأيه ردّة فعل على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة، ويفهم من ذلك تلميحا أنّه ظهر نتيجة لما اصطلح على تسميته في التاريخ الإسلامي بـ»محنة خلق القرآن» وهذا الكلام يقصي المعتزلة من موقع «العلّة الفاعلة» (النشأة الاعتزالية للكلام) ويجعلها في مقام العلّة السالبة (النشأة السنيّة للكلام للردّ على المعتزلة).
في الوقت الذي تُوفّر فيه جملة من الشواهد التاريخية والوثائقية ارتباط علم الكلام بما نهض به المعتزلة من الدفاع عن العقيدة الإسلامية بأدلّة عـقلية منطقـية وفلسفية تجاه شبه الثنوية والمجسمة والمانوية وغيرهم. وقد انصرف أتباعها بكل قواهم إلى الاستفادة من المنطق والفلسفة اليونانية، التي كان نقلها إلى العربية قد تقدّم تقدّما محسوسا، ثم انتقلوا شيئا فشيئا من طور الدفاع اللاهوتي إلى طور الدراسات النظرية التي قادتهم إلى البحث في موضوعات الفلسفة، كالحركة والسكون، والجوهر والعرض وما إلى ذلك، غير أنّهم لم يأخذوا الفلسفة اليونانية بحذافيرها بل اختاروا منها ما يوافق دينهم ونبذوا ما يخالفه، «حتّى استحقوا لقب أحرار الفكر في الإسلام».
أمّا محنة خلق القرآن فهي المشكلة التي دار فيها الصراع مباشرة بين المعتزلة وخصومهم السلفيين المحافظين، وأحدثت هذه المشكلة صراعا بين الفريقين على موضوع آخر هو الموقف من تراث الفكر الفلسفي العالمي، فالمعتزلة وقفت إلى جانب احترام هذا الإرث والاستفادة من الروافد الفكرية لتطوير علم الكلام، بينما ناصب السلفيون العداء للفلسفة وتراثها كلّه بحجة أنّ دخول الفلسفة إلى البيئة الثقافية العربية الإسلامية كان السبب في نشوء فكرة «خلق القرآن» الهرطقية في نظرهم، أو كان السبب في ظهور مختلف الأفكار الهرطقية في الإسلام.
ولئن تراجع دور المعتزلة في التاريخ الإسلامي لأسباب يختلط فيها السياسي بالديني والثقافي، وتعمّقها جميعا الإيديولوجيا المشبعة «بالبراغماتية» فإنّ أثرها في البيئة الثقافية العربية الإسلامية كان أعمق من أن يزول بزوال حضورها المباشر، الذي قاومه خصوامها وهم الذين أخذوا بمبادئ النزعة العقلية، ولجأوا إليها في ردّهم على أهل الاعتزال، ولكن الفكر الإسلامي أخذ مع المعتزلة اتّجاها لن يحيد عنه، فقد جعل منه وسيلة لدعم مبادئ الدين بشكل يُرضي الشريعة ولا يُربك الدين أو يُحرجه، ويعتبر الحدّ الأوسط بين التقليد المتمسّك بظاهر النصّ تمسّكا أعمى والتأويل الذي يُخضع النص لمقتضيات العقل ومتطلّبات الحقيقة والكشف عن المعاني الكامنة وراء الألفاظ.
وهي علاقة بين التنزيل والتأويل، فإذا كان التنزيل هبوطا من عالم العقل إلى عالم الحسّ، فإنّ التأويل رجوع من عالم الحس إلى عالم العقل، ولا يكتفي صاحبه بظاهر النص مثلما هو حال من يكتفي بالتنزيل. ولمّا كانت نسبة التأويل إلى التنزيل كنسبة الباطن إلى الظاهر أو كنسبة الحكمة إلى الشريعة، فإنّ طبيعة التداخل والازدواج في القرن الثالث الهجري خاصة ـ المرحلة التي ازدوجت فيها وتداخلت عوامل استقلال الفلسفة من عوامل ارتباطها بعلم اللاهوت الإسلامي (علم الكلام المعتزلي) بقدر ما ازدوجت وتداخلت فيها ظروف قوة إيديولوجية الخلافة العبّاسية مع ظروف اهتزازها وتصدّعها- قد أوجدت ثنائية الحقيقة لأوّل مرّة في الفكر الإسلامي، وليس المقصود بذلك أنّ هناك حقيقتين مختلفتين وإنّما المقصود به أنّ هنالك ظاهرتين لحقيقة واحدة إحداهما «رمزية» والأخرى «وجودية».
وبالجملة فموضوع علم الكلام عند أهله إنّما هو العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشّرع من حيث يمكن أن يُستدل عليها بالأدلّة العقلية، ولقد اختلطت الطريقتان عند هؤلاء المتأخرين والتبست مسائل الكلام بمسائل الفلسفة، بحيث لا يتميّز أحد الفنّين من الآخر ولا يحصل عليه طالبه من كتبهم، وإنّه من الطبيعي أن تُضيّق الجهود الفكرية للمتكلّمين الهوّة القائمة بين المعتقد الديني والفكر الفلسفي بوجه عام بما بلغوه في نشر الدعوة الدينية بطريق العقل ومحاجّة الخصوم ومناظرتهم، مما يعدّ تمهيدا تاريخيا لنشأة الفلسفة العربية الإسلامية وانفتاح الفكر العربي الإسلامي على منجزات الفكر البشري بحثا عن تحقيق الاضافة ضمن أطر المشترك الإنساني العام.
 كاتب تونسي

اختلاط الديني بالسياسي في التاريخ الإسلامي

لطفي العبيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية