انتهت انتفاضة القدس والأقصى الكبيرة التي دفعت بإسرائيل إلى إعادة حساباتها، ولم تنته أيضا لأن شعلتها يجب أن تظل حية، مخلفة وراءها أسئلة كثيرة تتعلق باستراتيجيات جديدة لمواجهة احتلال شديد الخطورة اختزل كل وسائل الغطرسة التاريخية والفاشية التي لا تعير اهتماما كبيرا للإنسان.
فهو يصول ويجول كما يشاء في ظل غياب المقاومة المنظمة. السؤال هو وكيف يمكن اليوم استقطاب ما حصل من انتصار ولو رمزي لأن الاحتلال ما زال قائما وينفذ برامجه كما يشاءها، ووضع إسرائيل في الزاوية الضيقة لصالح القضية الفلسطينية في ظل الترتيبات العربية والدولية الجديدة، والمقترحات الإسرائيلية يعوشيع بن آريه، التي ستحشر فلسطين الجديدة، في المثلث الصحراوي الميت: النقب، وسيناء وغزة، مقابل قطعة تمنحها إسرائيل لمصر في صفقة تبادلية لا تخسر فيها إسرائيل شيئا.
التنازل عن الضفة الغربية كليا في شكل فدرالي مع الأردن، وتعويض فلسطينيي 48 مقابل مغادرتهم الأراضي المحتلة والعيش في فلسطين الجديدة، ونسيان فلسطين القديمة، كأرض. كل ما حدث هو سلسلة من الاختبارات الإسرائيلية التي لا أحد يعرف مؤدياتها، لترتيب ما سيأتي في ظل مجتمع إنساني ظالم، وعربي غائب عن مشهد الصراع وكأنه غير معني بما يحدث أمام عينيه، معيدا إلى الواجهة قصة الهنود الحمر الذين انتهوا إلى الذوبان في المجتمع الأمريكي، أو داخل تجمعات تشبه المحتشدات في الغابات والجبال، مراقَبون إلى اليوم ويعيشون حياة مغلقة؟ من الجهة الفلسطينية أشياء كثيرة تغيرت بعد انتفاضة القدس والأقصى.
فقد تمت الحركة الشعبية خارج كل ما هو سياسي. انتفاضة جاءت في شكل ردة فعل فاجأت إسرائيل نفسها، بغير استراتيجيات مسبقة للضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها. فهي مربوطة بحدث محدد لتثبت حقها في الأقصى وأن الشعب الفلسطيني ما زال حيا. وقد نجحت في ذلك إذ أجبرت جيش الاحتلال على مغادرة باحات الأقصى والعودة إلى الصلاة.
مشكلة كل انتفاضة أنها تحتاج إلى تأطير. من دون ذلك ستموت أو تخفت أو تنتهي تلقائيا عندما ينتفي المبرر الذي تسبب فيها. انسحاب الحزبين الكبيرين من المشهد السياسي له فوائد وأضرار كبيرة. جيد لأنه سمح للحركة الشعبية أن تتحول إلى قوة ضاغطة خارج الحسابات السياسية الضيقة.
أضرار هو الخوف من أن يتوقف هذا المد الشعبي بانتهاء المسببات ويعود الفلسطينيون إلى وضع اللاحرب واللا سلم. طبيعي أن تحاول كل جهة أن تسحب نحوها المبادرة التي لم تكن لديها فيها أية مسؤولية تنظيمية مسبقة. يبدو أن الأحزاب عموما منشغلة بالصراعات الصغيرة التي وضعت مواجهة الاحتلال في الزاوية الثانية من الاهتمامات. وإلا كيف نفسر استمرار التمزقات التي لا تفيد في شيء القضية الفلسطينية.
ولا يوجد في الأفق أي احتمال لوحدة، الأمر الذي يضعف القضية لدرجة أن تحول المرابطون كأنهم حزب ثالث جعل من الدفاع عن الأقصى رهانه، في ظل التمزق الفلسطيني القاتل، حالة الموت الإكيلنيكي العربي. الانتفاضة في القدس والأقصى، كانت كبيرة لدرجة أن يشعر المرء كأنه يعيش فصلا آخر من الثورة الفلسطينية التي خبا جانبها الاجتماعي منذ اتفاقيات أوسلو. تجمعات شعبية واسعة، اجتماعات متواترة للقادة الدينيين لتحديد ما يجب فعله قبل البوابات الإلكترونية والكاميرات الحرارية المتطورة وبعدها، صراع الباحات والساحات والبوابات، وعدم القبول ومقاومات القنابل الصوتية.
وكأن أساليب النضال تغيرت. خيار مؤسسة الرئاسة بتوقيف التنسيق الأمني مع إسرائيل ورفض التحول الى شرطي والانتماء لخيارات الشعب. موقف ثمنه جزء كبير من الشعب الفلسطيني لأنه بالضبط ما يجب أن يكون. وظيفة مؤسسة الرئاسة هي في النهاية خدمة شعبها ورفض الانفصال عن الحركة الاجتماعية التي هي صمام أمان الاستمرار في المقاومة. المشكلة القاتلة في هذه الهبات العفوية، تنتهي بسرعة فور الاستجابة لمطالبها.
يجب أن تتحول إلى انتفاضة حقيقية وقوة يحسب حسابها، من خلال تأطيرها وتحويلها إلى قوة فعالة ومنحها هياكل وقيادة رمزية تسمح لها بالاستمرار. نعم، توجد في الميدان قوة دينية تتابعها ولكن القوة الرافضة أكثر من دينية، بل شعبية بامتياز وتحتاج إلى من يمثلها اجتماعيا وليس دينيا فقط. والعمل على وضع إسرائيل في الزاوية الضيقة، وفضح ممارساتها بما في ذلك محاولة تغيير الأمر الواقع في القدس أو في الخليل أو في غيرها الذي تنتهجه وفق استراتيجيات ستتبين لاحقا. للأسف من يتابع الوسائط الاجتماعية التي تجندت لمناصرة القضية الفلسطينية يكتشف بسرعة الاحتقان المتنامي بين حماس وفتح، الذي ما زال يحكم غزة ورام الله مما يبين أن الوحدة المطلوبة غير متوفرة اليوم، متقاطبة بين التخوين والعمالة، والإرهاب والظلامية. مع أن الانتفاضة المقدسية الشعبية القوية التي هزت يقين إسرائيل بعنف، وأدخلت قادتها في صراعات داخلية حسب وكالة الانباء والصحافة الإسرائيلية والعالمية.
الوحدة الفلسطينية ليست فقط حاجة ماسة ولكنها ضرورة حيوية لمواجهة العدمية العربية والدولية، بل ومسؤولية تاريخية. في ظل وضع عربي ودولي غير آبه بما يحدث للفلسطينيين من تهجير وتدمير بيوت وقتل. عرب غارقون في معضلات محلية وحروب أهلية مدمرة؟ وصراعات بينية لا تشكل فيها القضية الفلسطينية شيئا. ووضع دولي لم يعد معنيا كثيرا بقضايا التحرر.
وتدخلات أمريكية غير متوازنة تميل دوما نحو الاحتلال، فقدت كل منطق وعقل. وهو ما دفع بالانتفاضة إلى أن تتخذ من الطاقة الذاتية وسيلتها في المقاومة، من دون انتظار العواصم العربية أو الجامعة المشلولة التي لم يكن لها أي دور لمواجهة التحديات العربية الكبرى والمصيرية، ومنها إيجاد حلول للحروب الأهلية التي تخترق العالم العربي في حالة منظمة من الانتحار والتدمير الذاتي، ومساندة نضال الشعب الفلسطيني. مع أن الأقصى وسيلة تجميع وليس تفرقة لأنه يهم المسلمين قاطبة والعرب. يجمعهم كلهم نظريا على الأقل، فهو أولى القبلتين وثالث الحرمين. ماذا فعلوا لمنع تهويد القدس المستمر منذ عشرات السنين. لهذا نطرح السؤال، ماذا بعد هذه الانتفاضة القوية؟ كيف يمكن الحفاظ على شعلة المقاومة ومنعها من أن تخبو؟ والا ستظل شعلة منفردة قبل أن تخبو من تلقاء نفسها وتعمق الشقاقات، وهذا ما يرضي الاحتلال. للأسف، في الوقت الذي يتمزق فيه الفلسطينيون بشدة ومن دون أفق للقاء محتمل، يشتغل الاحتلال وفق خطط زمنية محددة، وفي كل فترة يحقق شيئا جديدا، في ظل صمت عربي وعالمي كبير، جعل من الارهاب الذي هو حقيقة موضوعية، رهانا لمواصلة الاحتلال والتمدد، ليتحول الى قوة لحماية المنطقة من التمدد الإرهابي وينسى الجميع إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل. ولا توجد أية استراتيجية فلسطينية لمواجهة الاحتلال. المستوطنات تبنى وتقضم الأراضي الفلسطينية. تهويد القدس مستمر على قدم وساق ميدانيا، عدم احترام حتى قرارات أوسلو التي وقعت عليها إسرائيل. تدخل إسرائيل إلى كل المدن والمناطق الفلسطينية، وتحاصر وتسجن وتقتل وتخرج براحة. لا غزة قادرة على اقتراح شيء يخرج الفلسطينيين من غبنهم، ولا رام الله في ظل غطرسة إسرائيلية غير مسبوقة. ماذا لو تحولت القدس والأقصى سياسيا إلى اسمنت يوحد ويلحم الفرقاء الفلسطينيين. الرهانات القادمة تحتم ذلك بقوة. يجب أن لا يذهب دم الأقصى في الفراغ. إسرائيل، بعد الاختبار الفاشل، ستعود إلى الأقصى بمختلف الطرق، المعلنة أو السرية. ولن تسلم في ذلك لأن الخيار جزء من استراتيجياتها الاستيطانية والدينية. لهذا لا خيار أمام الفلسطينيين، فإما الوحدة ونسيان الضغائن، وتشكيل قوة مقاومة حية ، أو الاستسلام لغطرسة الاحتلال، والموت البطيء حتى الانطفاء.
واسيني الأعرج