افتتاح « باهت» لمهرجان القاهرة السينمائي: أخطاء الدورة الأولى بعد التوقف

حجم الخط
0

القاهرة – «القدس العربي»: ستة عشر مليونا من الجنيهات المصرية هي حصيلة الميزانية الكلية لمهرجان القاهرة السينمائي والتي تم التبرع بها من وزارة الثقافة وساهمت فيها وزارة السياحة وبعض الوزارات الأخرى. هذا المبلغ كان كافيا لخروج المهرجان الدولي في الصورة اللائقة، ولكن ملامح حفل الافتتاح الفقير أعطت انطباعا يوحي أن الأزمة لم تكن في الإمكانيات المادية كما أشيع ولكن شيئا من روح المهرجان قد فقد ربما عدم الحماس للحضور والمشاركة أو الانشغال بما هو أهم أو لعلها حالة الحزن التي تخيم على الأجواء العامة فتحول دون التفاعل والإحساس بالبهجة.
150 فيلما من 50 دولة تشارك هذا العام ومع ذلك لا تجد لذلك صدى يذكر اللهم لدى المستفيدين إستفادة مباشرة من الموسم السنوي الكبير، حيث تطبع الإصدارات وتقام الندوات وتدفع البدلات والحوافز والمكافآت على شرف السينما المصرية التي هي نفسها أزمة طاحنة والدليل أنها غير ممثلة في مهرجانها وعلى أرضها سوى في فيلم يتيم في المسابقة الرسمية هو «باب الوداع » وكأن العنوان ينذر بقرب نهاية الصناعة الذهبية دون شعور حقيقي بالمسؤولية والإنشغال بإحداث ظواهر وأجواء كرنفالية تقام فقط للحفاظ على أول مهرجان عربي في المنطقة، وهذا في حد ذاته كارثة كبرى أن يكون بقاء المهرجان السينمائي العريق على قيد الحياة أهم أمانينا بينما الثورة القومية ذاتها ذاهبة في خبر كان.
لا يزال القائمون على رئاسة المهرجان برغم تعددهم وتناوبهم يعوضون بالبهرجة والزينة والصخب النقص الحقيقي في معدلات الإنتاج وقلة دور العرض والنوعية الشكلية والموضوعية التي صارت مزرية ومخجلة، فمن بين عشرات الأفلام الروائية الطويلة تستطيع بالكاد الخروج بفيلم جيد يصلح للتمثيل في المهرجانات ولهذا كان اللجوء للتركيز على الأفلام التسجيلية والقصيرة هو الوسيلة السهلة لملء الفراغ، ومن ثم تم دمج هذه النوعية السينمائية غير التجارية مع الأفلام الكبرى المنوط بها حفظ توازن البورصة الإنتاجية من الهبوط وخصصت لها الجوائز علما بأن هناك مهرجانين الإسماعيلية والسينما المصرية، مخصصان لعرض الأفلام القصيرة والتسجيلية ويمنحان أيضا الجوائز.
الملاحظ من تعدد المحاور والاختصاصات ومحاولة إكساب الجوائز مسميات كبرى هو الإفلاس وعدم القدرة على التوفيق بين القدرة الحقيقية للمهرجان وما يدنو إليه أو ما يجب أن يكون عليه، فالناقد الكبير سمير فريد وهو صاحب تجربة عريضة وتاريخية في مجال المهرجانات المحلية والدولية أراد أن يبدأ بداية قوية في ظروف غير مواتية فخانه التقدير، حيث أسرف في التكريمات والإصدارات والمطبوعات وهي أشكال رمزية للاحتفال فكان ذلك على حساب الجوهر ولو أنه فعل مثلما كان يفعل سعد الدين وهبة ودعا نجما أو نجمين كبيرين للحضور لكان قد حقق الدعاية السياحية المطلوبة وأعطى للمهرجان المصري الكبير زخما ووهجا بعد توقف دام دورتين كاملتين.
يتعلل فريد في هذا الشأن بمغالاة نجوم هوليوود الخاصة بالترتيبات والإقامة وغيرها وهذا صحيح إلى حد كبير لكنه كان بوسعه أن يحل المشكلة بشكل مختلف ويدعو نجوما آخرين ويتذكر ما فعله أيضا سعد وهبة حين أتى بالنجم الهندي الكبير أميتبتشان عام 191 في دورة كانت هي الأميز في تاريخ المهرجان كله. برغم أن الإمكانيات المادية لم تكن أفضل مما هي عليه الآن غير أن رئيس المهرجان فطن إلى ضرورة الإتكاء على أسماء النجوم ذات الشعبية الكبرى فكان اختياره للنجم الهندي الكبير موفقا وداعما ومؤثرا على المستوى الدعائي والترويجي للنشاط الثقافي المصري الأهم.
أن تتولى يسرا مسؤولية رئاسة لجنة التحكيم لأفلام المسابقة الدولية فهذا جائز محليا على اعتبار أنه تدريب لنجومنا ونجماتنا ليكونوا مؤهلين للقيام بذات الدور حال الإستعانة بهم في مهرجانات عربية أو أوروبية، أما أن تمارس يسرا أو ليلى علوي أو غيرهما هذا الدور في مهرجان مصري، فهذا يقلل من الإنطباع بعالمية المهرجان ويعطيه طابعا محليا ويشكك في مصداقية الجوائز ويعزز فكرة الإنحياز للأفلام المصرية والعربية على حساب الأخرى، ناهيك عن قدرة يسرا أو ليلى في الحكم على المستويات الفنية والتقنية في تقديري أن هذا الاختيار والتنصيب هو شرفي أكثر منه موضوعي.
نأتي إلى فيلم الافتتاح والتقليد الجديد في عرضه في اليوم التالي لمراسم الافتتاح وهو ما يتعارض مع المسمى نفسه، إذ كيف يكون فيلما للافتتاح ويعرض في يوم آخر ومختلف وأقل حضورا وحفاوة؟ بالطبع جدير بالذكر أن الفيلم المعني هو «القطع» للمخرج الألماني التركي فاتح أكين وهو يتناول جانبا من الحرب العالمية الثانية ويرصد إنهيار الإمبراطورية العثمانية في الفترة ما بين 1915 – 1923 كما يتعرض لمذبحة الأرمن الشهيرة التي جرت وقائعها عام 1915 ويلعب فيه دور البطولة النجم الفرنسي الجزائري طاهر رحيم.
لقد فوتت الإدارة الذكية للمهرجان على الفيلم فرصة استحقاق الإحتفاء والتكريم والمشاهدة على نطاق أوسع.

كمال القاضي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية