اقتراب الجزائر من الأزمة الليبية وحيادها يؤهلانها لقيادة قاطرة الحل

حجم الخط
1

الجزائر ـ «القدس العربي»: بدأت الجزائر تأخذ دورا متناميا في الأزمة الليبية، رغم أنها نأت بنفسها منذ البداية عن هذه الأزمة، عملا بمبدأ الحياد وعدم التدخل في شؤون الغير. لكن نيران الأزمة الليبية لحقتها، ولهيبها يتطاير نحو الداخل الجزائري، فجربت أولا التحرك في إطار أممي وغطاء دولي، لكن ذلك لم يكن كفيلا بحلحلة الأزمة، فبدأت تتحرك في اتجاه أقل اتساعا للاقتراب من الأزمة الليبية وأطرافها المتعددة.
عند اندلاع الثورة الليبية على نظام معمر القذافي تريثت الجزائر، ولم تلتحق بركب المطالبين بإسقاط العقيد، رغم أن كل المعطيات كانت تقول إن أيام صاحب الكتاب الأخضر على رأس ليبيا أضحت معدودة، لكنها فضلت الحياد، الأمر الذي فسره «الثوار» على أنه انحياز للقذافي، رغم أن الجزائر عانت الكثير من شطحاته، لكن ما كانت تخشاه هو الفوضى وانتقال الشرارة إلى المنطقة بأسرها، وبالتالي تعريض أمنها للخطر. وتدهورت العلاقات بين السلطات الجزائرية ومن أعلنوا الحرب على القذافي، والذين راحوا يكيلون التهم إلى الجزائر، مؤكدين تارة أن سلطاتها أرسلت مرتزقة لدعم القذافي، وأخرى أنها أخفته داخل ترابها، واستمر التوتر حتى سقط نظام العقيد، واستولى «الثوار» على السلطة، دون أن يستطيعوا اثبات مزاعمهم واتهاماتهم الباطلة ضد الجزائر، وأدركوا بسرعة أنه لا مناص من إصلاح ما أفسدوه مع السلطات الجزائرية، وبدأت الزيارات من أعضاء المجلس الانتقالي إلى الجزائر، لمسح التوتر وفتح صفحة جديدة.
تدهور الأوضاع في ليبيا ما بعد القذافي عزز شكوك الجزائر، وأقحمها في الجهود المبذولة هنا وهناك من أجل إيجاد حل سياسي، بعد اندلاع صراع بين مختلف الأطراف التي أضحت تشكل المعادلة السياسية والعسكرية والأمنية في ليبيا، فاستضافت أول جلسات الحوار بين الأطراف السياسية، برعاية الأمم المتحدة، بالموازاة مع الحوار الذي كان دائرا في الصخيرات في المغرب، ورغم التوصل إلى اتفاق، إلا أنه اصطدم بصعوبة تطبيقه، ورغبة الكثير من الأطراف تعديله، الأمر الذي جعله يسقط، ودفع الجزائر للاقتراب أكثر من الأزمة الليبية.
بعد أن ثبت أن الجهود الدولية ستستغرق وقتا طويلا لتثمر حلا للأزمة الليبية شرعت الجزائر في التحرك بمفردها من أجل الاقتراب من أطراف النزاع في ليبيا، وبدأت في استقبال كل الأطراف السياسية والعسكرية، وحتى ممثلي القبائل، بمن فيهم اللواء خليفة حفتر، فضلا عن فايز السراج الذي زار الجزائر أكثر من مرة، وعقيلة صالح رئيس البرلمان كان أيضا ممن زاروها، بل إن عبد القادر مساهل وزير الخارجية الحالي الذي كان يشغل منصب وزير الشؤون المغاربية زار ليبيا، وذهب إلى بن غازي ومصراتة، والتقى مع الكثير من المسؤولين ومع ممثلي القبائل.
كما استضافت الجزائر قبل أيام اجتماعا وزاريا لدول الجوار خصص للأزمة الليبية خصص لدراسة تطورات الوضع الليبي، والبحث عن الطريقة التي يمكن بها إقناع أطراف النزاع كافة بالجلوس إلى طاولة الحوار.
ويرى المحلل السياسي كمال منصاري أن الجزائر اتخذت موقفا محايدا من الأزمة الليبية منذ البداية، ووقفت على مسافة واحدة من كل الأطراف، سواء من حكومة فايز السراج المعترف بها دوليا، أو المشير خليفة حفتر المدعم من قبل برلمان طبرق الشرعي، حفتر الذي قاد عملية البناء المرصوص للقضاء على الإرهاب، الذي تسانده كل من مصر والإمارات، خلافا للجزائر التي لم تتخذ أي موقف إلى جانب أي طرف من الأطراف. فاللقاء الذي استضافته الجزائر، يدخل في إطار دور الوسيط الذي تريد أن تلعبه، لدفع كل الأطراف السياسية وغير السياسية للجلوس إلى طاولة الحوار. وأضاف منصاري أن الجزائر تدعو إلى مصالحة بين الليبيين تفضي إلى الحوار، مشيرا إلى أن إطلاق سراح سيف الإسلام القذافي يدخل ربما في إطار ترتيبات مستقبلية.
واعتبر أن الجزائر ليست في حاجة إلى أن تتقدم بمبادرة، لكن موقعها يؤهلها لأن تكون على رأس الدول التي ترافق الليبيين في حل أزمتهم، لأن الحل يجب أن يكون ليبيا وبين الليبيين دون تدخلات خارجية، وخاصة العسكرية منها، وهذا ما تدعو إليه الجزائر منذ البداية، مشددا على أنه يجب على الأمم المتحدة والقوى العظمى أن تضمن عدم تدفق السلاح على ليبيا، وتقوية مكانة مارتن كوبلر المبعوث الأممي للأزمة الليبية، وتعمل على منع بعض الدول من تأجيج نار الفتنة بين الليبيين.
وذكر المتحدث ذاته أن عبد القادر مساهل وزير الخارجية ذهب إلى بن غازي ومصراتة للتواصل مع رؤساء القبائل، لأنه يعرف أن دور القبائل مهم جدا، على اعتبار أن ليبيا دولة قبلية في الدرجة الأولى، والجزائر تركز كثيرا على هذا العامل، كما أن حكومة فايز السراج وبرلمان طبرق مدعومين من القبائل، والجزائر قادرة على لعب دور معهم، ولديها سمعة طيبة عندهم، ويمكنها أن تكون القاطرة التي تقود حل الأزمة الليبية.

اقتراب الجزائر من الأزمة الليبية وحيادها يؤهلانها لقيادة قاطرة الحل
تقف على المسافة نفسها من كل أطراف النزاع
كمال زايت

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية