استخفاف الدولة بالدستور والقانون واعتبارهما عوائق دنيوية… وإدارة مصر بعيدة عن العلم والرشاد

حجم الخط
2

القاهرة ـ «القدس العربي» : رغم الزحمة في الصحف المصرية الصادرة يومي السبت والأحد 1 و2 أكتوبر/تشرين الأول في الأخبار والمقالات، فإن الرأي العام صدم بسبب عودة العمليات الإرهابية في القاهرة ونشاطها في العريش، بسبب السيارة المفخخة التي انفجرت أمام منزل النائب العام المساعد زكريا عبد العزيز عثمان، وهو غير رئيس نادي القضاة الأسبق زكريا عبد العزيز، الذي أحاله المجلس الأعلى للقضاء إلى المعاش.
والقلق سببه أن العملية رغم نجاة النائب هي تكرار لعملية اغتيال النائب العام السابق هشام بركات بسيارة مفخخة عند مرور موكبه، ما أثار القلق من قصور في الأمن. والصدمة الثانية كانت مقتل خمسة من رجال الشرطة عند عودتهم للسويس من إجازة، إذ اعترضت سيارتهم سيارة فيها عدد من «أنصار بيت المقدس» فصاح السائق أنا ما ليش دعوة أنا مدني، فتركوه وقتلوا الخمسة بالرصاص، ما يعني وجود اختراقات للأمن في العريش، وتزامن ذلك مع إعلان الشرطة قتل سبعة من الإرهابيين أثناء مهاجمتهم عدة كمائن للشرطة في رفح والشيخ زويد.
وهذا القلق العام قابله استمرار الأغلبية في الاهتمام بما يخص كل فئة ومصالحها، فأصحاب شركات السياحة والعاملون فيها لا يزالون يركزون اهتمامهم على أخبار قرب عودة السياحة الروسية ووصول أول فوج سياحي ألماني إلى شرم الشيخ. والذين يعانون من ارتفاعات الأسعار يترقبون وعد الرئيس السيسي لهم بضبط الأسواق والسيطرة على السلع خلال شهرين. ومحبو خالد الذكر يتابعون برامج التلفزيون ومقالات الصحف عنه بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لوفاته، حيث تم التركيز على إنجازاته والإشادة به. وطالبات الجامعات وأسرهن اهتموا باقتراح عضو مجلس النواب الهامي عجينة توقيع كشف العذرية على الطالبات لمعرفة من منهن متزوجة عرفيا. وآخرون مهتمون بحكاية اكتشاف خلية إخوانية مهمتها نشر روح التشاؤم وغلبت على تعليقاتهم روح السخرية رغم تأييدهم للنظام.
أما أهالي كفر الشيخ فكان اهتمامهم الأساسي موجها إلى قرب افتتاح أكبر مزرعة سمكية في منطقة الشرق الأوسط في منطقة بركة غليون وإنتاجها سيكفي احتياجات البلاد ويوفر فرص عمل دائمة لخمسة آلاف شاب، وكذلك قرب افتتاح أكبر محطة في الشرق الأوسط لتوليد الكهرباء ستوفر فرص عمل لسبعة آلاف شاب.
وهناك من يتابعون مشروعات الإسكان الجديدة وبيع الشقق، وشركات المقاولات مهتمة ببدء الصين في بناء العاصمة الإدارية الجديدة، والعقود التي ستحصل عليها. وآلاف الشباب ينتظرون بدء الحكومة توزيع صوبات زراعية عليهم كل صوبة مقامة على فدان ومزودة بأحدث التقنيات لإنتاج الخضار والفاكهة، والتكلفة ستتم بالتقسيط مع تعهد الحكومة بتسويق الإنتاج. ومثقفون وسياسيون اهتموا بمتابعة المناظرات في الانتخابات الأمريكية بين هيلاري كلينتون وترامب وصدور «قانون جاست» وأثره على علاقات أمريكا بالسعودية ودول الخليج. وجماهير الزمالك مهتمة بالمبادرة المقبلة لفريقهم مع صن داونز الجنوب أفريقي على بطولة أندية الدوري الأفريقي. أما الاهتمام بالسياسة فلا الأغلبية ولا حتى الأحزاب تهتم بها على طريقة أغنية الفنانة الراحلة سعاد حسني «قفل لي على كل المواضيع». وإلى بعض مما لدينا..

نقد لخطابات الرئيس

وإلى الرئيس السيسي الذي تعرض لانتقادات خفيفة من بعض أنصاره ومؤيديه بسبب اعتراضهم على خروجه عن الخطاب المعد للإلقاء ما يتسبب في إثارة بلبلة ويعطي الفرصة لخصومه للسخرية منه ومهاجمته.فزميلنا محمود الكردوسي رئيس التحرير التنفيذي لجريدة الوطن قال في بروازه اليومي «كرباج «: «يعلم الله أنني أحب الرئيس ولا أتحمل فيه لومة لائم. أعرف أنه عفوي وزاهد ومهموم و»مضغوط» ولا يشغل باله بالمتربصين، لكنني لم أعد أحب ارتجاله وأخاف عليه منه. الرئيس في معظم خطبه وفي كل افتتاحاته يطلق عنوانا لحملة سخرية ضارية وكوميكسات، وفي أحسن الأحوال مقالات نقدية جادة ولاذعة أصبحت «هيبة رئيس مصر» نهبا لسفالات وقلة أدب «السوشيال ميديا» وهو في غنى عن كل ذلك. ونحن أيضا كمؤيدين وداعمين نشعر كثيرا بالحرج ونضطر في كل مرة إلى خوض معركة تلو الأخرى للدفاع عن هيبته الرئيس. بارتجاله غير المدروس يبدو كمن يضع حفنة تراب في «أكلة حلوة» وأحيانا يفتح على نفسه بابا لأسئلة وتكهنات حول رسائل متضمنة في كلمة أو جملة عفوية اجتزأها المتربصون من سياقها. هل يشعر الرئيس بأن هناك مشكلة؟ هل هناك من ينصحه بألا يرتجل وهل سيستجيب؟ كفى ارتجالا يا سيادة الرئيس أرجوك».

القضية ليست الارتجال.. بل السياسات

وفي «الشروق» قال رئيس تحريرها صديقنا عماد الدين حسين في عموده اليومي «علامة تعجب» يوم الجمعة: «ليست المشكلة في أن الرئيس عبدالفتاح السيسي يرتجل أو يلتزم بالحديث من نص مكتوب، بل أظن أن الأساس هو بعض السياسات المتبعة، وظهور الكثير من المعارضين لها. والدليل أن كثيرين ممن يعارضون الارتجال الآن، سبق لهم أن أيدوه، الفارق الوحيد أنهم كانوا وقتها مع السيسي وسياساته. ورغم ذلك، ولو كنت مكان السيسي لتوقفت فورا عن الارتجال خلال الخطابات والتصريحات والحوارات والمقابلات الإعلامية، والسبب أن ضررها صار أكبر من نفعها. أدرك تماما نوايا الرئيس الطيبة، وأنه يريد ــ عن طريق اقتراح الفكة مثلا ــ أن يجمع أكبر قدر ممكن من التبرعات، لإنجاز العديد من المشروعات خاصة الموجهة للفقراء، لكن في السياسة وشؤون الحكم، فإن النوايا الطيبة وحدها لا تفيد. المهم النتيحة المتحققة على الأرض. ومن الواضح تماما أن بعض العبارات والمصطلحات والكلمات والدعوات التى يستخدمها الرئيس في حواراته وخطاباته، صارت تستخدم سلاحا ضده بشكل لا يخطر على بال، وهو الأمر الذي أدركه حتى بعض الأنصار المقربين جدا من الرئيس السيسي. أدرك أن الرئيس يفضل الارتجال لأنه أداة تواصل سريعة ومباشرة مع الناس خصوصا البسطاء منهم. وغالبية رؤساء العالم يرتجلون. لكن هذا الأمر صار ينتقص من هيبة الرئيس والرئاسة، ويكلفه الكثير.. وسائل التواصل الاجتماعي صارت سلاحا فعالا وربما تتحول إلى أحزاب المعارضة الحقيقية في مصر، في ظل أن أحزابنا الفعلية عاجزة أو محاصرة أو مفككة أو كارتونية. وبالتالي، فليس من الحكمة أن يوفر لهم الرئيس المادة الخصبة لانتقاداتهم».

لم نفهم مقاصد الرئيس

ونبقى في «الشروق» ومقال الكاتب حسام السكري عن الموضوع نفسه يقول: «شخصيا لا أفضل أن يتوقف الرئيس عن الارتجال. فالعفوية تسمح لنا بالاطلاع على ما يفكر فيه الرئيس من دون حجب أو «فلترة». لكننا في الوقت ذاته نحتاج مزيدا من الفهم لمقاصد الرئيس وعباراته التي كثيرا ما تكون مبهمة. وهنا أطرح اقتراحا مكملا للصورة وهو ضرورة قيام المتحدث الرئاسي بعمل لقاءات إعلامية للإجابة عن كل التساؤلات والاستفسارات التي تثار عقب كلمات الرئيس وأحاديثه المرتجلة. بهذه الطريقة لن يحرمنا الرئيس من عفويته وارتجاله، وفي الوقت ذاته سنتمكن من قطع الشك باليقين والحصول على إجابات واضحة لما يتعذر فهمه من خطابات الرئيس، وهو ليس بالقليل. سيكون من واجب المتحدث الرئاسي مثلا أن يشرح لنا من هم «أهل الشر» الذين أشار إليهم الرئيس مرارا في أحاديثه؟ وهل يقصد بهم الولايات المتحدة ودول الغرب، أم يقصد بهم إسرائيل مثلا؟ سيفسر لنا المتحدث الرئاسي ما قصده الرئيس بعبارته عن انتشار الست ساعات، وعن المخاطر المحتملة التي دفعته لأن يقول «لو حصل الموقف اللي بيحصل في دول أخرى، إذا حصل في مصر، لا هتنفع لا لينا ولا لحد تاني، باقولكو تاني يا مصريين، ومش باخوّف حد». سيشرح لنا المتحدث أيضا تصريحات الرئيس عن التزامه بعدم زيادة الأسعار في ظل المتغيرات الاقتصادية المتتالية واتفاقات مصر مع صندوق النقد الدولي، وكيفية تفسير ذلك في ظل الغلاء الذي يعاني منه أغلب المصريين.
المسألة في تقديري لا علاقة لها بالارتجال، بقدر ما تتعلق بمبادئ الشفافية والمشاركة واحترام حق الناس في المعرفة. الغالبية تريد أن تعرف وبوضوح معاني ودلالات ما يقوله الرئيس وحقيقة الوضع الأمني والموقف الاقتصادي وطبيعة الخطط التي يضعها مع الحكومة للتعامل مع أزماتنا بصرف النظر عن ارتجاله من عدمه».

يبلعون الزلط ولا يرون الغلط

وإذا تركنا «الشروق» وتوجهنا إلى جريدة «البوابة» اليومية المستقلة سنجد رئيس تحريرها التنفيذي زميلنا محمد الباز يتخذ الموقف نفسه بقوله: «سأتوقف قليلا أمام من يبلعون الزلط للرئيس يمر عليهم كل ما يقوله أو يفعله بسلام تام، يتحركون للدفاع والتبرير من دون أن يفكروا فيما يقولون. هؤلاء أكثر خطرا على الرئيس وعلى مشروعه لأنهم بحماسهم الذي لا أشكك في دوافعه، وإن كان من المفروض أن نبحث وراءه بالطبع، يجعلون من الرئيس هدفا للسهام ومقصدا للرمي ومرمى للتشويه والإساءة. الموضوعية تقتضي ألا نبلع للرئيس عبد الفتاح السيسي الزلط ولا نتمنى له الغلط، فهو رئيس دولة يعمل من أجل مستقبلها، لابد أن يخضع كل ما يقوله إلى حوار مجتمعي ناضج يضيف إليه ولا يحذف منه، لكن المشكلة إنه يواجه نظارتين الأولى سوداء تنسب له كل نقيصة وتتمنى له كل الفشل والثانية بيضاء ناصعة يتعامل أصحابها مع ما يفعله أو يقوله على إنه وحي من السماء لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. لم ألتفت مثلا إلى من سخروا من كلامه عن أهمية الفكة في بناء الاقتصاد المصري، ومساهمتها في إنجاز مشروعات مهمة وكبيرة، فهؤلاء في قلوبهم مرض وفي عقولهم خلل، لكنني نظرت لمن أثنى على ما قاله، من دون أن يقدم للرأي العام تجارب الدول الأخرى في الاستفادة من الفكة، فهو ليس أول من يقول بذلك، وإن كنت أرى أنه لم يكن له أن يقول هذا بنفسه. كان يمكن أن تكون لدينا فكرة جيدة ندير حولها نقاشا محترما، لنحولها إلى واقع نستفيد منه وبه، لكننا أخضعنا ما قاله لثنائية الغلط والزلط، رغم أنها ليست كذلك على الإطلاق، أو من المفروض ألا تكون كذلك، وعليه فنحن نخسر قيمة أن نكون شعبا محترما عاقلا فاعلا، يفكر في مستقبله على أرضية الأفكار وليس الأشخاص. السيسي في النهاية ليس فردا، نجاحه أو فشله يعودان عليه وحده، هو مشروع كامل ساهمنا في بلورته ووصوله إلى السلطة، بما يعني أن نجاحه أو فشله يعودان على هذا الوطن كله ، فاحموا مشروعكم… قبل أن يضيع من بين أيديكم».

اتهام السيسي بالديكتاتورية

أما اتهام السيسي بأنه ديكتاتور أو يمكن أن يتحول إلى ديكتاتور فقد نفاه في يوم السبت زميلنا وصديقنا في «الأهرام» مكرم محمد أحمد في مقاله بقوله: «لا أظن أن الرئيس السيسي اتخذ قرارا ديكتاتوريا يستحق المؤاخذة الدستورية لأنه ما من قرار أو قانون صدر في غيبة البرلمان أو خارجه منذ أن تسلم البرلمان سلطاته التشريعية، باستثناء قرار الإفراج عن بعض مئات من الشباب الذين أصروا على عدم احترام الدولة وتجاهلوا قواعد القانون الذي ينظم عملية التظاهر، وصدرت ضدهم أحكام قضائية. واستخدم الرئيس سلطاته في الإفراج عن هؤلاء حرصا على مستقبلهم واستجابة لنداءات شعبية كثيرة، ولا يمكن أن نعتبر قراره بتوسيع قناة السويس أو بناء العاصمة الإدارية الجديدة قرارات ديكتاتورية لأنها من صميم اختصاصه كرئيس للسلطة التنفيذية، فضلا عن عدم وجود أي موانع تحصنها من النقد أو الاعتراض أمام البرلمان وخارجه. غير أن ما ينبغي تأكيده أن من مصلحة المصريين جميعا أن يكون الرئيس السيسي رئيسا قويا بمؤازرة شعبه وسلطة القانون، يملك قدرة الحسم ويملك نظاما للحكم له أظافر وأنياب تطول الفاسدين والمهملين والسارقين بقوة القانون، وضمان خضوع الإدارة لمتطالبات نزاهة الحكم، وهو نفسه أعلن بوضوح قاطع أن الشعب المصري الذي خلع رئيسين في غضون فترة زمنية محدودة يمكن أن يفعلها مرة ثالثة إذا وجد نفسه مضطرا لتصحيح أوضاع ومسار البلاد».

دولة «البصمجية»

أما في «المصريون» فقال محمود سلطان رئيس تحريرها التنفيذي يوم السبت: «الرئيس في الدول الديمقراطية، ليس مطلق اليد، يفعل في شعبه وفي مال شعبه وفي حرياته وحقوقه وفي أراضي الدولة ما يشاء.. بل تخضع قراراته لرقابة شعبية صارمة عبر المؤسسات الدستورية المنتخبة. يوم 29/9/2016، كشف موقع «ميديا بارت» الفرنسي أن المدعي العام الفرنسي، «سارغا تورنيير»، حصل على وثائق تثبت أن ديكتاتور ليبيا الذي قتله ثوار 17 فبراير/شباط، معمر القذافي، دفع ستة ملايين و500 ألف يورو لدعم حملت ساركوزي الانتخابية عام 2007! هكذا تفعل الأنظمة السلطوية والطغاة الذين لا يقبلون إلا بمؤسسات شكلية تكون علاقتها بالسلطة تتطابق مع علاقة «السيد» المطاع مع «العبيد» الذين لا يملكون من أمرهم إلا السمع والطاعة.. مؤسسات مرتشية وفاسدة ومتواطئة مع فساد السلطة التي تحتقرها، ولا تعتبرها موجودة أصلا، لا تقول «لا» لأي قرار سيادي سلطوي حتى لو كان كارثيا ومصيبة على الأمن القومي لبلادها. في الدول الديمقراطية، لا يستطيع رئيس الدولة، تمرير أي قرار أو عقد صفقات، أو اتفاقيات تتعلق بسيادة الدولة، أو مساس بالمال العام، أو بمستقبل أجيالها اللاحقة، إلا بعد عرضه على برلماناتها المنتخبة شعبيا وليس المهندسة أمنيا واستخباراتيا.. لا تتلقى أوامر من قصور السلطة أو من حاضنتها الأمنية والعسكرية.. وإنما من الشعب الذي اختارها اختيارا حرا واستأمنها على التصدي لتوحش السلطة وتغولها واعتداءاتها على شعبها.. هذا هو الفارق بين البرلمانات الديمقراطية وشوية «بصمجية» داخل مبنى ينتحل صفة برلمان».

السيسي مطمئن إلى أن الله معه!

لكن في اليوم التالي أمس الأحد تعرض الرئيس إلى هجوم عنيف في «المقال» من رئيس تحريرها زميلنا وصديقنا إبراهيم عيسى بقوله عنه: «واضح أن كل التقارير التي تصل الرئيس تثير قلقه، لكنه حريص على ألا يبدو قلقا بل مطمئنا وواثقا في الله. والعارف بما يجري في دوائر الاجتماعات يدرك أن الرئيس يرد على أي تخوف أمني أو اقتصادي بأن الله معه، وما دام الله معه فلا خوف على البلد. الرئيس يؤمن أن ما يفعله هو لصالح البلد بما فيه السجن والقبض والمنع وما يسأله عنه في الغرب مما يطلقون عليه انتهاك حقوق الإنسان، ثم هو صارم جدا في ثقته بأن الله معه، ومن هنا نلمح استخفافا من الدولة كلها بالدستور والقانون فطالما أن الله مع الرئيس فلا لزوم لعوائق دنيوية. نعم الرئيس يشعر الآن بنكران الجميل وبجحود من قطاعات واسعة من الشعب بدت رافضة ومعارضة، أو على الأقل قلقة تجاه قراراته وغير واثقة في سياساته، لكنه في الوقت نفسه يشفق على هؤلاء جميعا من جهلهم أنهم لا يعرفون أن الله معه وأنهم يتصورون إنه يتصرف وحده من دون هداية ودعم من الله. لا أحد مطمئن بدليل أن الرئيس السيسي نفسه يتحدث عن انتشار الجيش في مدن وشوارع مصر خلال ست ساعات فقط لو قضت الضرورة. الرئيس يشعر بأن هناك ضرورة مقبلة إذن. والذي يعرفه الرئيس والجيش والشعب وكل مواطن مصري أن نزول الجيش يعني انحيازا للشعب وليس رصاصا ضد مواطنين. يجب أن لا يتحول الجيش أبدا إلى آلة بوليسية تطارد متظاهرين وتعتدي على مسالمين وتقبض على عزل وتتدخل بين الشعب ورئيسه الثابت، إنه على مدار تاريخ مصر كله كان الجيش حين نزوله الشارع إعلانا عن انحيازه للناس وللشعب وليس تصديا لهم ولا تربصا بهم، ويجب أن لا يفكر أو يلوح أحد بعكس ذلك. عموما لا يوجد أي شيء علمي عقلاني يدفع إدارة الحكم في مصر للاطمئنان، لكن أصلا طريقة إدارة مصر الآن لا تقترب بقريب أو بعيد من العلم والرشاد».

تفاءلوا تصحوا

وننتقل من «المقال» إلى «المصري اليوم» لنستطلع رأي سليمان الحكيم الذي قال لنا: «لقد دأبت الحكومات المتعاقبة على الحكم عندنا على ارتكاب ما يندرج من الأعمال والممارسات تحت بند الفظائع. فهي تتشدق بالديمقراطية ولكنها تمارس الاستبداد. وتدعي الإصلاح وهي الفاسدة. وتزعم التحديث من موقع التخلف. الغريب أنها لا تخجل من ترديد اتهام بات تقليديا توجهه إلى كل معارض لها بمحاولة قلب نظام الحكم، أو الحض على كراهية النظام. بينما هي في الحقيقة أكثر من يقوم بالتحريض على كراهية النظام الذي تمثله بممارساتها الفظة وانتهاكاتها الفجة، فتقلب بها النظام رأسا على عقب. فالاستبداد والتخلف- إضافة إلى الفساد الذي وصل إلى حد التعفن- من الأمور التي تتعارض مع وصف ما يقوم به النظام الذي يتناقض مع ذلك كله. فالنظام يعني تجنب الارتجال والعشوائية مع غياب الرؤية وضبابية الهدف. وها هي تضيف إلى قائمة الاتهامات التي توجهها إلى معارضيها تهمة جديدة تتسم بالغرابة والشذوذ تتمثل في محاولة «إشاعة روح التشاؤم وفقدان الثقة والأمل في أوساط المواطنين». ذلك لكل من يتحدث عن غلاء المعيشة والاكتواء بنارها، أو يشير إلى تخفيض قيمة العملة والنزول بها إلى مستوى الحضيض، أو من يناقش جدوى مشروعات تصفها بالقومية يجري الحديث عنها أو التبشير بها. هؤلاء أصبحوا في نظر الحكومة مجرمين. وينقصهم الإخلاص لوطنهم، رغم أن هدفهم هو تبصير الحكومة بأخطائها وترشيد قراراتها ومواقفها بغية الإصلاح والنهوض، وكأنه كان عليهم لكي يحظوا برضاها السامي أن يتحدثوا عن قيمة الجنيه التي وصلت إلى عنان السماء وأسعار تتوفر في أيدي الجميع، بل تفيض عن حاجاتهم، وأزمات اقتصادية اندثرت وباتت في حكم التراث، وفائض في ميزانية الدولة لا يجد طريقا لصرفه، وضرائب لا ترهق كاهل المواطنين فيسارعون بتسديدها عن طيب خاطر. وديون تخلصنا من أعبائها فتخلصنا من مذلة التبعية لأصحابها. هكذا يصبح المواطن جديرا بشرف المواطنة الحقة، غير موصوم بالخيانة أو العمالة لجهات هنا أو هناك. فلا بد للمواطنين الشرفاء بحق أن يعضدوا الحكومة ويسايروها في مزاعمها ولا يخالفوها في أمر هي قررته، أو في موقف هي اتخذته مهما كان مخالفا لقانون أو دستور، أو يلحق الضرر بمصلحة الوطن والمواطن. فلندع الحكومة تعمل في صمت من دون إزعاج أو شوشرة، خاصة أنها أوشكت على الخروج بنا من دائرة الدول المتخلفة إلى مصاف الدول المتقدمة التي تنعم بالثراء والرفاهية تحقيقا لشعار «مصر أم الدنيا».. و«أد الدنيا». وعلى من يقول غير ذلك أو لا يراه كحقيقة ماثلة أن يتوارى خارجا من صفوف «المواطنين الشرفاء» محشورا في زمرة «أهل الشر» الذين يحرضون على النظام سعيا للانقلاب عليه وإنهاء حالة الاستقرار التي تنعم بها البلاد طولا وعرضا. جنيه، وللأسف الأجهزه الرقابية بما فيها الجهاز المركزي للمحاسبات لا تستطيع مراجعة أو رقابة بنود صرف هذه الأموال من داخل هذه الصناديق، لدرجة أن البعض أطلق على هذه الأموال أموالا قذرة للصندوق الأسود، وكان المستشار هشام جنينة، الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، قد حذر رئاسة الدولة من استيلاء كبار رجال الدولة على أموال هذه الصناديق مكافآت وحوافز بجهود غير عادية دون وجه حق، ولم يستمع أحد لتحذيرات هذا الرجل الشريف الذي تم استبعاده بعد كشفه هذا الفساد. ومن بين هذه الصناديق الخاصة التي يتم الاستيلاء على أموالها صناديق وزارات الداخلية والتربية والتعليم والزراعــــــة والصــناعة والتموين والتعليم العالي. وكانت الدولة المصرية قد أنشأت هذه الصناديق بالقانون رقم 53 في هشام جنينة، الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، قد حذر رئاسة الدولة من استيلاء كبار رجال الدولة على أموال هذه الصناديق مكافآت وحوافز بجهود غير عادية دون وجه حق، ولم يستمع أحد لتحذيرات هذا الرجل الشريف الذي تم استبعاده بعد كشفه هذا الفساد.

معارك وردود

وإلى المعارك والردود المتنوعة وبدأها يوم السبت في «الجمهورية» زميلنا فهمي عنبة في مقاله اليومي بعنوان « على بركة الله» ردا على طلب النائب إلهامي عجينة بإجراء كشف العذرية على طالبات الجامعة قائلا: «لاتوجد جامعة تشترط أن تكون الطالبة «آنسة» وليست «سيدة» ولا يوجد من يقبل أن يضع بنات مصر في هذا الاختبار المهين، ولا يوجد من الأصل أي لزوم لهذا الإجراء لأن الزواج العرفي في الجامعات لم يصل إلى حد الظاهرة. صحيح هو موجود ولا يمكن إنكاره ولكنها حالات فردية وعلاجها لا يكون بهذه الطريقة، ولكن بالبحث عن الأسباب والتوعية وانتباه الأسرة وتكثيف الدراسات الاجتماعية والنفسية، ونصائح الأساتذة في الكليات وتناول المشكلة في الإعلام، كل ذلك كفيل بإقناع الطلبة والطالبات بالآثار السلبية للزواج العرفي، الذي يدمر الفتاة ومستقبلها وشرفها. لو كانت هناك دراية كاملة لدى أي نائب يمثل الشعب بمهامه ما خرج مثل هذا الاقتراح من عضو لا يمثل دائرته ولا محافظته فقط ولكنه يمثل مصر، ولو كانت هناك موضوعية تحكمنا ما طالبت الجمعيات النسائية بشنقه ولا طالب إعلاميون بإحالته إلى التحقيق. بالطبع الاقتراح مرفوض ومهين ولا يمكن قبوله أو حتى إثارة الجدل حوله، فالرجل قـــال رأيه ويجب أن ينتهي الأمر، خاصة أن كل ما يقال داخل البرلمان له حصانة وفقا للدستور ويكفـــــي إنه أثار السخرية وأصبح الحديث في الموضوع يستحوذ على أكبر قدر من التعليقات على الفيسبوك وتويتر، المهم ألا يأخذ هذا الكلام أكثر من حقه ويجب أن لا يخرج عن كونه اقتراحا وتم رفضه وينتهي الأمر، فنحن لا نريد أن نحول «كلاما فاضيا» إلى خبر يستحوذ على الاهتمام ويثير الجدل والخلاف في المجتمع».

زمن الرويبضة

أما زميلنا في «اليوم السابع» محمد صلاح العزب فقال عن إلهامي في بابه «كلمة ورد غطاها» :
«حين يخرج عليك نائب برلماني جاهل ليطالب بكشف عذرية للفتيات قبل دخول الجامعة، وكل تصريحاته وحديثه يدور في فلك ضعفه الجنسي ويطالب الناس بسؤال زوجته عن مدى ضعفه فلابد أن تلعن الظروف التي أدت بكناسة الناس إلى الظهور وأن تتذكر الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيأتي على الناس سنوات خدّعات يُصَدق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة» قيل وما الرويبضة يا رسول الله ؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة».

«ما دايم غير وجه الله»

وأمس الأحد أعادنا زميلنا في «الأخبار» خفيف الظل عبد القادر محمد علي في بروازه اليومي «صباح النعناع» إلى اقتراح عضو مجلس النواب إلهامي عجينة بالكشف على عذرية طالبات الجامعات فقال عنه: «لماذا هاجت الدنيا ضد إلهامي عجينة عضو مجلس النواب لأنه طالب باجراء كشف العذرية على بناتنا كشرط لقبولهن في الجامعات كان ينبغي التريث وعدم التسرع في الحكم عليه قبل عرضه على لجنة طبية للتأكد من سلامة قواة العقلية فإذا كان مختلا والعياذ بالله نتركه في حاله ونتمنى له الشفاء، أما إذا كان مسؤولا عما يقوله فاقترح تنظيم لقاء موسع في ميدان التحرير بينه وبين مئات الألوف من بنات مصر لتبرير وجهة نظره في التحريض على خدش حيائهن وبعد التبرير يتم تسليمه حيا للبنات وأهاليهن وما دايم غير وجه الله».

ليس بالسلاح وحده نقضي على الإرهاب

وآخر معارك تقرير اليوم ستكون من نصيب زميلنا وصديقنا محمد فودة في «المساء» وقوله: «لم تكد تخمد عمليات الإرهاب في شمال سيناء فترة من الزمن حتى بدأت من جديد نشاطها لاستهداف رجال الشرطة على وجه خاص.. وقد حدث بالأمس استشهاد 5 من قوات الأمن المركزي، عندما كانوا قادمين من إجازاتهم في طريقهم إلى عملهم جنوب العريش.
في الوقت نفسه أصيب 9 مجندين من قوات الأمن في مدخل مدينة رفح إثر تفجير مدرعة أمنية بعبوة ناسفة أثناء سيرها على طريق رفح الدولي. وهناك عدد منهم أصيبوا إصابات بالغة حيث تم بتر سيقانهم. والواضح أن عمليات القتل الأولى استهدفت هؤلاء الخمسة الذين قتلوا في تلك الجريمة بعد أن جاءت معلومات إلى الإرهابيين أنهم يستقلون سيارة ملاكي، حيث أوقف الإرهابيون السائق وأنزلوه من السيارة ثم أطلقوا النار على من فيها من جنود الشرطة فاستشهدوا جميعا. وكان الظن كبيرا بأن السائق الذي أنزلوه من السيارة ربما يكون أحد الجواسيس الذين يعملون مع الإرهابيين وهو الذي تولي الإبلاغ عنهم.. لكنهم بعد أن قتلوا الجنود الخمسة انقضوا على السائق فقتلوه هو الآخر، ما يوحي بأنهم تلقوا المعلومات من مصدر خارج هذه العملية. والسؤال هنا: لماذا ركب هؤلاء الجنود سيارة ملاكي وليس سيارة أجرة؟ هل السيارات الملاكي مسموح لها أن تقوم بعمل سيارة الأجرة ؟ الأمر هنا يستدعي التفكير وهو أن المعلومة عن الجنود الخمسة كان مصدرها السائق نفسه.. وقد تخلص الإرهابيون منه حتى لا ينكشف أمرها..
إن حادث استشهاد رجال الشرطة وهم عائدون من إجازاتهم تكرر عدة مرات قبل هذه الواقعة.. ولكننا لم نأخذ الدرس من الوقائع السابقة.. وعلى جهاز الأمن الوطني أن ينشط في مواقف سيارات الأجرة وهو لاشك قادر على اكتشاف القائمين بالتبليغ عن جنود الشرطة إلى الإرهابيين. فقط علينا أن نحاول قدر المستطاع تغيير استراتيجيتنا في سيناء وقد نجحنا بالفعل في تأمين نقاط التحصين.. وقام جنودنا بتبادل اطلاق النيران مع الإرهابيين واضطروهم إلى الانسحاب. لابد أن يسبق تفكيرنا تفكيرهم ونحاصرهم بخططنا قبل أن يحاصرونا فليس بالسلاح وحده نقضي عليهم في شمال سيناء بل يجب أن تكون الاستراتيجيات أكثر قدرة وفاعلية للقضاء عليهم».

استخفاف الدولة بالدستور والقانون واعتبارهما عوائق دنيوية… وإدارة مصر بعيدة عن العلم والرشاد

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية