القاهرة ـ «القدس العربي» تنازعت عدة أحداث اجتذاب اهتمامات الصحف الصادرة أمس الأربعاء 16 يوليو/تموز، منها استئناف إسرائيل غاراتها الوحشية ضد أشقائنا الفلسطينيين في غزة، واستشهاد وجرح أعداد أخرى وتدمير المزيد من المساكن، ورفــــض حركة حماس المبادرة المصرية بعد أن وافقت عليها إسرائيل والسلطة الفلسطينــــية. لكن كان موقـــــف «الأهرام» هو الأدق، لأنها أشارت إلى أن حماس تدرس المبادرة. ووصل الرئيس الفلسطيني محمود عباس القاهرة لإجراء محادثات مع الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وهناك خبر آخر يتصل بالعدوان الإسرائيلي، وهو العمليات الإرهابية في شمال سيناء والهجوم الذي قام به الإرهابيون بمدافع هاون وأدى إلى استشهاد تسعة مدنيين ومجند، فقد تم الإعلان عن شن الجيش والأمن هجوما ضد مجموعة من الإرهابيين وقتل سبعة منهم، ومحاصرة أعداد أخرى في أكثر من مكان، بعد أن تم تحديد من قاموا بالهجوم. ومن الاخبار المؤلمة التي ذكرتها الصحف، غرق أحد عشر شخصا أثناء ممارستهم السباحة في الغردقة.
واحتلت التحقيقات والأحاديث مع أوائل الناجحين في الثانوية العامة اهتماما كبيرا، وكذلك هزيمة النادي الأهلي لكرة القدم من نادي سموحة في الكأس، وتقابل سموحة والزمالك في مباراة البطولة. والاهتمام الأكبر لا يزال منصبا على متابعة المسلسلات وبرامج التلفزيون والتعليق عليها، والسهرات الرمضانية المستمرة في الشوارع والمقاهي والأماكن السياحية، والشكوى المتزايدة من انقطاع التيار الكهربائي المتكرر أكثر من مرة في اليوم الواحد. هذا وقد أخبرني زميلنا الرسام الكبير في مجلة «آخر ساعة» محمد عمر أنه ذهب إلى وزارة الكهرباء لتقديم احتجاج على انقطاع الكهرباء، فشاهد مواطنا يجلس على كرسي وهو في حالة حزن شديد والوزير يواسيه ويطيب خاطره وموظفين يقول أحدهما للثاني:
– المواطن ده جاي يشتكي لأن بتوع الكهرباء ما قطعوش عنه التيار امبارح وسيادة الوزير بيصالحه.
واصدر الرئيس قرارا بتشكيل اللجنة العليا لانتخابات مجلس النواب، كما توصلت أجهزة الأمن إلى معرفة الإخوان أصحاب مزرعة الدواجن في الفيوم التي حدث فيها انفجار وقتل أربعة، بينما كانوا يعدون قنابل لاستخدامها ضد الشرطة والمنشآت المدنية، وألقت القبض عليهم، كما قبضت على أربعة عشر آخرين في المنوفية أثاروا الشغب لتهريب عدد من الإخوان من عربة الترحيلات بعد محاكمتهم.
وأصدرت محكمة الجنايات في الزقازيق أحكاما بالسجن المشدد سبع سنوات على عدد من قيادات الجماعة، شاركوا في التخطيط والتنفيذ لهجمات ضد قوات الأمن والمنشآت العامة بعد فض اعتصامي رابعة ونهضة مصر، ومن بينهم عضو مجلس الشعب السابق فريد إسماعيل ونائب محافظ الشرقية، كما صدر الحكم بالسجن خمس سنوات على ابن شقيق الرئيس السابق محمد مرسي.
وإعلان وزير الصناعة منير فخري عبد النور أنه لا زيادة أخرى في أسعار الطاقة لمدة سنة مقبلة، كما عاد الاهتمام إلى متابعة تحركات الأحزاب والقوى السياسية، خاصة بعد الحكم الذي أصدرته محكمة الاستئناف بحق أعضاء مجلس الشعب السابقين عن الحزب الوطني في الترشح لانتخابات مجلس النواب القادمة، وهو ما سيقلب الصورة إلى حد ويشعل المعركة أكثر، وسيكون المستفيد منه حزب الجبهة الوطنية برئاسة الفريق أحمد شفيق وجبهة مصر بلدي. والى بعض مما عندنا..
أستاذ أزهري: أبو بكر البغدادي مصيبة وليس خليفة
ونبدأ بالإسلاميين ومعاركهم وظهور فتوى تقول بأنه يجوز تناول طعام السحور بعد أذان الفجر، مما دفع جريدة «الجمهورية» الى أن تنشر تحقيقا يوم الأحد أعده زميلنا عبد العزيز السيد جاء فيه:»الدكتور أحمد محمود كريمة الأستاذ بجامعة الأزهر يقول هذه القضية أجمعت المجامع العلمية التخصصية في العالم على المبالغة إلى حد اليقين في معهد المساحة وتخصصات الفلك والأرصاد الجوية بمصر عليها، كما أجمع أهل العلم على سلامة وصحة أذان الفجر، وأنه يقع في ميعاده الشرعي من دون تقديم أو تأخير.
الذين يثيرون الشك يخلطون بين موعد الأذان وموعد إقامة الصلاة ومعلوم أن هناك فاصلا بين أداء الأذان وإقامة الصلاة لأداء صلاة الصبح متوسطة ثلث ساعة، ومن المقرر شرعا أن بداية الصوم الشرعي من أول الأذان لقول الله عزوجل «كلوا وأشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر وأتموا الصيام إلى الليل».
هناك فرق شاسع بين الفجر والصبح فالصيام بدخول وقت الفجر والصلاة مع إقبال أول النور، والذين يجترئون على هذا الفعل ويستمرون في الطعام والشراب، بحجة أن أذان الفجر في مصر متقدم عن موعده أنهم يريدون إفساد صيام المسلمين.
فضيلة الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق يقول، ان أذان الفجر هو الحد الفاصل لبداية الصيام حسب الحسابات الفلكية والأرصاد الجوية، التي تأخذ بهياكل البلاد الإسلامية، حيث أن العلم الحديث هو الأدق، وما دمنا نسمع الأذان والأكل في فمنا فعلينا أن نخرجه، وإذا كان الماء على فمنا فعلينا أن نرفع الإناء فورا، وإذا كنا في معاشرة زوجية فعلينا أن ننزغ حين نسمع الأذان، وهذا هو الذي تعلمناه، وهذا هو الصيام الحق. وأن الأذان هو الحد الفاصل للفجر بين الإفطار والصيام.
عندنا في مصر وفي دول إسلامية كثيرة الأخذ بمبدأ وقت للإمساك وهو قبل الفجر بعشرين دقيقة، حتى يتبين الناس بأن موعد الصيام قد قرب، فمن أراد أن يشرب فليشرب ومن أراد أن يأكل فليأكل وحين يسمع الأذان ينتهي الصائم من كل ذلك وأنه قد انتهي وقت الصيام بأذان المغرب.
الدكتور عبد المقصود باشا الأستاذ بجماعة الأزهر يقول، انه كثر في زماننا هذا مدعو الفقه والتفقه، وما هم بفقهاء، ولكن ما ينطقون به فيهقة وليس فقها يضلون أنفسهم ويضلون غيرهم، وهم أصحاب فكر ضال خرف، ويشهرون بين كل ثانية وأخرى وليس بين ساعة وساعة، وكأن جبريل عليه السلام قد عاود النزول فاختارهم ليلقي إليهم بما يريد الله بعد محمد علية الصلاة والسلام. هؤلاء الضالون المضلون لا علاج لهم إلا بما ذكره الله في قرآنه في سورة المائدة وهو قوله «إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله». إن فضائيات اليوم المتناثرة هنا وهناك الفاغرة أفواهها بأنياب ممتلئة بالسم رأينا وشاهدنا من يفتي بأن تدخين السجائر غير مفطر وأن القبلات بين الشباب والفتيات هو اللمم مستشهدين زورا بقول الله تعالى حسب فكرهم «الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم». وقد رأينا الجمعة الماضية من يدعى أبو بكر البغدادي يدخل الموصل فاتحا كما قال في سيارات مصفحة وبنادق ومدافع مصوبة، ويعلن من فوق المنبر تنصيب نفسه خليفة للمسلمين أو بالأحرى قل مصيبة للمسلمين».
الأزهر ليس عدو وزارة الثقافة
اما المعركة الثانية فستكون من نصيب وكيل الأزهر الدكتور الشيخ عباس شومان، الذي نشرت له «الأهرام» يوم الثلاثاء حديثا مطولا أجرته معه زميلتنا الجميلة مروة الشربيني، قال فيه ردا على الاتهامات الموجهة للأزهر بأنه يحارب الإبداع ويريد إقامة محكمة تفتيش للمبدعين: «الناس لا يفصلون بين إبداء الرأي الشرعي وبين المنع والمصادرة، فالأزهر ليس سلطة منع ولا نريد أن تكون ذلك حتى لا تتحول إلى دولة دينية، وإنما إبداء الرأي الشرعي وهذه لا ينازعها فيه أحد فعندما مثلا نقول، لا يجوز شرعا تجسيد الأنبياء في الأعمال الفنية فوزارة الثقافة هنا هي التي تمنع عرض الفيلم وليس الأزهر، ولكن البعض يريد أن يحجر على رأي الأزهر أو يلزمه بالموافقة، ولو سكت الأزهر فهذه كارثة، ونتمنى من الآخرين كما أن الأزهر منفتح عليهم أن ينفتحوا عليه ويفهموا أننا لا نطالبهم بأن يصبحوا أزهريين. وأؤكد أننا لسنا أعداء لوزارة الثقافة، فنحن أيضا مؤسسة مملوكة للدولة، ولكل منا دوره ويجب الفصل بينهما، ولكن مع استمرار التعاون وأكبر مثال على ترحيب الأزهر بالتعاون مع الجميع وأفضل تعاون هو ما يتم بيننا وبين الكنائس، فهو على أشده، وتعقد جلسات بيت العائلة في الأزهر والكنيسة، ووصلنا إلى مرحلة أن يخرج القساوسة في القوافل الدعوية التي تجوب المحافظات في رمضان وسيذهبون إلى النوادي ومراكز الشباب وأماكن التجمعات لعقد اللقاءات والمناقشات، فلا مانع من أن يسأل المسيحي علماء الأزهر أو العكس، فالأزهر منفتح على الجميع ولم يرفض لقاء أحد إلا غير المقبولين قانونيا».
إبراهيم عيسى: لننقذ
الإسلام من خلافة داعش
وتستمر المعارك بين إخواننا الإسلاميين لتمتد إلى قضية الخلافة التي تجددت الخلافات حولها، بعد الإعلان عن قيام دولة الخلافة في العراق والشام، والخليفة أبو بكر البغدادي، وهو ما أثار أعصاب زميلنا وصديقنا إبراهيم عيسى رئيس تحرير صحيفة «التحرير» فصاح يوم الثلاثاء قائلا:
«الخلافة نظام حكم اخترعه المسلمون بعد تآمر معاوية ضد علي بن أبي طالب، وهو نظام حكم نجح أحيانا وفشل كثيرا، والقبول به والسعي له ليس شرطا لإسلام أحد ولا فرضا من فروض الإسلام، والذين يعتقدون أن الخلافة فرض ديني هم الشيعة فقط. أي خلافة تلك التي يدعون إليها الناس ويذبحون لها الرؤوس ويمزقون بها الأوطان، الخلافة التي شهدت أول حرب أهلية في تاريخ الإسلام بحثا عن مقعد الحكم، حيث أقتتل مسلمو الخلافة في ما بينهم وقتل في معركة الجمل أكثر من عشرين ألفا، وفي صفين نحو ثلاثين ألفا. خلافة بين أمية أباحت أعراض نساء المدينة المنورة واغتصبوا في ثلاثة أيام ألف امرأة في واقعة الحرة. الخلافة التي ضربت الكعبة بالمنجنيق وحطمت أسوارها وصلبت فوقها جثث الرجال، خلافة بني أمية التي قتلت وذبحت حفيد النبي في كربلاء، الخلافة العباسية التي صار اسم أشهر خلفائها السفاح، واستكملت المذابح الجماعية للمعارضين والخصوم السياسيين وسقطت عواصمها أمام التتار والمغول، ولم تدافع عن القدس التي احتلها الصليبيون مئتي عام، بينما كانت المنابر تدعو للخلفاء.
الخلافة العثمانية التي علقت رأس بطل مثل طومان باي على باب زويلة واحتلت إنكلترا مصر أربعة وسبعين عاما وهي تابعة للخلافة الإسلامية، بل احتل الفرنسيون الجزائر وتونس والمغرب التي كانت تخضع للخلافة العثمانية لا تنسوا أيها الغافلون أن اتفاقية سايكس بيكو قسمت الأوطان العربية والخلافة موجودة والخليفة يمشي في مواكبه في الأستانة.
لننقذ الإسلام من خلافتهم التي يبدو أن مقرها في مقاطعة لانجلي في ولاية
فيرجينيا، حيث مبنى المخابرات المركزية الأمريكية».
وقت عودة الخلافة
الإسلامية لم يحن بعد
وقد نسي عيسى وهو يتحدث عن الخلافة العثمانية في مصر أنها تحالفت عام 1840 عسكريا مع إنكلترا وروسيا القيصرية وإمبراطورية النمسا والمجر ضد مصر، ودمروا أسطولها البحري. كما أن خليفة المسلمين العثماني أصدر منشورا يكفر فيه ثورة أحمد عرابي عام 1771 ضد الخديوي توفيق، ويؤيد احتلال إنكلترا لها، وهو نفس الأمر الذي فعله ضد الثورة المهدية في السودان وأيد احتلال إنكلترا له.
وفي جريدة «عقيدتي» الدينــــية وفي اليوم نفسه كتب زميلنا جمال سالم تحقيقا عن الخلافة قال في نهايته:»رغم الخلافات الجوهرية بين السنة والشيعة، إلا أنهما يلتقيان على فكرة عودة الخلافة، حيث يتصوران أن يتم تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بعودة الخلافة الإسلامية أو عصر الائمة المعصومين لنشر العدل والأمان وإعطاء كل ذي حق حقه، فلا يصلح الزمان ولا المكان إلا بالحكم الإسلامي.
ونؤكد أننا ككل المسلمين متأكدون من أن الخلافة ستعود، ولكن وقتها لم يحن بعد، في ظل الأوضاع المأساوية التي تعيشها هذه الأمة المتشرذمة. واخشى ما أخشاه أن يتآمر الغرب فيسمح بإقامة خلافة هزيلة مثلما تدعو إليه داعش، وندخل في بحور من الدماء، وما يجري على أرض الواقع خير دليل حيث أرخص دم هو الدم المسلم الذي لم يعد قاصرا على إراقته عن طريق أعداء المسلمين فحسب، بل انه للأسف الشديد بيد المسلمين.
فهل تقوم الخلافة على أيدي مسلمين لا يراعي بعضهم حرمة دم بعض ونسوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم، إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار، فقلت يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال انه كان حريصا على قتل صاحبه».
الجماعات الإرهابية لم تحرك
ساكنا تجاه العدوان الإسرائيلي
وما أن سمع زميلنا في «الأهرام» جميل عفيفي ذلك حتى قال في اليوم نفسه أيضا:»جاءت الغارات التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة لتثبت بالدليل القاطع أن الجماعات الإرهابية المنتشرة في الشرق الأوسط مثل، داعش وجبهة النصرة وأنصار بيت المقدس ونماذج أخرى عديدة تقاتل في العراق وسوريا الآن، أنها صنيعة غربية تسعى إلى القتال مع الجيوش العربية ولإثارة الذعر والفوضى في تلك الدول، من أجل تقسيمها بناء على مشروع الشرق الأوسط الجديد. ما يثير الدهشة والصـــــدمة أيضـــــا أن تلك العناصر الإرهابية الضالة التي تتحدث باسم الدين الإسلامي، وأنـــهم يبغون شرع الله وتطبيقه والدفاع عن الإسلام والمسلمين من الأعــــداء، لم يتحرك لهؤلاء الخونة ساكن، وهم يشاهدون الطائرات الإسرائــــيلية تقصف المدنيين العزل داخل غزة، بل لم يخرج علينا رجل رشيد من بينهم يهدد على استحياء الحكومة الإسرائيلية أو يدين عمليات القتل الوحشية.
الغريب في الأمر أن داعش أصدر بيانا يؤكد فيه أنهم لا يمكن أن يقاتلوا إسرائيل إلا بعد أن يقضوا على الخارجين على الدين الإسلامي الحنيف بتعاليمه، والشيعة وغيرهم وبعدها تتم محاربة أي دولة أخرى.
والحقيقة أن الولايات المتحدة وحلفاءها تأكدا أنهما لم يحققا أي مشروعات لتقسيم الشرق الأوسط بالتدخل العسكري، وذلك بعد الفشل الذريع الذي لحق بالقوات الأمريكية إبان احتلال العراق، من خلال تدمير الدول من الداخل مع دعم جماعات إرهابية وتزويدها بالعتاد اللازم من أجل تنفيذ المخطط الغربي وما يحدث في غزة الآن خير دليل على ذلك».
الروحانيات والدعاء مقابل الصواريخ الإسرائيلية
وأخيرا إلى أبرز ما نشر من تعليقات على العدوان الإسرائيلي الوحشي ضد أشقائنا في غزة، وكان أوله في «التحرير» يوم الاثنين للجميلة الدكتورة حنان بدري التي حللت رد فعل المصريين بقولها:»يفسر عجز العرب عن التحرك السياسي الحازم اللجوء إلى الروحانيات والدعاء على إسرائيل في مقابل دك غزة بأطنان القنابل المحرمة دوليا، ومنذ ثلاث سنوات اعتقدنا أن الثورة ستسفر عن نظام مصري أكثر قوة وصلابة أمام التحديات الإقليمية ليعمل له العالم ألف حساب، ولكننا وحتى نصبح أم الدنيا يبدو أننا سنعود إلى الشجب والإدانة وتقديم المساعدات الإنسانية في أضيق الحدود، وهي إستراتيجية معتادة قبل الثورة. لكن الجديد في هذه الآونة هو لوم حماس دون إسرائيل، ولهجة الشماتة وغياب التعاطف الإنساني لدى بعض المصريين الذي لم تتضح فجاجته إلا أمام تساقط مئات الضحايا جراء القصف الإسرائيلي الغاشم، لم تكن ملامح صورة الفلسطيني لدى الرأي العام المصري دائما وردية، بل محكومة بما يمكن تسميته بخطاب مصر أولا، بمعنى أن التعاطف مع الشقيق العربي يخفت إذا ما شعر المصريون أن مصلحتهم المباشرة في خطر، وحدث ذلك على سبيل المثال بعد كامب ديفيد، وتدهور العلاقات المصرية العربية لفترة، والآن يعاني سكان غزة تحديدا من صور ذهنية سلبية نتيجة ارتباط حماس بحكم الإخوان وإظهار الإعلام لهم كسبب لأزماتنا الداخلية كالوقود وتهريب السلاح».
غزة عبرة لكل عربي ومسلم
وإلى «أهرام» اليوم ذاته وزميلنا أشرف أبو الهول الخبير في شؤون غزة والقضية الفلسطينية عموما وقوله:»مرة أخرى وليست أخيرة يثبت قطاع غزة أنه مثال التلاحم والتكاتف وقت الأزمات، حيث يرفع الجميع شعارا واحدا هو لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وبالتالي تتحول غزة إلى عبرة لكل عربي ومسلم، فرغم الاختلافات السياسية العميقة بين فصائلها والولاءات العائلية والقبلية الشديدة فيها فإنه بمجرد انطلاق رصاصة من الاحتلال الإسرائيلي تجاه القطاع يصبح الجميع على قلب رجل واحد، فلا فتح ولا حماس ولا جبهة شعبية أو ديمقراطية او غيرها ولكن فلسطين وفلسطين فقط.
وعندما نتحدث عن غزة كعبرة فإننا نتذكر على النقيض ما حدث في العراق عند الغزو الأمريكي، عندما نجحت آلة الدعاية الغربية في الوقيعة بين أبناء البلد الواحد، وأقنعوا الشيعة أنهم جاءوا لتحريرهم من السيطرة السنية التي يمثلها نظام صدام حسين، فامتنعوا عن المقاومة وساعدوا قوات الاحتلال في تدمير بلدهم واعادتها للقرون الوسطى، وما زال الانقسام مستمرا حتى اليوم، بل أنه تحول إلى تقسيم جغرافي فعلي للعراق، إلى دويلات سنية وشيعية وكردية، والأمرنفسه ينطبق على سوريا، حيث نجحت آلة الحرب الغربية في تحويل الثورة الشعبية ضد نظام ديكتاتوري فاسد إلى حرب طائفية عنوانها الصراع السني الشيعي، ولكنها في الحقيقة تحولت إلى حرب بين جميع الطوائف، حيث لم تستثن علويين أو أكرادا أو سنة أو شيعة أو مسيحيين».
هل ضعف التعاطف المصري مع غزة حالة عابرة؟
ونظل في عدد «الأهرام» نفسه لنكون مع زميلنا وصديقنا الأديب الكبير يوسف القعيد وإحساسه بالحيرة من الموقف الشعبي وقوله عنه في مقال له:
«أشعر بحالة وهن في التعاطف المصري مع ما يجري في غزة، فهل هي حالة عابرة؟ أم أنها أدخلت في الاعتبار ممارسات الإخوان ضد أهل مصر؟ مع أن هذه الممارسات حالة طارئة انتهت بانتهاء حكم الإخوان، لكن الثوابت المؤكدة للشخصية المصرية أن انتماء مصر العربي يقوي مصر ويمنح العرب سندا هم في أشد الحاجة إليه، ولا يمكن للمتغيرات أن تبتلع الثوابت، فالثوابت جزء من الكيان المصري العام، في حين أن المتغيرات تذهب وتجيء وما ينتج عنها متغير أيضا بين يوم وليلة.
أعبر عن قلقي لحالة الضعف التي أصابت الإحساس القومي العربي لدى الشخصية المصرية، هل يعود ذلك إلى سبعينيات القرن الماضي ورحلة القدس المشؤومة، والصلح المنفرد بين من كانوا يحكمون مصر في ذلك الوقت البعيد والعدو الصهيوني؟ هل السبب في وهن الحلم القومي العربي بسبب التأثيرات الأوروبية والأمريكية التي تهدف لنزع مصر من إطارها العربي؟ مرة بالقول بأفريقيتها وثانيا بآسيويتها وثالثة بمقولة انها جزء من العالم الثالث، أم أن صعود الإسلام السياسي في مصر جعل من الإسلام بديلا للقومية العربية؟ مع أن الإسلام دين ولذلك فهو من الثوابت، في حين أن الحس القومي العربي أو الحلم القومي العربي من متغيرات كل يوم يصعد ثم يهبط يروح ثم يجيء» .
كيف نساوي بين المحتل والواقع تحت الاحتلال؟
وعن هذه التساؤلات عبر في اليوم التالي الثلاثاء صديقنا مستشار جريدة «الكرامة» الناصرية أمين اسكندر ليقول في مقاله في «المصري اليوم»:
«من العار والمشين أن يخرج بيان الخارجية المصرية يتحدث عن عنف متبادل بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني في غزة، كيف نساوي بين المحتل والواقع تحت الاحتلال، وهكذا تعود مصر عبر تلك الرؤية الفاسدة للعب دور المحايد في الصراع العربي الصهيوني، ويستمر انكشاف الدور المصري الذي تسبب فيه السادات واستمر فيه مبارك ومحمد مرسي ومن بعدهما عبد الفتاح السيسي، وما زالت الانكشافات تتوالى على الصعيد الداخلي، حيث تطل علينا دعوات بناء الوطن من الحسنات والإعلانات والتبرعات، وعلى الصعيد الخارجي، فالدور المصري ما زال في طريقه المرسوم، رغم كل التزييف والدعاية وقلب الحقائق التي تروج تحت زعم أن هناك مشروعا جديدا سوف تكشف عنه الأيام القادمة، وهي في تحليلي من السراب».
فهمي هويدي: غزة عانت
من ظلم الأشقاء وتجريحهم
وإذا كان أحد كبار الناصريين يقول ذلك فما الذي نتوقعه من زميلنا الكاتب الإسلامي الكبير فهمي هويدي أن يقوله في اليوم نفسه في «الشروق»؟ قال:
«غزة القطاع المحاصر والمنهك قدر لها أن تحمل وحدها العبء الذي تخلت عنه الأنظمة العربية بكل هيلمانها وحشودها العسكرية وثرائها. نهضت غزة بدور الرؤية العربية الصائبة والضمير العربي الذي لم يمت، وإذ يقدر الدور الذي قامت به حماس في غزة إلا أن ذلك لا ينبغي أن يحجب أدوارا ليست أقل أهمية، لفصائل أخرى تتقدمها حركة الجهاد والجبهة الشعبية، فضلا عن مناضلين آخرين لا حصر لهم. غزة ظلت طول الوقت قابضة على الرؤية الصحيحة مدركة أن العدو الحقيقي هو إسرائيل والإرهاب الحقيقي يمثله الاحتلال، وأن السلام الحقيقي لن يتحقق إلا بزوال الاحتلال، ولأنها امتلكت تلك الرؤية فإنها تعرضت للحصار والاجتياح والتجويع والتدمير، إلى جانب مختلف صور الاجتثاث والإبادة، ولم تعان من فحش الاعتداء فحسب، وإنما عانت أيضا من ظلم الأشقاء وتجريحهم، ورغم حفاوتنا بأداء المقاومة الفلسطينية، إلا أن موقف الأنظمة العربية بدا مخزيا ومخجلا فقد خرجت المظاهرات في العديد من عواصم العالم، ووحده العالم العربي ظل صامتا ومتفرجا، وتسابق كثيرون على الإغاثة وتقديم العون، إلا أن نقاباتنا المهنية التي كانت تقوم بذلك الدور في مصر شاركت بدورها في موقف الصمت والفرجة.
ولم يكن ذلك أسوأ ما في الأمر، لأن الأسوأ تمثل في أن هذه التجليات المحزنة كانت صدى لتوجهات سياسية معينة لم تكن معبرة لا عن مصر التي نعرفها ولا عن مصر التي نتمناها، الأمر الذي يشككنا في أن تكون أم الدنيا قد استقالت من دورها التاريخي. اننا لا نتكلم عن حرب ومشاركة في إطلاق الصواريخ ولكن أحلامنا تواضعت بحيث ما عدنا نطمح في أكثر من رؤية رشيدة تميز بين العدو التاريخي وبين الشقيق المختلف، ومن موقف شريف يحفظ ماء وجوهنا وينتشلنا من بحر الخجل».
كيف ننتصر على العدو ونحن
منشغلون بالقضاء على أنفسنا؟
ونختم جولتنا لهذا اليوم مع تساؤل رئيس تحرير «الشروق» عماد الدين حسين يوم امس الاربعاء عن متى يطالبنا العالم بضبط النفس يقول:»تاريخ الصراع العربي الصهيوني هو تاريخ العدوان من جانب واحد تقريبا.. طرف يبادر ويضرب وآخر يشكو ويبكي، أما ما يسمى بالمجتمع الدولي فهو خرافة. فىيكل مرة تبدأ إسرائيل العدوان وبعد أن تحقق أهدافها الرئيسية يتحرك هذا المجتمع الدولي على استحياء، ويطالب إسرائيل بمصطلح غريب عجيب اسمه «ضبط النفس»، من دون أن يشرحوا لنا معناه المحدد.
صارت إحدى أمنياتي أن ينقلب العالم ونصير نحن العرب أقوياء ونتجبر على إسرائيل، وتبدأ هي في الصراخ والاستجداء، ويطالبنا العالم بضبط النفس. نتحدث كثيرا ونقول إن العالم لا يفهم ولا يحترم غير لغة القوة، لكننا لا نطبقها على صراعنا مع هذا العدو الصهيوني، الذي يمثل أبغض احتلال عرفه التاريخ. من دون أن نمتلك أسباب القوة الشاملة، فلن نتغلب على إسرائيل، ولن نستعيد حقوقنا….
إذا كنا جادين فى مواجهة إسرائيل فعلينا أن نعيد النظر فى كثير من البديهيات السابقة المتعلقة بآلية إدارة الصراع. بهذه الطريقة الراهنة فلن ننتصر على إسرائيل، ولو استمر الصراع مليون سنة.
حالنا كان أفضل كثيرا قبل عشر وعشرين وثلاثين سنة، ولم نتمكن من الانتصار أو حتى وقف تمدد الاحتلال.. فما الذي يجعلنا نفكر في الانتصار هذه المرة أو المرة القادمة.
نتمنى بطبيعة الحال أن تحدث معجزة كونية تزيل الاحتلال الصهيوني من الوجود، لكن وبما أن زمن المعجزات انتهى، فإن السؤال الجوهري الذي ينبغى أن يسأله الحالمون هو: كيف ننتصر على العدو ونحن منشغلون بالقضاء على أنفسنا؟
كيف ننتصر على إسرائيل ومن يطلقون على أنفسهم «مجاهدين في سيناء» يقتلون الأطفال والمدنيين والعسكريين في سيناء بدلا من التوجه إلى غزة ومقاتلة العدو الأصلي؟ كيف ننتصر على إسرائيل وحماس انشغلت كثيرا بنصرة جماعة الإخوان في مصر على حساب بقية الشعب المصري؟!
كيف ننتصر على العدو وحركتا فتح وحماس غير قادرتين على إنجاز المصالحة الفعلية، حتى هذه اللحظة أو حتى الاتفاق على آلية فتح معبر رفح؟ كيف ننتصر على العدو وهناك حرب طائفية في سوريا ومثلها في العراق، وآثار هذه وتلك تشغل لبنان والأردن عن أي شيء آخر؟
كيف ننتصر على العدو ومنطقة الخليج منشغلة بالتربص الإيراني أو تخشى انتقال الرياح الطائفية إليها؟
يا أيها الحالمون أفيقوا.. إسرائيل تعيش أسعد لحظاتها منذ زرعها عنوة في المنطقة عام 1948، وصار بعض العرب يحققون لها مجانا ما كانت لتدفع مقابله تريليونات الدولارات وأرواح آلاف الجنود.
لن ننتصر على إسرائيل قبل أن ننتصر على أنفسنا أولا، وعلى طائفيتنا وعلى مرضنا وتخلفنا وجهلنا».
حسنين كروم: