حضرت ثنائية الأنا والآخر بقوة في فكر النهضة، واعتُبرت موقعا للرؤية، وتحليل الوضع التاريخي العربي، الذي أدرك خلله الحضاري، عندما وصلته مظاهر عصر الأنوار، وثقافة النهضة الأوروبية.
عكست ثنائية الأنا والآخر، من خلال التصورات التي صيغت حولها، طبيعة التفكير في إستراتيجية تجاوز التخلف، التي ركزت- أكثر- على الآخر، ومرجعية هويته، وصفته السياسية الإيديولوجية، أكثر من تحليل «الأنا»، التي حين اختُزلت في حالة التخلف، استُبعدت من الانشغال الثقافي- التاريخي، أو حين استُحضرت، حضرت من خلال قيمتها في الماضي، مما نتج عنه، خطابُ إحياءِ الحضورِ المُضيء للأنا في الماضي.
استحوذ الآخر على الاهتمام، سواء باعتبار قيمته الحضارية، التي تقدم نموذجا ملموسا للنهضة العلمية والاقتصادية والسياسية، التي من الممكن الاحتذاء بها لتجاوز التخلف، أو الانشغال بالآخر، باعتباره سبب التخلف والتراجع الحضاري، خاصة عندما تحول إلى مُستعمِر للأوطان، ومُغتصب للأراضي، ومُستلب للاستقرار التاريخي.
ولذا، فقد تم التعامل مع الآخر، وفق هذه الثنائية بصيغتين متناقضتين، عكستا موقف الفكر العربي المزدوج من سؤال النهضة، الذي تمثل في تصور رافض للآخر لكونه مُستعمرا، وتصور يُدعم إيجابية الآخر، من باب الانبهار به وبحضارته، مع وجود تصور ثالث يقف بين الرأيين، عبر إمكانية استثمار جوانب القوة من كل عنصر على حدة، غير أنه لم يُهيمن في مستوى التفكير الذي انشغل بالآخر، وحدد هويته ضمن توصيفات عديدة جعلت منه كافرا وعدوا وأجنبيا وغريبا ثم مُستعمرا ومُستوطنا. يحمل كل تحديد للآخر شكل الوعي بمفهوم الأنا.
لقد عكس الأدب هذه الثنائية، بحمولاتها الوصفية، خاصة في الرواية، مثلما نجد مع الرواية السعودية الأولى «التوأمان» ( 1930 ) للكاتب عبد القدوس الأنصاري، التي طرحت مسألة التعليم من ثنائية الأنا والآخر، وعبرت عن ازدواجية الرأي في الموضوع، ثم انحازت حكايةٌ الرواية للأنا/ التعليم الوطني. مع التحولات السياسية في المنطقة العربية، اتسعت دائرة الآخر، فأصبح متعددا ومتنوعا، غير أنه لم يخرج عن مفهوم الأجنبي، الذي تحول إلى مُخترقٍ للاقتصاد والسياسة والمجتمعات.
عكست الرواية العربية، ومختلف أشكال التعبير السردي هذا المفهوم في أبعاده المتعددة، غير أن تحولا حدث في مفهوم الآخر، بعد تطور التحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة العربية، وظهور قضايا جديدة، خلخلت ترتيب ثنائية الأنا/الآخر في الوعي العربي، وجعلت الرواية، ومعها مختلف أشكال التعبير الإبداعي، تلتفت إلى آخر داخلي، وتُدخله إلى مجالها موضوعا منظورا إليه. تجلى هذا التحول في صيغة ثنائية الأنا الآخر، من خلال تغيير موقع عنصري الثنائية. فقد انتقل الأنا إلى آخر، وأصبح موضوعا روائيا، وقضية للتحليل.
تعددت أشكال الآخر/ الأنا في الرواية العربية، وجاء تحت مواصفات عديدة، وإذا كانت كتابة المرأة السردية خاصة تلك التي حققت مظاهر خطاب «الكتابة النسائية» قد حولت الرجل إلى آخر، وموضوع منظور إليه، بعد أن استمر تاريخيا ذاتا فاعلة، ومُقيمة خارج السؤال والإشكالية، كما نجد في رواية «مسك الغزال» للكاتبة اللبنانية حنان الشيخ، فإن هذه الكتابة أنتجت تصورا حوله، انطلاقا من طبيعة وجوده في المجتمع، ونوعية خطابه وشكل التصورات التي يحملها حول المرأة وحول ذاته.
كما عرفت الرواية العربية تمظهرا جديدا للآخر- الأنا الذي اتخذ ـ هذه المرة- صفة ابن البلد، وتحول معها مفهوم «الأجنبي». انتقل الأنا/الذات إلى آخر/الغير الذي يطرح سؤال المعرفة والتأمل والتحليل. وقد نلتقي ببعض مظاهر الارتباط بين الآخر/الرجل والآخر/ المحلي في كثير من الروايات، نظرا لعدة أسباب مُرتبطة بطبيعة الأنا في المنظومة العربية، وعلاقتها بمؤسستي الذاكرة والعشيرة.
نلتقي بمستويات عديدة لهذا المفهوم للآخر- الأنا، في روايات ومجاميع قصصية كثيرة، نذكر منها رواية «هند والعسكر» (2006) للروائية السعودية بدرية البشر.
طرحت هذه الرواية حضورا متنوعا للآخر المحلي، سواء الآخر ابن البلد متمثلا في الزوج والأخ، أو الآخر الوافد الذي يُخرجه التخييل الروائي في «هند والعسكر» من الصمت التاريخي – المُجتمعي إلى موضوع للحكي، ومعها ينتقل إلى ذات فاعلة في الحكي، ومُؤثرة فيه بتصوراتها وخطابها وملفوظاتها المُباشرة، تقول ساردة «هند والعسكر» عن شخصية «عموشة» بعد إقرار الملك فيصل لقانون «تحرير العبيد» احتاجت وقتا طويلا لتفهم معنى الحرية، لكنها لم تعرف يوما طعمها، عاشتها اسميا فقط، إذ يصعب على من كان عبدا أن يتخلص من عبوديته حين يتجاهلها الآخرون» (ص23).
يتراجع مع هذه الرواية مفهوم الآخر الأجنبي/الغربي، وينشغل التخييل بالآخر- الأنا موضوعا روائيا. تقترح ساردة «هند والعسكر» تشخيص الآخر/الرجل، من خلال تقديم نمط وعيه، ليس بتسريد تصوراته وكلامه، وتحويلها إلى مواضيع للحكي بضمير الغائب، ولكن باعتماد الملفوظ المباشر. يقول زوج الساردة: «ستظلين طول عمرك مُعلقة، ولن تحرزي شيئا بعنادك، ستظلين في حوزتي، أينما ذهبت سيكون لجامك في يدي ولن أتركك أبدا، لن أطلقك» (ص11).
إذا كان محتوى الملفوظ ينتصر لسلطة الآخر/الرجل، الذي يمتلك زمام السيطرة، والتحكم في حرية الأنا/المرأة، فإن السرد يعري هذا الوعي، عندما يعمل على تبئير خطاب الرجل.
يتكرر ضمير الأنا/المرأة في كل جملة سردية في ارتباط بالفعل وتصريفه، كما تضع تركيبة ملفوظ الآخر/الرجل في موقع ضعيفٍ، باعتبار التأكيد على سلطته في التحكم في معنى وجود الأنا/ زوجته/الساردة، وامتلاك قرار حريتها، مما يحوله إلى سجَان. يحضر الرجل/ الزوج في الحكاية، ومضمون الخطاب ذاتا قوية، ومتحكمة في وجود المرأة/الزوجة، ويُحوَله التخييل الروائي إلى موضوع منظور إليه من خلال خطاب السرد، وطريقة الحكي، فيُصبح آخر للتحليل والتأمل في وعيه.
لقد حضر هذا المستوى من مفهوم الرجل /الآخر في العديد من النصوص السردية، وأنتج موقعا مُختلفا للرؤية، عبر الموقع الجديد للمرأة، باعتبارها الأنا والذات الفاعلة وليس الموضوع. قدَم هذا المفهوم لثنائية الآخر الأنا وعيا بطبيعة تركيبة العلاقة بين الرجل والمرأة.
أما المستوى الثاني من حضور مفهوم « الآخر الأنا» في «هند والعسكر»، فإنه يطرح سؤالا حول طبيعة العلاقة بين مكونات المجتمع الواحد، وواقع الحوار والتواصل بين عناصرها. وهو مفهوم يُعتبر جديدا من حيث الانشغال السردي، وله علاقة بالتحولات السياسية والذهنية التي تعرفها مجموعة من البلدان العربية.
يحضر إبراهيم في «هند والعسكر» وفق وضعية مختلفة عن وضعية الزوج، فإبراهيم لم تستحضره حكاية الرواية ذاتا صاحبة سلطة، وفاعلة في المجتمع.
تحكي الساردة/أخته عن وضعه في نظام الأسرة «لم يتجاوز إبراهيم الثامنة عشرة بعد. هو الأخ الأوسط بين ستة من البنات والذكور.
لم يكن الذكر المُفضل عند أمي مثل أخي فهد، ولم تفرح به كثيرا عندما رأت محاولاته لحصارنا بعصاه وينوب عن والدي في رعايتنا» (ص175).
لا يشكل إبراهيم حضورا اجتماعيا وثقافيا في الحكاية، ولا يحضر سرديا إلا مع بداية تلاشي حكاية الرواية، واقترابها من النهاية، عندما يخترق حضوره الحكاية وفق صورة مُخالفة للواقع المألوف، «فتحت جريدة الشرق الأوسط.
صور الحادث الإرهابي وتحليلاته تملأ الصفحة الأولى، صور المنفذين بوجوههم القتيلة الشابة (. . . ) ظهرت من بينهم صورة شاب (. . . . ) منذ رأته عيناي وثب قلبي فوق صورته (. . . . ) إنه هو، إبراهيم، إبراهيم أخي» (ص 217-218).
يعرف إبراهيم تحولات سريعة في موقعه، فبعد أن جرَب أن يكون ذاتا داخل بنية الأسرة، وينوب عن الوالد، تم إقصاؤه من طرف الأم، انتقل إلى شكل آخر من حضور الذات، مع الانتماء إلى الخلايا السرية، وتنفيذ عملية إرهابية، ليتحول بعد موته إلى موضوع للمعرفة إعلاميا وسياسيا، وإلى آخر للتأمل من طرف أخته الساردة وباقي الأسرة. ولعل تلاشي السرد في «هند والعسكر» مع قضية إبراهيم، فيها عملية التبئير على هذا المستوى من الآخر- الأنا الذي بدأ ينتشر في المجتمعات العربية، مما يدعو إلى التفكير في أسباب وجوده وانتشاره.
وقد نلتقي ببعض مظاهر الاقتراب من طبيعة حضور هذا المستوى من مفهوم الآخر- الأنا في أسئلة الساردة، الموجهة إليه، إليها، إليهم، إلى كل ضمائر المجتمع، بحثا عن موطن الخلل: «انهمرت دموعي ومعها الأسئلة: لماذا رحل وتركنا؟ لماذا فعل ما فعل؟ هل ظن أن أحدا لا يحبه في البيت فهرب؟ ومن منا أحبه حقا؟ وهل أحب أحدا منا ولم يبادله الحب؟ هل ظن أن هذا العالم القاسي الخالي من الحب يستحق الانتقام والذبح؟ هل قرر أن ينتمي إلى هذا العالم ويصير مثله بلا قلب؟» (ص199-220).
روائية وناقدة مغربية
زهور كرام