استعدادات لتنفيذ عمليات أمنية وعسكرية جديدة في ليبيا… والانتخابات المقبلة هي الأسوأ في تاريخ مصر

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» : سيطرت أنباء الغارة الجوية التي شنتها عشرات الطائرات المصرية بتنسيق وتعاون مع الطائرات والمخابرات الليبية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» في مدينة درنة، وما أنزلته بها من خسائر ردا على ذبحها واحدا وعشرين من المصريين العاملين هناك، على اهتمامات الصحف الصادرة أمس الثلاثاء 17 فبراير/شباط، وعلى اهتمامات الشعب الذي انخفض إلى حد كبير جدا مستويى غضبه الذي كان يمكن أن يتحول إلى ما لا يحمد عقباه إذا لم تتم الضربة بهذه السرعة.
وبالتالي أوقفت مؤقتا الإحساس بالمهانة الذي انتاب الجميع بأن مصر أصبحت ملطشة لجماعات من الإرهابيين في سيناء وفي الداخل، ثم جاءتنا من ليبيا، واتهام الدولة بأنها مترددة في استخدام ما تحت يديها من وسائل القوة والعنف، لوضع حد لكل ذلك رغم التفويض الشعبي الكاسح الذي تم منحه للرئيس بعد أن طلبه.
والشيء المؤكد أن النظام لن يكتفي بذلك، وإنما في تقديري الشخصي سيقوم بعمليات نوعية ذات طابع أمني، سيكون لها دوي محلي وعربي ودولي، لإثبات أن ذراعه الأمنية لا تقل قوة وكفاءة عن ذراعه العسكرية، وكان التحرك السياسي في سرعة وكفاءة العسكري لإفشال محاولة إثارة الفرقة بين المسلمين والأقباط، ومنع ظهور أي اتجاه يطالب أمريكا والغرب بالرد وحمايتهم، وكذلك عدم لجوئهم إلى الكنيسة بدلا من الدولة، فقد سارع الرئيس إلى مقر الكاتدرائية لتقديم التعازي للبابا، وهي ثاني زيارة له بعد الأولى لتهنئتهم بعيد الميلاد المجيد، كما قام وزير الدفاع الفريق أول صدقي صبحي ومعه رئيس الأركان وقادة الفروع، وكذلك شيخ الأزهر والمفتي بالزيارة، وتقديم التعازي. وسارع رئيس الوزراء المهندس إبراهيم محلب لزيارة المنيا وتقديم التعازي هناك والإعلان عن صرف الدولة مئة ألف جنيه لكل أسرة ومعاش شهري قدره ألف ومئتا جنيه يمثل الحد الأدني للأجور، وبناء كنيسة تحمل اسم شهداء الإيمان والوطن، كما حضرت جموع غفيرة من المسلمين مجلس العزاء.
وأشارت الصحف إلى توجه أعداد من المصريين للحصول على تأشيرات من السفارة الليبية للسفر والعمل هناك، والتوقيع على صفقة طائرات رافال الفرنسية بحضور السيسي. والإعلان عن موجة برد شديدة وزوابع اعتبارا من اليوم الأربعاء وانخفاض الاهتمام مؤقتا بأخبار الاتصالات بين الأحزاب للاتفاق على القوائم لانتخابات مجلس النواب وبترشح عدد من قادة الحزب الوطني… هذا وقد اكتشف زميلنا رسام الكاريكاتير محمد عمر عن العلاقة بينهم وبين العاصفة الترابية فقال، إنه أثناء سيره في أحد الشوارع شاهد اثنين يقول أحدهما للثاني مفسرا له أسباب العاصفة الترابية:
– أيه ده؟.. أيه ده؟.. الحزب الوطني نازل بترابه.
أيضا اهتمت الصحف بالاستعدادات لمسلسلات شهر رمضان، وبدء عشرات من شركات الأدوية المصرية طرح إنتاجها من عقار سوفالدي في شهر مايو/أيار المقبل والاهتمام كذلك بنتائج علاج السرطان بالذهب الذي توصل إليه العالم الدكتور مصطفي السيد. وإلى شيء من أشياء لدينا…

خلاف حول توصيف المجالس النيابية

نبدأ بأبرز ردود الأفعال على الانتخابات وتحركات الأحزاب والقوى السياسية والأفراد، حيث تناول صاحبنا السلفي من حزب النور أحمد الشحات في مقال له يوم الجمعة في جريدة «الفتح» لسان حال جمعية الدعوة السلفية التي خرج منها الحزب، الخلاف داخل الحزب والجمعية حول ترشيحه على قوائمه أقباطا ونساء، حسبما نص على ذلك الدستور، واتهام البعض له بأنه تنازل عن ثوابته الشرعية فقال ردا عليهم: «في المقام الأول أو التعليق على آرائهم، وبالتالي فالقضية برمتها بهذا التوصيف تعد من قضايا الخلاف السائغ بين العلماء، التي لا يفسق فيها المخالف ولا يبتدع ولا يتهم بالتخلي عن مبادئه أو التنازل عن ثوابته، والأمر دائر بين «الأجر والأجرين»، طالما تجرد الباحث عن الهوى ولم يتعمد انتقاء الآراء بالتشهي أو التصيد من أقوال المذاهب والعلماء وفق ما يحب. أما من يسعي لذلك من أجل أن يقدم قرابين للداخل والخارج، أو ليبرهن على سماحته ومرونته ورفقته لتشدد وغير ذلك، فهو من ينطبق عليه وصف التنازل عن الثوابت وتمييع قضايا الدين من أجل الحصول على مكاسب سياسية رخيصة.
هناك أسئلة كثيرة تدور حول مدى مشروعية مشاركة المرأة والنصارى في المجالس النيابية مثلما يلي: هل يعد إثما من يشارك في الانتخابات بهذه الصورة، خصوصا عند من يرى عدم جواز دخول المرأة والنصارى لهذه المجالس؟ وهل تعد هذه المسألة من باب الثوابت العقدية التي لا ينبغي التهاون فيها أو القبول بوجودها؟ هناك خلاف سائغ بين العلماء المعاصرين حول توصيف المجالس النيابية، فمن يرى أنها تتحقق فيها صفة الولاية، فإنه يعتقد عدم جواز تمثيل المرأة والنصارى فيها. أما من يرى أن هذه المجالس لا تتحقق فيها صفة الولاية، فإنه لا يجد بأسا في دخول المرأة والنصارى فيها، وهناك بالطبع من يرى مشروعية تولي المرأة والنصارى للولايات العامة أمثال، الأستاذ محمد الغزالي والدكتور يوسف القرضاوي وغيرهما».

أقباط هاجموا من انضم منهم لقائمة «النور»

وكان حزب النور قد نجح في ضم عدد من الأقباط رجالا ونساء في قائمته الانتخابية، ما أدى إلى جدل كبير بين الأقباط الذين هاجموا من انضم لقائمة حزب يدعو بعض رموزه مثل، الشيخ ياسر برهامي، إلى عدم جواز تهنئة الأقباط بعيد الميلاد، كما أن الحزب في انتخابات عام 2012 عندما ترشحت في بعض الدوائر نساء لم ينشر صورهن في إعلانات الدعاية واليافطات، إنما توصل إلى حل وسط يحل مشكلة نشر الصورة وهي حرام أو عدم نشرها، بأن اختار صورة الوردة دليلا على أن المرشحة امرأة، إضافة إلى اسمها. كما أنه واجه مشكلة لرفض بعض الرجال نشر صورهم وكان عدد من يكتبون في الجريدة حتى وقت ليس بالبعيد يرفض نشر صورته مع مقاله مكتفيا بالاسم وفوقه أو تحته صورة قلم.

البرلمان المقبل سوق لشراء النواب والمرشحين

كما تواصلت المعارك بسبب تقدم أحمد عز وعدد من قادة الحزب الوطني ورجال أعمال للترشح، وفي يوم الأحد صاح زميلنا في «الوفد» عضو مجلس الشعب السابق محمد عبد العليم محذرا منهم بالقول: «نحن أمام أسوأ انتخابات في تاريخ الأمة المصرية نحن أمام انتخابات ستكون أضحوكة الأجيال المقبلة، وشر البلية ما يضحك. ستتندر الأجيال المقبلة، بل ستتندر كل الأمم المتحضرة من شعب قام بثورتين ليدخل انتخابات أقل ما يقال عنها أنها انتخابات مأجورة.
نحن اليوم أمام جريمة تريد عصف الديمقراطية من البلاد، أمام جريمة قتل الحياة الحزبية والسياسية.. تفصيل برلمان يكون حذاء في يد لصوص البلاد وقتلة الثوار.. نظام انتخابي خطير يريدون من خلال قوائم يعدها لصوص البلاد ليكونوا جزءا من مشروع تدمير البرلمان، إضافة إلى سوق شراء النواب والمرشحين».

إبراهيم منصور: ليس لدى النظام
الذي يتشكل الآن أي رؤية

وشارك في الهجوم في يوم الأحد أيضا رئيس تحرير جريدة «التحرير» زميلنا وصديقنا إبراهيم منصور «ناصري» بالقول: « لم يكن أحد يتوقع أن تحدث تلك الهرولة من أعضاء وقيادات الحزب الوطني «المنحل»، الذين سعوا في الأرض فسادا خلال فترة حكم مبارك، وسيطرة ابنه جمال على مقدرات الحزب والوطن، إلى انتخابات مجلس النواب الجديد. فقد وجد هؤلاء الفرصة سانحة لاستعادة نفوذهم وسطوتهم مرة أخرى بعد إفلاتهم من العقاب الذي كان من المفروض أن يخضعوا له بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، التي أسهموا بقوة في إجهاضها مع آخرين، وها هم الآن يشاركون في إجهاض ثورة 30 يونيو/حزيران، التي قامت ضد قوة استبدادية.
فلم تتم محاسبتهم على فسادهم وعلى ما اقترفوه في حق الشعب المصري خلال سنوات طويلة، ونهبهم المال العام وشراء مصانع القطاع العام بتراب الفلوس، بصفقات مع نظام مبارك وعائلته.. وحصولهم على أراضي الدولة بالخداع والتقسيط المريح والممل وبجنيهات قليلة.. ليصبحوا بعد ذلك مليارديرات نتيجة حصيلة تلك الأراضي التي حولوها إلى عقارات ومنتجعات، ومن دون دفع قرش واحد من حقوق الشعب المصري. واعتمدت قيادات الحزب الوطني تلك على العلاقة الوثيقة بمبارك وعائلته، ودعم الحزب الوطني الفاسد لممارسة الاحتكارات.. وتفصيل القوانين وأطاحوا بمعارضيهم.. وبسطوا نفوذهم وتاجروا في كل شيء بما في ذلك الممنوع.
ويستغل هؤلاء حالة الارتباك العامة التي سيطرت على إدارة شؤون البلاد.. ويحاولون أن يقدموا أنفسهم على أنهم الداعمون للنظام الجديد.. وهم في الوقت نفسه يسعون إلى مصالحهم الخاصة والحفاظ على ثرواتهم التي نهبوها. وما داموا لم يجدوا من يحاسبهم.. فلا مانع أيضا من استعادة الحصانة. وللأسف الشديد ليس لدى النظام الذي يتشكل الآن أي رؤية. وللأسف أيضا لم يستغل النظام الذي يتشكل الزخم الشعبي الذي حمله إلى إدارة البلاد. وكأنه لم يحدث شيء منذ سقوط حسني مبارك.. وكشف الفساد الذي كان عليه النظام وحزبه الوطني المنحل. وبعد أن كان لا أحد من قيادات الحزب الوطني المنحل يستطيع أن يطرح نفسه مرة أخرى للعمل السياسي.. فإذا بهم ببجاحة منقطعة النظير يحاولون السيطرة على المشهد السياسي الآن.. ويستدعون قواتهم القبلية والمالية لعودة نفوذهم، بل والسيطرة على النظام… فأبشروا بالبرلمان المقبل».

أحمد عز يصرف القليل ليجني الأكثر

ومن «التحرير» إلى «الوطن» ومستشارها وأستاذ الإعلام في كلية الإعلام في جامعة القاهرة الدكتور محمود خليل وقوله الساخر في عموده اليومي «وطنطن»: «فيديو رائع أعده الزملاء في موقع الوطن تحت عنوان «ماذا قال أهالي دائرة السادات عن ترشح أحمد عز»، وهو عبارة عن لقاءات تم أجراؤها مع أهالي الدائرة ويقوم الضيف فيها بالإجابة على سؤال: هل ستعطي صوتك لأحمد عز؟ استوقفتني إجابة لأحد الفلاحين من أهالي دائرة السادات عن هذا السؤال بقوله: «أيوه هنديله .. ياريت البلد كلها زي أحمد عز عمل جميع المصالح في البلد بحالها.. في الدنيا كلها ياريت كل الدنيا بحالها زي أحمد عز .. مش مجاملة والله اللي عاوز بطاطين بيديله.. كيماوي بيديله.. ما خلاش حاجة إلا لما عملها، يعني الناس كلها الحرامية الكبار ياريت يكونوا زي أحمد عز».
تلك هي المعادلة التي تحكم تقدير وتقييم بعض المواطنين للأمر، إنهم يعلمون أن الكل يسرق وينهب ويهلب لست أدري هل يدرك هذا الفلاح أو لا يدرك أن أحمد عز يستثمر مالا قليلا في شراء صوته وأصوات أمثاله، من أجل أن يجني مكاسب أكبر بكثير؟ حتى لو كان يدرك ذلك فربما كان لسان حاله يقول وما الجديد في أن ينهب أحمد عز أو غيره أن ذلك هو ديدن هذا البلد».

ترشح أحمد عز شهادة وفاة للثورة

ونطوي صفحات صحف الأحد ونفتح صفحات الاثنين بحثا عمن كتبوا عن الانتخابات فوجدنا زميلنا في «الجمهورية» ياسر عبد الله يستعير اسم فيلم فؤاد المهندس وشويكار وسهير البابلي «عودة مستر أكس» ليستخدمه عنوانا لمقاله ليكون «عودة مستر أكس للانتخابات» ويقول عن أحمد عز: «قرار أمين الحزب الوطني المنحل عزم ترشحه، يعتبر استخفافا بعقول المصريين، كما أنه أراد أن يعرف ثقله عندهم، وهل هذه الثورات حقيقية أم إشاعة؟ والمصري بطبعه النسيان والتسامح، لكن النتيجة أتت الرياح بما لا تشتهي السفن، غضب الشعب واعتبر ترشيحه شهادة وفاة للثورة وأعتبر البعض أن الدستور أقر بثورتي 25 يناير/كانون الثاني و 30 يونيو/حزيران، وأكد أن الدستور لم يصدر قانونا يعزل به كل من يشارك في قيام الثورتين، أسوة بقانون منع وتجريم الإساءة للثورتين، باعتبار عودة هذه الوجوه سبة وعارا على جبين الثورتين».
مع سبق الإصرار والترصد تربص رجال مبارك العدة بالبرلمان الجديد
أما زميله عبد الجواد حربي وفي العدد نفسه فكان رأيه هو: «لم يعد أمامنا سوى الاختيار بدقة بين برلمان قوي يمثل جموع المصريين الغلابة، الذين قدموا الدم والعرق في ثورتين شهدهما الوطن على مدى أربع سنوات، وبين برلمان يمثل رجال أعمال الحزب المنحل ويدافع عن مصالحهم وأموالهم التي نهبوها من كد المواطن المسكين على مدى عقود الفساد الثلاثة لا أعادها الله. مع سبق الإصرار والترصد أعدوا العدة وتربصوا بالبرلمان الجديد.. أربعة من رجال الأعمال الفاسدين وضعوا مجلس النواب نصب أعينهم بحثوا عن صبيانهم ووكلاء أعمالهم الفاسدين في القرى والنجوع، قدموا لهم الأموال ودفعوهم دفعا نحو الترشح إحذروهم وطاردوا صبيانهم بالأحذية والبيض الفاسد أينما وجدتموهم».

القوى السياسية لا تريد أن تتفق

ومن «الجمهورية» إلى «أخبار اليوم» وزميلنا خفيف الظل عبد القادر محمد علي الذي قال في بروازه اليومي المتميز «صباح النعناع»: «الانتخابات البرلمانية تقترب، والقوى السياسية لا تريد أن تتفق، اجتماعات ومناقشات ومشاورات تنتهي دائما إلى لا شيء، لأن كل فريق يسعى للهيمنة وتصدر المشهد، والواضح حتى الآن أن الوحيد الذي حدد هدفه وبدأ دعايته مبكرا ويعرف طريقه جيدا هو المرشح بتاع الزيت والسكر واللحمة والبطاطين وما يستجد من رشوة انتخابية، أتمنى أن تستيقظ القوى الوطنية وأن تصل إلى اتفاق قبل موعد حلف اليمين العضوية تحت القبة».

إرادة المصريين ليست سلعة تباع وتشترى

أما آخر زبائننا في هذه القضية في تقرير اليوم فستكون من عدد «الأخبار» نفسه وهو زميلنا وصديقنا محمد الشماع وقوله: «تنوعت الرشاوى الانتخابية في المحافظات والدوائر الفقيرة بدءا من الزيت والسكر وصولا إلى اللحوم والأدوات المدرسية والقوافل الطبية، التي بدأها رجال الأعمال والأحزاب والتحالفات وبعض التيارات الدينية السياسية، لشراء الأصوات الانتخابية في هذه الدوائر، في محاولات مؤكد أنها فاشلة لأنها تراهن على إرادة المصريين، باعتبار أنها سلعة تباع وتشترى بثمن بخس، وبأموال مشبوهة أربكت المشهد الانتخابي، ومع اقتراب إغلاق باب الترشح وحتى انتهاء العملية الانتخابية ستشهد تحالفات وتربيطات هدفها الأساسي محاولة تحقيق مكاسب شخصية ضيقة أو حزبية محدودة، ولكن الشعب المصري سيكشف كل هؤلاء».

رهان مصر على مؤتمر شرم الشيخ
الاقتصادي المقبل لم يعد مطروحا

انطلقت الطائرات المصرية لتضرب مواقع داخل ليبيا قيل إنها تابعة لتنظيم «الدولة الإسلامية» الإرهابي، القصف طال مدينة درنة في الشرق وسرت في الوسط، وربما نسمع عما قريب عن قصف آخر يطال العاصمة طرابلس، باعتبار أن الحكومة هناك لا تعترف بها مصر وتناصبها العداء. هذا ما بدأ به جمال سلطان رئيس تحرير جريدة «المصريون» عدد أمس الثلاثاء مقاله ومما جاء فيه: «اتخذت تلك الحكومة موقفا عنيفا من الغارات المصرية أمس ووصفتها بالاعتداء السافر على السيادة الليبية والشعب الليبي، بينما رحبت بالغارات حكومة طبرق وطالبت الكتائب المنضوية تحت سيطرتها، كتائب حفتر ـ بالمزيد من الضربات المصرية، باعتبار أن هذا القصف يضعف خصوم حفتر ويزيل عوائق من طريقه للسيطرة على شرق ليبيا بكامله. الأجواء الإعلامية الاحتفالية الصاخبة في مصر التي صاحبت الغارات الجوية، والتغطية الإعلامية المنسقة والمفرطة في الابتهاج والإعلانات عن أعداد ضخمة جدا من قتلى «داعش» في هذه الحملة وتدمير مخازن أسلحتهم ومستودعات الذخيرة وخلافه، هي كلها أجواء حرب، وتعني أن مصر اتخذت قرارا بالفعل بالدخول في مواجهة مفتوحة في ليبيا، وهي لحظة طال انتظارها، حتى أن بعض الإعلاميين المقربين من أجهزة سيادية رفيعة أعلنوها صراحة قبل حوالي ستة أشهر، وفيديو توفيق عكاشة انتشر بشدة على الانترنت أمس وهو يقول فيه، إن مصر ستدخل حربا في ليبيا خلال ستة أشهر. وكانت الدبلوماسية المصرية قد عرضت الطلب بإصرار وإلحاح وتكرار ممل على الاتحاد الأوروبي وعلى الولايات المتحدة، إلا أن الجميع رفضوا التدخل العسكري واعتبروا أن أي تدخل عسكري في ليبيا سيعقد الأمور أكثر، ويصنع بيئة حاضنة للإرهاب خارج السيطرة، ووصل الكلام إلى مستوى التحذير من التدخل، ثم عادت مصر ـ بعد جريمة قتل الأقباط على يد مجموعة تنتمي لـ»داعش» ـ لكي تعزز طلبها بتوفير غطاء دولي للتدخل، ودعا الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى إصدار قرار من مجلس الأمن الدولي بتشكيل تحالف بشأن ليبيا، وذلك لمواجهة تنظيم «داعش». وقال السيسي في تصريحات لراديو «اوروبا 1» الثلاثاء إنه يرغب في الحصول على قرار من مجلس الأمن لتشكيل تحالف بشأن ليبيا. المشكلة هنا أن مصر اتخذت خطوات فعلية للتدخل في ليبيا بالهجمات الجوية المتتالية، ولا يوجد من يتحمس لها سوى إيطاليا، لاعتبارات تتعلق بمصالح تاريخية من الحقبة الاستعمارية، كما أن هناك خطرا أكثر يتمثل في إمكانية إرسال دول كبرى إشارات أو رسائل إيجابية غير معلنة وغير رسمية، على النحو نفسه الذي حدث مع صدام حسين قديما قبل دخوله للكويت، مما يجعل مصر في ورطة بدخولها ـ وحدها ـ في المستنقع الليبي، وتبدو كقوة احتلال، خاصة أن الجزائر وتونس ـ الجيران على الضفة الأخرى لحدود ليبيا ـ غير متحمستين لهذا التدخل أيضا….
الاندفاع القوي والحماسي للحرب في ليبيا ربما يشير إلى أن رهان مصر على مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي المقبل لم يعد مطروحا، وأن فرص نجاحه ليست كبيرة، وقرار الحرب ربما ينهي فكرة المؤتمر كلية، كما أنه ربما يهدد بشكل غير مسبوق أي خطط لاستعادة سوق السياحة المصرية، لأن الحرب تتبعها إجراءات أمنية أكثر تعقيدا، وكان الجيش قد بدأ انتشارا مفاجئا منذ أول أمس في الشوارع والميادين لتأمين البلاد حسب البيان الرسمي، وهو ما يجعل فهم واستيعاب الحسابات المصرية للمستقبل القريب، اقتصاديا وعسكريا وأمنيا، وربما سياسيا ـ بما في ذلك الانتخابات البرلمانية ـ بالغ الصعوبة».  

للجريمة ألم خاص حينما يكون الضحايا من المسيحيين

أما زميله طه خليفة فكتب في العدد نفسه من «المصريون» مقاله الذي تحدث فيه عن الضربة المصرية السريعة في ليبيا التي قال عنها: «إذا اعتدى شخص على آخر فيكون أمامه طريق من اثنين، إما أن يلتزم بالقانون، ويقدم شكوى ضده، أو يرد عليه بنفسه، وهنا فإنه سيكون فعل مثله وخالف القانون، هذا في حالة وجود دولة وحكومة ونظام عام وحالة استقرار، أما إذا لم تكن هناك دولة فلن يكون أمام المعتدى عليه سوى الرد ثأرا لكرامته، أو الصمت وتحمل الإهانة والتعرض للمزيد من الاهانات مستقبلا. في هذا السياق فإنه لم يكن أمام مصر بعد لحظة إعدام 21 من مواطنيها ذبحا في ليبيا غير الرد بالوسيلة التي تختارها، وهو ما تم بالفعل عبر ضربات عسكرية جوية، نتحدث هنا عن الأداء الرسمي بعد قتل المصريين، أما الأداء قبل ذلك حينما كانوا على قيد الحياة فهذا أمر آخر أشرنا إليه أمس، وقد يتحمل المستوى السياسي اللوم لأن تحركاته لم تكن على مستوى خطورة التهديدات، إلا إذا كانت هناك جهود وتحركات سياسية جادة، لكنها لم تثمر عن شيء إيجابي، ولا يُراد الكشف عنها مثلا. هل كان ممكنا أن تلتزم مصر بالسيادة الليبية، وتشتكي إلى حكومتها ما تعرض له أبناؤها على أراضيها لجلب القتلة وعقابهم؟ بالطبع لا، لأنه واقعيا لا توجد في ليبيا دولة موحدة مستقرة لها نظام سياسي وحكومة معروفة، هناك فوضى شاملة، واقتتال أهلي، وصراعات سلطة شرس، وفي ظل الفوضى تظهر حكومتان، ومجلسان تشريعيان ، دولة في الشرق، وأخرى في الغرب، وبينهما قتال مستعر، وصحيح أن مصر والعالم يعترفان بحكومة الشرق في «طبرق» وبمجلس النواب المنتخب، ويتعاملان معهما، لكنها حكومة شكلية، وبرلمان غير فاعل، وبالتالي يغيب معنى السيادة هنا، لأنه لو كانت هناك سيادة ما رأينا حكومتين، وبرلمانين، وما رأينا جماعات تطرف وإرهاب تؤسس ولايات وإمارات تنسب نفسها للإسلام، وتقيم حكمها وسلطانها وتختطف الرهائن وتقتلهم ببشاعة.
الدولة كانت مغيبة خلال حكم القذافي، وهي غائبة بعد رحيل القذافي ونظامه على عكس ما كان مأمولا من أن انتصار الثورة سيقيم ويؤسس دولة حقيقية ديمقراطية وطنية مدنية تنقل ليبيا من القبائلية والحكم العائلي إلى الدولة الحديثة وحكم المؤسسات. لمن تشتكي مصر من قتلوا أبناءها؟، فحتى حكومة طبرق المتفاهمة معها لا تستطيع أن تأتي بحقوق الضحايا المصريين، بل في حدود الأراضي التي تسيطر عليها هناك وجود للجماعات المتطرفة، ومنها «داعش»، وهي غير قادرة على مواجهتها، أو القضاء عليها…. ومثلما أن ذبح 21 مصريا هو جريمة بحق هؤلاء المواطنين البسطاء، فإنها جريمة بحق مصر الدولة، فيها إهانة كبرى لها، واستباحة لدماء أبنائها والانتقاص من هيبتها، بغض النظر عن مدى التلكؤ أو الإخفاق في السعي لتحريرهم، ثم يكون للجريمة ألم خاصا حينما يكون الضحايا من المسيحيين، لأن الانتقاء للون ديني معين من بين المصريين العاملين في ليبيا من جانب الخاطفين ربما يكون هدفه إثارة فتنة طائفية في مصر، وإرباك العلاقة بين المسلم والمسيحي في المجتمع المصري، ومن هنا كان تشديدنا على الإدانة، وكان تحرك مصر سريعا لتؤكد أن المصريين جميعا على قدم المساواة، مع تفهمنا لمن ينتقدون السلطة لتراخيها في حوادث دماء سابقة أقربها مذبحة مشجعي الزمالك، باعتبار أن أداءها قبل وخلال وبعد المذبحة لم يكن على المستوى المأمول. لم يكن أمام السلطة من خيار سوى قرار الضربة العسكرية العقابية، لكن المفاجئ فيها هو سرعتها القصوى وغير المتوقعة».

تقصير فادح بحق مواطنينا المذبوحين

أما عمرو حمزاوي فيكتب لنا في «الشروق» عدد أمس الثلاثاء عن فقراء من صعيد مصر دفعهم الكد لتأمين قوت اليوم ﻷسرهم، والضعف الشديد للمقابل المادي الذي تحصل عليه العمالة البسيطة في الصعيد ومناطق بلادنا الأخرى إلى الارتحال غربا إلى ليبيا على ما بها من حروب، الكل ضد الكل، وجنون الإرهاب والعنف. ويقول مواصلا كلامه: «عنهم أكتب وعن تجاهل كارثي لمأساة اختطاف بعضهم تورطنا به وسط صخب وضجيج وتقلبات وموضات نقاشنا العام.
أكتب عن مصريين مسيحيين فقراء كانوا يقطنون مع أسرهم بعض مدن وقرى شمال محافظة المنيا، وبعد أن سئموا حياة «الأنفار» المستنزفين في العمل الزراعي وأعمال البناء بأجور لا «تغني من جوع» أو بعد أن عانوا مرارات البطالة ذهبوا إلى العمل في ليبيا، ولم يختلفوا هنا عن الكثير من أقرانهم من الصعايدة المسلمين. ارتحلوا غربا إلى حيث الحروب والجنون، في مقامرة بحياتهم وبإنسانيتهم المحبة للحياة هربا من حياة «الأنفار» التي لاإنسانية فيها ولا شيء مؤكد سوى الموت البطيء. وفي ليبيا لم يجدوا إلا كارهي كل حياة وسفاكي كل دماء في الانتظار بجرائم خطف وسلب حرية على الهوية الدينية، وبجريمة قتل بشعة على الهوية الدينية. وها هم يتركون ذويهم من ورائهم، وقد أضيفت إلى الفقر آلام الظلم وأحزان الفراق والحسرة إزاء عجز الحكومة المصرية عن التواصل معهم بشفافية بشأن مصير الأبناء المختطفين، وإزاء الصمت الرسمي والشعبي الذي لم يغيره أخيرا إلا التداول الإعلامي لما ينذر بقرب حدوث جريمة القتل.
كيف تجاهلنا مصائر المصريين المسيحيين المختطفين في ليبيا، ونحن ندين قتل الأبرياء والعنف الرسمي وكافة انتهاكات الحقوق والحريات؟ كيف تجاهلنا مصائرهم وجعلنا منهم مسكوتا عنه، ونحن ندين وحشية ودموية عصابات الإرهاب التي تسقط الأبرياء من الجنود والضباط ومن المدنيين في سيناء وفي مناطق أخرى؟ كيف أسقطنا من دوائر وعينا اليومي هؤلاء الضعفاء الذين دفعتهم مظالم مجتمعنا متمثلة في الفقر وغياب الحدود الدنيا من الحياة الكريمة إلى الارتحال إلى حيث دوامات الحروب والجنون طلبا لشيء من الرزق، ثم أسقطتهم الدوامات هذه في غياهبها؟
في تجاهل تناول مصائر المصريين المسيحيين المختطفين في ليبيا تقصير فادح يستوجب الاعتذار العلني ويستوجب الوعي بضرورة أن تتبنى أصوات ومجموعات الديمقراطية الدفاع عن جميع قضايا الحقوق والحريات من دون انجرار وراء صخب وضجيج وتقلبات وموضات نقاشنا العام، وجميعها تحجب أكثر مما تفصح. ويستوجب، بعد الدعوة لهم بالرحمة ولذويهم بالصبر، الصمت».

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية