استعارات العشق التي تقتل من غير سلاح !

يُروى أنّ مطرب تونس الشهير علي الرياحي مات وهو يغني على الركح مقطعا من أغنية غزليّة عنوانها « قتلتني بلا سلاح» كان ذلك منذ أكثر من ثلاثين عاما.
قد تكون هذه مناسبة للترحّم على أحد الذين قَضَوْا وهم يتغنّون بالعشق القاتل، لكن ليس هذا ما يعنينا في هذه الفُسْحة فما يهمّنا فيها هو الوقوف عند استعارة «العشق قتل» التي تُعدّ من أقدم الاستعارات التي عاشت إلى عصرنا: كيف استطاعت أن تحيا ويفنى غيرها؟
كلامنا عن هذه الاستعارة سيكون من وجهة نظر عرفانية ترى الاستعارة آليّة إدراكيّة تُبَنْيِنُ ذهنيّا تجاربنا فبها نعالج معرفتنا اليومية بالكون ولا تراها حلية أو محسّنا من محسّنات الكلام. وهذا التوجّه كان الفضل فيه للايكوف وجنسن ثمّ لفوكونياي وترنر في نظريّة تعرف بنظرية المزيج، وترتبط بمفهوم الفضاءات الذهنيّة، وهي أبنية ذهنيّة وقتية وافتراضيّة تبنى وتتحرّك أثناء التفكير في وضعيّة معيّنة أو الحديث عنها. والمهمّ من كلّ هذا أنّ الاستعارة تؤدّي في النهاية إلى ضرب من الدَّمج التصوّريّ بين فضاءين (يسميان فضاءَيْ دَخْل) وهما في حالة استعارتنا فضاء العشق وفضاء القتل؛ ويسمّى الدَّمج التصوّريّ بينهما مزيجا إذ منه تتولّد بنية منبثقة لا هي العشق ولا هي القتل، بل هي مزيج بينهما هو العشق قتل: العاشق فيه لا عاشق ولا قتيل، بل عاشق قتيل. والمعشوق لا معشوق ولا قاتل بل شيء مُدمَج مركّب هو المعشوق القاتل. وعين المرأة فيه لا هي عين ولا سلاح بل آلة مركّبة بين العين والسلاح حين تنظر إليك تقتلك، بل أنت تتمنى ذلك القتل منها.
في نظريّة المزيج الاستعاريّة حديث عن فضاء تسميّه الفضاء الجامع وبه تفسّر النظريّة أنّ هناك في مستوى ذهنيّ مجرّد أشياء مشتركة بين العشق مثلا والقتل هي التي دعت البشر إلى التفكير في أحدهما (العشق ) باستعمال وسائل الآخر (القتل) فليست الاستعارة محض صدفة أو تواضعا يعدم التفكير. بهذا ينبغي أنْ نسلّم أنّ بين الموت والعشق وشائج نحن نعيها، وربّما نعيشها أو عشناها حين ننظر إلى تجربة العشق من كوّة تجربة القتل.
وإذا نظرنا إلى العين والسلاح القاتل مثلا وجدنا رابطا بينهما ولربّما كان الرابط صريحا حتّى في التسمية: أَوَلَسْنا نقول عن العين إنّها «جارحة» في صفة صارت بمرور الوقت اسما لهذه الأداة المدركة (ولغيرها من المدركات)؟ أوليس في هذه الذاكرة رابطا ذهنيّا بين جرح الآلة وجرح العين؟ العين جارحة في هذه الاستعارة بالمعنى المتواري في الإدراك وما كان جارحا كان قاتلا. وفي بعض الأحيان نطلق على طريقة من النظر صفة هي من هذا القبيل فنقول «نظرة حادّة» وشعورنا بحدّتها يؤلمنا بالفعل، فنحوّل بصرنا عنها اتّقاء لإيلامها: أوليست الحدّة دليلا آخر على سمات جامعة بين الآلة القاتلة والعين المبصرة؟ نحن إذن لا نرى في عين من يرانا فقط أنّه يرانا بها قد نرى من خلالها أنّه يجرحنا ويقتلنا وفي العشق قتل بها محبّذ.
لن يجد المرء أيّ عناء في العثور عن استعارات من هذا القبيل في أيّ مكان. في معلقة امرئ القيس حضور كثير من ذلك نكتفي بمثال منه هو:
«وما ذَرفتْ عيْناك إلاّ لتضربي * بسَهْمَيكِ في أعْشَار قلب مُقتّل»
وفي بيت عنترة الذي اشتهر في الغناء:
رَمَتِ الفؤادَ مليحةٌ عذراءُ * بسهامِ لحْظ ما لَهُنَّ دواءُ
وفي حديثنا اليومي كثير من هذا عند حديثنا عن الجمال الفائق فهو جمال (يقتل) وقد يسند الفعل إلى صاحبته فيقال هي (تقتل). دوران هذه الاستعارة بين الشعريّ واليوميّ وبين القديم والحديث هو دليلُ حياة لأنّها جزء من التجربة الثقافية الجامعة التي ما تزال سائرة حيّة؛ قد تتحوّل أو تتغيّر لكنّها لم تمت وحياتها أمارة على أنّنا ما نزال نتعامل مع العشق على أنّه ضرب من القتل.
الاستعارة نفسها موجودة في الثقافات المجاورة، ففي مسرحيّات شكسبير «روميو وجولييت» و»أوتلّو» و»أنطونيو وكليوباترا» عبارات بل مواقف تركّب تركيبا مزجيّا عجيبا بين العشق والقتل. حين ترتمي جولييت على جثمان روميو القتيل تقبله من شفة تريد أن تمتصّ منها السّمّ، ففي ذلك تمتزج قبلة العشق بإرادة الموت؛ وحين يقول أنطونيو في مسرحية «أنطونيو وكليوبترا: سأكون عريسا في موتي وسأسعى إليه مثلما أسعى إلى فراش الحبيب فإنّ في المشهد وفي الكلام ما يسمح لريح الموت أن تمتزج بنسمات العشق؛ ليس في الأمر استعارة بالمعنى الزّخرفي للكلام بل بالمعنى الإدراكي له. وهذه الاستعارة ليست مقتصرة على الكلام ففي الصورة باختلاف أنواعها وبما هي نظام علاميّ بصريّ لعبٌ على هذه الاستعارة ممّا يجعلنا نراها استعارة شاملة لثقافات مختلفة ولأنظمة علاميّة متنوّعة وشمولها دالّ على تلبّسها بالتجربة البشريّة ولإدراك تجربة العشق بعناصر تجربة القتل.
إنّ الموت شيء والقتل شيء آخر مختلف عنه، فالقتل هو الموت المُراد والمقصود والإنسان يقتل حين يريد أن يفعل ذلك، ولكنّ الموت فعل طارئ ومبنيّ إلى معلوم صار من فرط العلم به مجهولا. وارتباط العشق بالقتل لا بالموت هو من هذه الناحية ارتباط بفعل إرادي منسوب إلى فاعل بعينه هو المعشوق. من وجوه القتل المرادة الصيد أو الحرب. يحضر الصيد كثيرا ما في استعارات العشق/ قتل العربية القديمة. بدءا من العيون القاتلة و اللّحاظ السِّهام وصولا إلى الأسر والعُلوق في الشباك. لكنّ العشق المرتبط بالحرب أقلّ حضورا في استعارات العشق/قتل القديمة وفي ذلك موقف وراءه بناء اختياريّ لقصة العشق المرادة: فهي تدرك على أنّها مطاردة واضحة الملامح لا ملحمة قتل وخيمة العواقب.
القنص عمل محاط باللذّة والشهوة والحيلة والإيقاع هو مسار مركّب وموثوق من نهايته، لذلك هو قتل محبّذ لأنّ أسلحته واستراتيجياته وأطرافه جميعها معروفة وليس فيه من مفاجآت؛ لكنّ الحرب شيء محاط بالألغاز والأهوال، ونحن لا نذهب من تلقاء أنفسنا إلى الحرب، لكن حين نذهب قد لا نعود بيد أنّنا نذهب مريدين كالمدفوعين إلى القنص ونعود ظافرين حتى إن عدنا خاويي الوفاض: القنص حاجة والحرب اضطرار لذلك يحبّذ العربيّ القديم أن يبني استعارة العشق قتل على أسس القتل في القنص لا القتل في الحرب. غير أنّ الأمر اختلف اليوم فلم يعد القتل مقبلا من مشاهد القنص، بل من مشاهد الحرب، القتل السّائد في استعارات اليوم العاشقة هو فعل حادث دفعة واحدة، إذ تقتل الآلات الحربية اليوم بقنبلة أو بعيار ناريّ أو بلغم قتلا بالجملة؛ من هنا جاء العشق الومضة كالقتل الومضة في هذا السياق تصير المرأة (قنبلة أو طيّارة بالتونسي).
لم تمت استعارات «العشق قتل» رغم أنّ مفرداتها تبدّلت، لأنّها استطاعت أن تبني على مدى قرون وعيا شبه ثابت مع اختلاف في طرق بنائه ملخّصه أنّ العشق درجة من درجات الموت أو الفناء في المعشوق. هذا المعنى عبّر عنه بأشكال بديعة المتصوّفة لكنّ إدراكهم كان مفارقا للذي ذكرناه.

٭ أستاذ اللسانيّات بالجامعة التونسيّة

استعارات العشق التي تقتل من غير سلاح !

توفيق قريرة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية