غالباً ما يواجه الفيلم السياسي الكثير من العواصف بحكم الموضوع والرؤية والرأي، خاصة إذا كان هذا الرأي يحمل نبرة المعارضة الحادة، وفي كل مرة يحتد فيها النقاش وتضيق الدائرة على المخرج أو كاتب السيناريو، تتحول المعاني فجأة إلى تفاصيل إنسانية، فيزعم من تجاسر وأعلن رأياً معارضاً أن ما عرضه على الشاشة كان حالة إنسانية، وأن ما تصورنا أنه سياسة هو مجرد تأويل يخص صاحبه ولا يخص الفيلم.
حدث ذلك في أفلام كثيرة، ولكنه كان أكثر وضوحاً في فيلم «اشتباك» للكاتب خالد دياب وشقيقة المخرج محمد دياب، ووجه الغرابة في حالة الانسحاب والقهقرة، وإنكار كل ما وشت به الصورة والحوار، وتضمنته الأحداث، أنه جاء سريعاً للغاية، ففي الوقت الذي تتبارى فيه الأقلام بين مؤيد ومعارض، ويسافر الفيلم من عاصمة إلى عاصمة ومن مهرجان إلى مهرجان، يشعر صناعه بالخطر، كما يشعرون بالسعادة وبناء عليه تتغير الأقوال والتفسيرات، بما يضمن لهم الخروج الآمن من المأزق الذي وضعوا أنفسهم فيه، بادعاء البطولة والاجتراء على الحقيقة لمجرد الإثارة.
لقد عرض الفيلم مؤخراً ضمن مجموعة أفلام مهمة خلال فعاليات مهرجان جمعية الفيلم، وهو المهرجان الأهم والأقدم تاريخياً، ومن ثم تجدد النقاش حوله ووقف مخرجه ينفي اشتباكه مع القضايا السياسية، مصراً أنه حالة إنسانية بامتياز، مقطوعة الصلة بأي أبعاد سياسية، علماً بأن كل مشهد من مشاهد الفيلم ينطق بما ينفيه المخرج صاحب الجوائز، فالأحداث تدور داخل عربة ترحيلات من عربات الأمن المركزي تتجمع فيها كافة أطياف المجتمع المصري، من اليسار واليمين وغير المنتمين للتيارات السياسية، وهي إشارة واضحة للسجن العمومي الذي تعيش فيه مصر منذ 25 يناير/كانون الثاني وحتى تاريخ الإنتاج، ناهيك عن بعض التفصيلات الدقيقة التي يدين فيها الفيلم رجال الأمن المركزي دون مواربة، حيث في لحظات الاحتدام والاشتباك المسلح يسقط اثنان على الأرض، أحدهما من الشرطة والآخر من المدنيين فيتم إسعاف رجل الشرطة، بينما يظل المدني غارقاً في دمه، هذا المشهد الدلالي لا يمكن أن يكون قد تم تصويره بالصدفة، أو أن يكون دالاً على حالة إنسانية كما يدعي المخرج.
ليس هذا فحسب فهناك العديد من المشاهد التي تعكس قصد الهجوم المباشر على العنصر الأمني، كما ورد في السياقات المختلفة مثل إغلاق سيارة الترحيلات على المحتجزين من قبل جندي الأمن المركزي وبينهم سيدة لعبت دورها نيللي كريم، تلك التي حشرت حشراً في العربة، وفي الأحداث بلا أدنى ضرورة درامية، غير الإمعان في التأثير السلبي، فضلاً عن وجود طفل صغير (حدث) تحت مستوى المساءلة القانونية، ويزيد على ذلك حبس مراسل صحافي لإحدى الصحف الأجنبية ضمن المجموعة المحتجزة، في تورية صريحة لمصادرة حرية الصحافة والإعلام دون اكتراث من مجموعة الضباط الذين يفترشون الأرض خارج السيارة، جالسين على شكل دائرة يأكلون ويشربون غير مبالين بمن يتضورون جوعاً وعطشاً، ويعانون من الجو الخانق داخل السيارة الضيقة التي يضطرون إلى قضاء حاجتهم فيها.
هذه بعض المشاهد الهدف من سردها ليس الدفاع عن وزارة الداخلية ورجالها وتبرئتهما مما ينسبه إليهما المخرج وكاتب السيناريو، ولكن فقط توضيح للصورة الكلية العامة المستخلص منها المعنى، بعيداً عن مسألة الإدانة لصناع الفيلم، فهم أحرار في ما يطرحونه، ولكنهم ليسوا أحراراً فيما ينكرونه، وهذا مربط الفرس في ما نختلف عليه، مع التسليم بقوة الفيلم وتميزه الفني الشديد في كافة عناصر التشويق والإثارة، من التصوير والإضاءة واللوكيشن الذي يذكرنا بفيلم المخرج الراحل صلاح أبو سيف، بين السماء والأرض، الذي قدم نموذجا يحتذي في فن الإخراج السينمائي، وتجميع عناصر بشرية مختلفة بمشاكل متنوعة وهموم متفاوتة المستويات والدرجات بشكل بالغ التفوق والمتعة الفنية.
لقد برع المخرج محمد دياب في وضع التكوين المجتمعي كما تصوره في رقعة ضيقة للغاية، ليعطي المعنى المراد من حالة القمع والتضييق على الحريات العامة والشخصية، واستخدم كل المؤثرات المطلوبة بعناية متناهية، فنجح في توصيل الرسالة التي أرادها، بغض النظر عن اختلافنا واتفاقنا معه، ولم ينس أن يعطي للرؤية السينمائية عمقها السياسي، على ضوء ما يعتقده بتضمينه شعار الجيش والشعب يد واحدة، على نحو تهكمي، وأيضاً بتكراره الجملة التي اختتم بها الفيلم «هو ده هو ده هو ده» في خلفية الأحداث، مؤكداً على وجود عنصر مجهول كانت له اليد الطولى في كل ما حدث خلال أيام الثورة، وهي إشارة يعرف وحده ماذا يقصد بها، فالمعنى في بطن المخرج طالما أنه لم يكشف عن السر وظل مكتفياً بالرمز والتورية.
٭ كاتب مصري
كمال القاضي