اعترافات مهولة تلك التي أدلى بها النائب السابق لرئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية والمفوض السابق بتسيير شؤون الوكالة مايكل موريل على قناة MSNBC في التاسع عشر من مايو/أيار المنصرم. اعترافات من رجل شغل بالإضافة إلى منصبه الإداري الرفيع في المخابرات الأمريكية لسنوات طويلة، منصب مسؤول الملخصات الاستخباراتية، التي يتم تقديمها إلى رئيس الولايات المتحدة، وضابط الاتصال المسؤول عن تقديمها بشكل شخصي ومباشر إلى ذلك الأخير في عهد الرئيس جورج بوش الابن. والجوهر الحرفي لتلك الاعترافات هو إقرار المعترف بأن الرئيس جورج بوش ونائبه ديك تشيني آنذاك، كانا قد كذبا على الشعب الأمريكي وعلى العالم، بتقديم معلومات لا أساس لها عن معلومات استخباراتية موجودة لدى المخابرات الأمريكية، تؤكد قيام نظام صدام حسين بتطوير برنامج تصنيع عسكري سري لامتلاك أسلحة نووية، التي أكد المعترف بلغة واضحة لا تقبل اللبس أو التأويل بعدم وجود أي معلومات من ذلك القبيل، وأن الذريعة التي استندت إليها الولايات المتحدة في غزوها للعراق عام 2003 هي عبارة عن أكذوبة كبيرة لتبرير احتلال وتهشيم العراق، وما أدى إليه من مفاعيل لا زال العرب جميعهم يدفعون ثمنها وسوف يستمرون في ذلك لأجل غير محدود.
لم يكن احتلال العراق درءاً لخطر انتشار الأسلحة النووية، فتلك الإدارة الأمريكية الراهنة ولسان رئيسها الحالي أوباما يؤكدان على أن تمكن إيران من تصنيع سلاح نووي في نهاية المطاف، لا يعني أنها سوف تجاري الولايات المتحدة وحلفاءها الاستراتيجيين في المنطقة، في سياق حديثه عن التهديد الإيراني المحتمل نظرياً لإسرائيل، فلا يمكن لها الوصول إلى الإمكانيات التقنية واللوجستية الهائلة لدى الولايات المتحدة، التي تمكنها من التعامل مع أي تقانة نووية بدائية قد تستحوذ إيران عليها في المستقبل.
لقد كان احتلال العراق محاولة لاستنساخ تاريخ الاستعمار المباشر، وفق النموذج الكولونيالي الفج ،على طريقة المستعمرين الفرنسيين والإنكليز في مطلع القرن العشرين، عقب خيانتهم للشريف حسين ومن والاه في الثورة العربية الكبرى، وما تلاها من اتفاقيات سايكس بيكو واقتسام أرض العرب بين مستعمريها. لقد كان استعماراً صرفاً يطمح إلى تحقيق سيطرة مباشرة على 115 مليون برميل من النفط، تمثل خامس أكبر احتياطي نفط في الكرة الأرضية، وبقيمة سوقية تقارب ترليون دولار سنوياً، في حال تمكن العراق من إنتاج النفط بطاقته الكاملة. وحينما لم يفلح مشروع الاستعمار المباشر لرفض الشعب العراقي بكل مكوناته له، تم اتخاذ القرار بتهشيم العراق، بإذكاء الصراعات المذهبية والطائفية فيه، التي تجلت بشكل واضح في مشروع تقسيم العراق، الذي طرحه نائب الرئيس الأمريكي الحالي جوزيف بايدن عام 2007، والذي سماه استراتيجية النصر الأمريكي آنذاك. وحينما لم يفلح ذلك الأخير قرر الأمريكيون القبول بأن العراق لقمة عسيرة الهضم، لابد من تقيؤها، وتركها فريسة سهلة لكل من يريد النهش فيها، سواء كانت إيران أو نوري المالكي، أو الحشد الشعبي، أو الشوك الداعشي، على اختلاف إخراجاتها الهمجية أو الأكثر تنميقاً منها.
لقد خرج العراق عقب حرب السنوات الثماني مع إيران، التي باركتها الولايات المتحدة مالياً وعسكرياً وسياسياً، بمقدرات بشرية وإمكانيات تصنيعية هائلة. نعم لم يكن قادراً على تصنيع سلاح نووي، ولكنه كان قادراً على توطين البنية التحتية التقانية والبشرية اللازمة والمفتقدة في كل الدول العربية، التي قد تمكنها من التحرر من بؤس كونها اقتصادات ريعية بشكل شبه مطلق، معتمدة على إنتاج النفط فقط، إلى اقتصادات إنتاجية تصنيعية يمكن لها أن تحقق اكتفاءً ذاتياً في حال تمكنها من الثبات في ذلك السياق. وعلى الرغم من أن العراق كان محكوماً من مستبد سفاح، ولكنه لم يكن سارقاً فجاً، ومهرباً رخيصاً لأموال شعبه للخارج، كما فعل ويفعل غيره من أقانيم الاستبداد العربي، وإنما عمل وفق رؤيته الشمولية على تكوين بنيات وطنية يمكن لها أن تشكل الأرضية لمجتمع إنتاجي متقدم في المستقبل، يمكن أن يخرج من قمقمه مارداً عربياً في حال تمكن من التخلص من آسره ومستبده في وقت ما. وإذا كان لذلك التصور الأخير أن يتم في وقت وظرف ما، فهو سوف يشخص خطراً وجودياً يهدد بوجود كيان عربي مستقل يمكن له أن ينفك من أسر التبعية الكليانية للإدارة الأمريكية، ويحرمها من التحكم بنفطه، والأهم من ذلك كله أنه يهدد استمرار التفوق المطلق للكيان الصهيوني، إنتاجياً واقتصادياً وعسكرياً، على امتداد جغرافيا منطقة الشرق الأوسط، بالشكل الذي يراد له أن يكون عليه حسب الرؤية الأمريكية، ولذلك كان لابد من استباق أي احتمالات جنينية لتحقيق تلك الممكنات ومآلاتها باحتلال العراق بشكل مباشر لعلة امتلاك أسلحة التدمير الشامل أو غيرها من الاختلاقات التي عراها مايكل موريل.
خلاصة القول إن لب المأساة التي لازال العرب يعيشونها مذ خانهم شركاؤهم في الحرب العالمية الأولى، الذين أضحوا مستعمريهم لاحقاً، هي أنه سوف يبقى النفط والجغرافيا لعنتين مقيمتين في الأرض العربية إلى أن يغير العرب أحوالهم بأيديهم وأنفسهم.
٭ كاتب سوري مقيم في لندن
د. مصعب قاسم عزاوي