الأحزاب السياسية أمام تحد كبير لإثبات صلاحيتها ونبذ الخلافات البينية… وعودة لانقطاع التيار الكهربائي

حجم الخط
1

القاهرة ـ»القدس العربي» حفلت الصحف الصادرة أمس الثلاثاء 13 يناير/كانون الثاني بالكثير من الأخبار والموضوعات المهمة منها، الاجتماع الأول الذي عقده الرئيس عبد الفتاح السيسي مع رؤساء وممثلي خمسة عشــــر حزبا سياسيا، منها حزبان يرأسهما شقيـــقان عمهـــما الرئيـــس الراحـــل أنـــور السادات، وكان شقيقهما الراحل طلعت السادات، الذي نافـــس عمـــه أنور السادات في خفــة ظلـــه، قد تـــرأس الحزب الوطني بعد ثورة يناير، لأنه حـــزب أسسه عمه قبل أن يصدر الحكم القضائي بحله ومصادرة الدولة لأمواله وأملاكه.
والمعروف أن عندنا حتى الآن حوالي تسعين حزبا، وأكد الرئيس أنه لا يدعم أي حزب أو تكتل أو قائمة انتخابية، بعكس كل ما يتم نشره وأن انحيازه الوحيد هو لتمثيل قوي للشباب والمرأة .
واستقبل الرئيس بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية الأب متياس الأول والوفد المرافق له بحضور الباب تواضروس الثاني بطريرك الأقباط المصريين الأرثوذكس.
وبدأ الاهتمام بالحادث الإرهابي الذي تعرضت له صحيفة «شارلي إيبدو» الفرنسية وما تبعه من عمليات أخرى، يتراجع وإن كانت المقالات والتعليقات متواصلة.
وأشارت الصحف إلى حكم محكمة جنح قسم الأزبكية في القاهرة، ببراءة ستة وعشرين من المقبوض عليهم بتهمة ممارسة، والعياذ بالله» الشذوذ الجنسي في أحد الحمامات الشعبية.
أما أكثر الأخبار جذبا لاهتمامات الغالبية، فهي موجة البرد وظاهرة عودة انقطاع التيار الكهربائي ليلا في عدد كبير من المحافظات، بسبب تشغيل الدفايات والتكييفات الساخنة وكذلك استمرار أزمة أنابيب البوتاجاز، ووعد الوزارة بحلها بعد ثلاثة أيام لوصول شحنات الغاز من الجزائر والإمارات والسعودية.
وإلى بعض مما عندنا….

الإرهاب وصل إلى الدول التي صدرته لنا

ونبدأ بأبرز ردود الأفعال على الإرهاب الذي ضرب فرنسا، حيث لم يجد زميلنا وصديقنا في «الأخبار» ورئيس القسم الخارجي الأسبق والمتحدث باسم حزب التجمع اليساري نبيل زكي ما يمنعه من إظهار قليل من الشماتة بقوله يوم الاثنين: «الآن فقط بدأت أوروبا والعالم يدركان معنى وأبعاد الخطر الإرهابي، لم تكن اعتداءات 11 سبتمبر/أيلول في نيويورك وواشنطن كافية ليدرك الغرب أن الإرهاب لن يبقى محصورا في الدور الذي رسمته له أجهزة المخابرات الغربية، وكان لابد أن يصل الإرهاب إلى الدول التي قامت بتصديره إلينا وقدمت له التسهيلات.
كانت البداية هي قيام المخابرات الأمريكية بتمويل وتدريب وتسليح تنظيم «القاعدة» بزعامة أسامة بن لادن واستخدامه في الحرب ضد الروس في أفغانستان، وجاء الغزو الأمريكي للعراق ليفتح الباب لإقامة قواعد إرهابية في وادي الرافدين، ثم جاء الغزو الغربي لسوريا وشبكات تجنيد الشبان في أوروبا والولايات المتحدة للقتال على «الجبهة السورية»، وكان هدف أمريكا ومعظم الدول الأوروبية، خاصة فرنسا أن تجعل من سوريا ليبيا أخرى، كما لو كانت ليبيا هي النموذج الناجح للتدخل الغربي.
غير أن «غزوة باريس» ستؤدي إلى نتائج عكسية مما يدل على حماقة وغباء الإرهابيين، ذلك أن أوروبا لن تظل بعد الآن الملجأ والملاذ وملعب النشاط الحر للإرهابيين. وقد يدرك الأوروبيون ولو متأخرين أن الوسيلة الوحيدة لمكافحة الإرهاب هي استئصال جذوره في منابعه، أي في قلب العالمين العربي والإسلامي، وربما يكشف قادة الغرب أن من صالحهم تبادل المعلومات بين أجهزة الأمن في الدول المختلفة بدلا من احتكارها لأنفسهم ومساندة مصر رائدة الكفاح ضد الإرهاب».

انقلب السحر على الساحر

وما كتبه نبيل أكده في العدد نفسه زميله محمد الهواري بقوله: «إن الإرهاب والجماعات المتطرفة، التي دعمتها أجهزة المخابرات الغربية انقلب على من صنعوه. لقد طالبنا مرارا وتكرارا الدول الغربية بالحذر من دعم الجماعات المتطرفة، إلا أنها لم تستجب وعليها الآن أن تدافع بقوة ليس عن وجودها، ولكن في القضاء على الإرهاب في كل منابعه، حتى يعود السلام والوئام لشعوب العالم وتزول المخاوف لدى الشعوب الآمنة. إننا نستنكر الإرهاب بكل صوره وعلى المجتمع العالمي أن يلفظ تماما الإرهاب والإرهابيين».

إنها بضاعتكم ولا علاقة
لها بالإسلام ولا بالمسلمين

أما في «جمهورية» يوم الاثنين ذاته وفي عموده اليومي «نسمة حرية» فإن زميلنا عبد الجواد حربي صمم على كتابة عنوان إضافي هو «اللهم لا شماتة» صاح فيه: من الكأس نفسها شرب الغرب الذي أذاقنا الأمرين لسنوات طويلة، وأغرقنا فيه حتى الذقون، وها هو الآن يصرخ ويبحث عن مغيث، وها هي تنظيمات «القاعدة» و»داعش» و»جبهة النصرة» وغيرها التي صنعها الغرب بألاعيبه ومؤامراته لتكون أدواته في السيطرة على العالم ارتدت إلى نحورهم وعادت لتتخذ من عواصم الغرب هدفا لعملياتها.
اللهم لا شماتة اشربوا بقى، وعليكم أن تصرفوا الجان الذي أحضرتموه بدءا من الحرب الأفغانية ضد السوفييت، في ثمانينيات القرن الماضي، حتى الحرب في العراق صنعتم تنظيمات الإرهاب وقدمتم لها الدعم والسلاح وأطلقتموها في المنطقة العربية وفي ديار المسلمين، تمارس جرائمها ليل نهار، وها أنتم الآن تكتوون بنيرانها، إنها بضاعتكم ولا علاقة لها بالإسلام ولا بالمسلمين ولنا في «القاعدة» و«داعش» ألف عبرة وعبرة».

مواطن فرنسي مسلم:
نحن نتحمل وزر جرائم البعض

وإلى «الأهرام» وزميلتنا الإعلامية الجميلة فريدة الشوباشي التي عملت في فرنسا فترة طويلة في إذاعة مونت كارلو قالت: «المصيبة أن مثل هذه الممارسات ستحيل حياة مسلمي أوروبا إلى جحيم مقيم، وهي جريمة تضاف إلى السجل الحافل من آكلي أكباد الخصوم إلى إلقائهم من فوق السطوح إلى تمزيق أجسادهم والتتويج الداعشي بذبح المخالفين أو ذوي الديانات الاخرى مع التكبير، لوصم الإسلام بما يقترفون من جرائم وتمهيد الأرض لأي عدوان علينا، بحيث يقف العالم كله ساعتها مكبرا.
وقد قال مواطن فرنسي مسلم نحن ستة ملايين في فرنسا بيننا ستمائة موتور، فهل نتحمل وزر جرائمهم ونتحول إلى كائنات منبوذة.. في الوقت الذي نحترم فيه قوانين الجمهورية ونلتزم بها؟ هذا جانب من المخطط أتمنى أن نلتفت إليه وأن نتصدى نحن قبل غيرنا للدفاع عن ديننا ومواجهة من أرادوا إخراس أي صوت يفضح أهدافهم».

الغرب أيضا مطالب بتغيير
جذري في قناعاته وسياساته

أما زميلنا في «الأهرام» حسن أبو طالب وفي العدد ذاته فإنه حمل الأوروبيين والأمريكيين جزءا من المسؤولية بقوله عنهم: «المذابح والإرهاب لا يمكن تبريرهما أو قبولهما، ولكن المسؤولية عنهما ليست فقط لدى الإرهابيين، بل لدى الذين يصنعون الإرهابيين ويثيرون العداء ويستفزون الآخرين ويسبون دينهم ورسولهم باسم حرية الرأي والتعبير، أليس الإيذاء المعنوي والنفسي أقوى وأشد من الإيذاء البدني، إنه العنف الذي يجب وقفه ومحاسبة من يقترفه. هذه جريمة ضد الإنسانية على الغرب أن يتخلص منها لسنا فقط المطالبين بالتغيير في سلوكنا الغرب أيضا مطالب بتغيير جذري في قناعاته وسياساته».

العالم العربي يواجه الهجمات
نفسها من دون أن يجد تعاطفا

أما زميلنا وصديقنا رئيس التحرير التنفيذي لجريدة «اليوم السابع» اليومية المستقلة أكرم القصاص وقوله في عموده اليومي «كأنه»: «الآن الرئيس الفرنسي أولاند دعا لمظاهرات يشارك فيها زعماء العالم ومواطنو فرنسا وأوروبا ليعلنوا أنهم ضد الإرهاب، ومن سنوات والعالم العربي يواجه الهجمات نفسها من دون أن يجد تعاطفا في مواجهة هؤلاء، بل أن كثيرا من الإرهابيين المطلوبين في عمليات قتل يحظون بالحماية في أوروبا.. لندن وباريس وغيرهما، وفي عقر دارهم إمام مسجد في لندن يعلن بثقة أن الإسلام لا يعرف حرية الرأي والتعبير، وهو تصريح احتفى به الإعلام الغربي متجاهلا مئات الآراء التي تتحدث عن إصلاح الخطاب الديني وترفض التكفير.
اليوم يطالب الرئيس الأمريكي أوباما بمؤتمر في فبراير/شباط ضد الإرهاب، باعتباره ظاهرة عالمية، وهناك اتهامات للغرب بأنه يدعم نوعا من الدين يسهل له التدخل وممارسة الوصاية بينما يرفض التعامل مع الإرهاب كجريمة تتجاوز الدين».

استمرار المعارك
مع وضد الأزهر

وإلى استمرار المعارك ضد ومع الأزهر ودوره في محاربة الإرهاب وتجديد الخطاب الديني وتنقية بعض الكتب التي يتم تدريسها في معاهده وكلياته، التي تدعو للعنف والتكفير، وكيفية تنفيذ طلب الرئيس السيسي في خطابه بمناسبة المولد النبوي الشريف بثورة دينية تبرز الوجه السمح للدين الإسلامي. وهو ما أسعد زميلنا كاتب «صوت الأمة» الساخر وصاحب العبارات المبتكرة محمد الرفاعي وقوله يوم الأحد: «كان الخطاب صفعة فوق أقفية الدراويش والموالي وبتوع الفتة والعلاج ببول الإبل والحمير الذين يركبون فوق أعناقنا ركوب العفاريت ويختمونا على قفانا لو فضل مكانه من غير قطع بختم الخلافة. كان خطاب الرئيس السيسي أمام مشايخ الأزهر، الذي طالب فيه بثورة دينية وخطاب ديني يتواكب مع مستجدات العصر مفاجئا ومباغتا لنا جميعا، فكل الحكام السابقين لم يكن يهمهم من المشيخة إلا أن يضع مولانا عمة الولاية والقداسة فوق رؤوسهم حتى يصيروا من أولياء الله الصالحين، ومن أصحاب الحظوة، تمنع عنهم الحسد خاصة عين الشعب الصايع تندب فيها رصاصة.
عقب خطاب الرئيس سارع المشايخ برفع العمائم عاليا وكل واحد حط ديل القفطان في سنانه وطلع جري يدور على خطاب ديني جديد، في أي اجزاخانة فاتحة أو تحت الربع ثم يقفون صفا واحدا يغنون وديني وديني لأجدد الخطاب الديني، وكيف يطور الأزهر الخطاب الديني وفضيلة الإمام الأكبر الرجل الطيب قد ترك إدارة المشيخة إلى عمائم أكثر تشددا وتكفيرا كل ما يهمهم تكفير المجتمع والأدب والفن…».

تصحيح المفاهيم المغلوطة
عن الإسلام مهمة الأزهر

وعلى كل لم يتأخر شيخ الأزهر، ففي اليوم التالي الاثنين نشرت «الأخبار» على يمين صفحتها الثانية خبرا لزميلنا ضياء أبو الصفا نصه: «ناقش الإمام الأكبر د. أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف مع مجلس كلية أصول الدين بالقاهرة برئاسة الدكتور عبد الفتاح العواري دور الأزهر الشريف في دحض الشبهات التي تثار حول الإسلام، ورد الإساءات والسفاهات التي تكال للإمام البخاري وكتابه «الصحيح» وللسنة المطهرة. وطالب فضيلة الإمام الأكبر علماء أصول الدين بالانتشار الواسع والتواصل مع الناس من خلال الخطب والدروس والندوات والقوافل الدعوية، التي يسيرها الأزهر الشريف في كافة المحافظات، لتبصير الناس بأمور دينهم وتصحيح المفاهيم المغلوطة، ونشر رسالة الإسلام السمحة التي يتبناها الأزهر الشريف عبر تاريخه. واستنكر فضيلة الإمام الأكبر ومجلس كلية أصول الدين التفجيرات الإرهابية التي استهدفت قبر المحدث الفقيه الإمام النووي بدمشق منذ أيام».

الأزهر شارك في لحظات
حاسمة من عمر الوطن

يوم الاثنين أيضا حظي الأزهر في «الجمهورية» بمقال دافع فيه صاحبه سمير عبد اللطيف، وهو كاتب وناقد أدبي «ناصري» عن الأزهر وتاريخه ومشايخه وعلمائه، قال فيه: «شارك الأزهر في لحظات حاسمة من عمر الوطن، ارتفعت فيه النداءات والصيحات والتكبيرات، وخرجت منه الجموع الغفيرة في لحظات ومواقف وتاريخ مهم من عمر الوطن في ثورة 1919 وثورة يوليو/تموز 1952 والعدوان الثلاثي 1956، كان هذا الصرح شامخا جنبا إلى جنب مع الوطن في أدق وأصعب اللحظات وأخطرها، ولا يزال حتى اللحظة جزءا من الأحداث بكل الوطنية والسماحة والقيم الأصيلة التي نادى بها الدين الإسلامي عبر مئات السنين حتى قيام الساعة. أما هذا النوع الغريب من الذين يطلق عليهم «مفكر إسلامي» زورا وبهتانا فقد انتشر البعض منهم من خلال مقالات في صحف كبرى للأسف مع نخبة من أصحاب الأقلام وأساتذة الرأي أو في برامج تلفزيونية».

الختان يشير
إلى الحياة النقية الطاهرة

ومن الأزهر إلى الكنيسة الأرثوذكسية واحتفالها بعيد الميلاد المجيد في السابع من يناير/كانون الثاني، وهو يوم إجازة رسمية في الدولة، وكان صاحب قرار الإجازة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، بعد أن كان يوم إجازة فقط للعاملين الأقباط، وفي عيد الميلاد المجيد تنشر الصحف مقالات عنه، ومنها مقال كتبه يوم الأحد في «الجمهورية» القس شنودة جبره أقلاديوس قال فيه: «احتفلت الكنيسة القبطية بعيد الميلاد المجيد، وتحتفل بعيد الختان وهذا هو موضوعنا في هذا العدد، إن عملية الختان الجسدي في حد ذاته زمني، ولكن لأنه عهد يعطي حياة أبدية، لذلك يقول القديس مكاريوس الكبير: ينال شعب الله علامة الختان في قلبهم من الداخل، لأن السيف السماوي يقطع غلف الخطية النجسة من العقل والقلب.
لهذا فالختان يعني خضوع النفس لعمل الروح القدسي، فكما تموت الغرلة المقطوعة من الجسد هكذا تموت الشهوة في النفس، وكان موت الغرلة يمثل قطع ما يخص الشهوة من الجسد حتى يصير جسدا مقدسا ويشير إلى الحياة النقية الطاهرة، لذلك يقول العلامة ترتيلتان في خطة إله الناموس، أن يكون ختان للقلب لا للجسد فقط وكذلك ختان بالروح لا بالحروف، حتى قال موسى «فاختنوا غرلة الله بختان القلب حتى لا يتحول على اعتبار أنه ختان يوصل الإنسان إلى الله.. إن السيد المسيح أول من تمم الختان في العهد الجديد، علما بأنه ليس بحاجة إلى الختان لكن شابهنا في كل شيء ما خلا الخطيئة وحدها ليكون مثالا حيا نقتفي آثاره…».
وفي الحقيقة فإن كثيرا من المسلمين كانوا يعتقدون أن أشقاءنا الأقباط الذكور لا يتم ختانهم مثل المسيحيين الأوروبيين، وكنت اعتقد ذلك إلى أن قرأت منذ حوالي عشر سنوات أو أكثر مقالا في جريدة «وطني» القبطية لصديقنا المرحوم الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي في الكنيسة الأرثوذكسية أشار فيه إلى الختان، وأشرنا وقتها إلى مقاله في أحد التقارير في «القدس العربي».

المصريون دأبوا على مشاركة
بعضهم بعضا في أعيادهم وأفراحهم

وما دمنا ذكرنا صحيفة «وطني» فلا بد من الإشارة إلى مقال رئيس تحريرها زميلنا يوسف سيدهم عن زيارة الرئيس المفاجئة للكنيسة في عيد الميلاد أثناء صلاة القداس، عندما عاد من الكويت للقاهرة، وتوجه من المطار إلى الكنيسة رأسا، وألقى كلمة استغرقت ثلاث عشرة دقيقة وكانت الزيارة مفاجأة للبابا تواضروس نفسه يوسف قال:«لا تفوتني مبادرة الرئيس السيسي التي نزلت كالبلسم في نفوس الأقباط والمصريين عموما، وسطرت مجاملة كريمة غير مسبوقة لرؤساء الدولة، عندما عاد سيادته إلى مصر من الكويت ليسرع بالذهاب إلى الكاتدرائية المرقصية مساء الثلاثاء ليلة عيد الميلاد، ويفجر المفاجأة المفرحة أمام جميع الحضور وسائر المتابعين للاحتفالات والصلوات عبر شاشات التلفزيون بدخوله الباسم البسيط وكلماته العفوية بالغة الدلالة للتهنئة بالعيد. حقا كان السيسي في تلك الليلة «بابا نويل المصريين» هذه المشاهد الجميلة أخرجتنا من الأسف والآسي الذي يعترينا، نحن المسيحيين، قبل أعيادنا خاصة في السنوات الثلاث الماضية، حين تتناثر الفتاوى من دعاة الفتاوى لتحرم على إخوتنا المسلمين تهنئتنا في أعيادنا، أو مشاركتنا فرحتنا. فتاوى مريضة ضلت طريق الإسلام الوسطي السمح وتجردت من وداعة وأصالة المصريين الذين دأبوا على مشاركة بعضهم بعضا، صومهم وإفطارهم وأعيادهم وفرحتهم».

الخلط بين الدين والسياسة
في أداء الكنيسة المصرية

لكن الزيارة لقيت من بعض أشقائنا المسلمين ملاحظات في اليوم نفسه، منها قول مستشار جريدة «الوطن» أستاذ الإعلام في جامعة القاهرة الدكتور محمود خليل في عموده اليومي «وطنطن»: «الجانب الثاني الذي يستحق التوقف أمامه في هذه الزيارة يتصل بعملية الخلط التي باتت واضحة بين الدين والسياسة في أداء الكنيسة المصرية، بدا ذلك واضحا في تصريحات البابا قبل زيارة الرئيس للكاتدرائية، عندما أخذ يتحدث عن مبارك ويقول عنه «كان رجل كويس وأؤيد الإفراج عنه»، ولم يترك الأنبا بولا هو الآخر مناسبة إلا وتحدث فيها عن السياسة ومن داخل بورصة المزايدة على الأوصاف النبوية للرئيس، وجدناه يصف دخول السيسي إلى الكاتدرائية بتجلي المسيح، وكان أحدهم قد شبه الرئيس من قبل بنبي الله موسى، ويبدو أن البعض ينسى في غمرة تأييده للسلطة الحاكمة، إننا قمنا بموجة 30 يونيو/حزيران وفي مخيلتنا الرفض التام لتلك الزيجة غير الشرعية بين الدين والسياسة، وكنت من أكثر المتحمسين لهذا الفصل. وبالتالي فلا أجد داعيا لإحياء هذه الزيجة مرة أخرى، لقد دعا الرئيس إلى ثورة على الموروث الديني الذي يتناقض مع ثوابت العقيدة الإسلامية، وفي ظني أنه كان يدعو إلى هذه الثورة وفي مخيلته حالة الخلط المقيت بين الدين والسياسة».
هل سيقدم البابا تواضروس مشروعا
تنويريا منفتحا على المجتمع؟

ولو تركنا «الوطن» إلى «المصريون» سنجد رئيس تحريرها التنفيذي زميلنا محمود سلطان يطالب الكنيسة برد جميل الرئيس بقوله: «إذا كان الرئيس ذهب إلى الكنيسة فإن هذه الخطوة تحتاج إلى خطوة مقابلة ونسأل: هل ستذهب الكنيسة إلى الوطن وتجري مراجعة واسعة لميراث البابا الراحل شنودة، حين أحال الكنيسة إلى قوة موازية للهوية الأم للدولة المصرية؟ وهل سيقدم البابا تواضروس مشروعا تنويريا منفتحا على المجتمع، على النحو الذي يجعل الوطن بالنسبة للقبطي هو مناط الولاء والبراء وليس الكنيسة. الرئيس تقدم خطوة غير مسبوقة نحو الكنيسة فهل سترد الأخيرة التحية بأحسن منها أو بمثلها على الأقل؟ هذا ما سيكشفه لنا الآتي من الأيام».

كيف نرد على خطيئة
«شارلي إيبدو» الجديدة؟

ونبقى في «المصريون» لنقرأ مقال رئيس تحريرها ورئيس مجلس إدارتها جمال سلطان الذي يتساءل فيه عن كيفية الرد على خطيئة «شارلي إيبدو» الجديدة؟ يقول: «أعادت مجلة «شارلي إيبدو» نشر رسوم مسيئة للنبي الكريم وللمسلمين في عددها الجديد، بعد أيام على المذبحة التي راح ضحيتها عدد من العاملين بها، وبعد يومين من التظاهرة المليونية التي شهدتها العاصمة باريس من أجل رفض الإرهاب، وقد شارك في التظاهرة عدد من قيادات الدول الإسلامية وممثلون للدين الإسلامي، وبعد يومين تبصق المجلة من جديد على هؤلاء جميعا وتضعهم في موقف محرج للغاية، وكلهم الآن مدينون بإصدار بيانات رسمية باستنكار هذا الذي فعلته المجلة اليوم، وكانت دار الإفتاء المصرية قد أصدرت بيانا شديد اللهجة يندد بما فعلته المجلة، وفي اعتقادي أن كثيرين سيفعلون الأمر نفسه. ما فعلته المجلة الفرنسية أمس هو عصبية طفولية بدون شك، ولا يمكن أن تدرج في أي نطاق متحضر أو أخلاقي أو مسؤول، كمجموعة أطفال غاضبين يكسرون بعض الأشياء لكي يعبروا عن انفعالاتهم العفوية في مرحلة ما قبل العقل والنضج الإنساني، وبدون أدنى شك فإن ما فعلته المجلة هو خدمة مجانية للمتطرفين وللمنظمات الإرهابية التي يسعدها أن ترى ذلك العناد بهجاء النبي والسخرية منه لكي تثبت للآخرين أنها كانت على حق في سلوكها، ويضعف موقف قوى الاعتدال في الحالة الإسلامية، ويعقد الأمور أمامهم في سبيل وقف ولجم موجات العصبية والعنف بين الشباب الغاضب لعرض النبي وكرامته التي تستباح بمثل هذه النرجسية والاستعلاء والاستخفاف. ما فعلته «شارلي إيبدو» في عددها الجديد عمل مدان بكل تأكيد، ولكني أتصور أنه سيكون من الخطأ الوقوف عند ما فعلته اليوم من أجل أن تطبع عدة ملايين من النسخ مستغلة حالة التعاطف مع ضحاياها، فهذه الموجة ستخفت سريعا لأنها مجرد ردات فعل عاطفية سريعة الزوال، والعقل سيعود بكل تأكيد، خاصة أن هناك أصواتا فرنسية وغربية كثيرة تميزت بالعقل في تقييم ما حدث، وانتقدت بقوة وصراحة ما تفعله المجلة، في الوقت نفسه الذي انتقدت فيه الإرهاب والوحشية في التعامل مع الصحافيين، وهذا يدعونا إلى إعادة النظر في مجمل الواقعة، والابتعاد عن التجمد عند ردود الأفعال، سواء بمجرد الاستنكار أو الغضب أو إحياء مصطلحات الصراع الحضاري الشهيرة، وإن كان الغضب والإنكار مشروعا بل وضروريا، ولكنه ـ وحده ـ لا يفيد في خدمة التواصل الإنساني، ولا يخدم السلام، ولا يخدم الحالة الإسلامية بكل تأكيد، وإنما الصواب ـ في تقديري ـ أن يتم الاستفادة من تلك الأجواء القلقة والمهجوسة بالفعل ورد الفعل، من أجل إدارة حوار جاد وواسع وعميق مع النخبة الثقافية والإعلامية في العواصم الغربية المختلفة ، لعرض وجهات النظر الإسلامية بشكل شامل وعميق ومقنع وأكثر قربا للعقل الغربي….».

دولة إسرائيل أكثر من ارتكب
الإرهاب المنظم في التاريخ المعاصر

وعن الموضوع نفسه، الذي لا تزال تداعياته تتوالى وتتناوله أقلام الكتاب، وأقصد بذلك الهجوم الإرهابي على مجلة «شارلي إيبدو» نقرأ في «المصري اليوم» عدد يوم الاثنين مقالا للكاتب محمد سلماوي يقول فيه: «من أغرب تداعيات حادثة مجلة «شارلي إيبدو» الإرهابية، ذلك الاستغلال اليهودي الصهيوني للحادثة، وكأنها وقعت ضد منشأة يهودية، فقد امتلأت البرامج الحوارية على القنوات الفرنسية بمن يشيرون إلى أن ما حدث ليس منفصلاً عن استهداف اليهود في مختلف أنحاء العالم، ومن ينبهون إلى أن خطاب العداء للسامية قد تزايد في فرنسا، وينبغي مواجهته إن كنا نريد التصدي للإرهاب والعنصرية. وكما لو أن كل الجهات اليهودية تقوم بتنفيذ خطة واحدة متفق عليها، وجدنا رئيس الوزراء الإسرائيلي يتصدر المسيرة التي دعا إليها الرئيس الفرنسى فرانسوا أولاند، وهو الذي ارتكب من الإرهاب المنظم للدولة ما يستوجب المحاكمة الدولية، لكنه هنا يتضامن مع الفرنسيين، ويبدو وكأنه أحد ضحايا الإرهاب، بما يتكبده سكان إسرائيل من مقارمة مشروعة لشعب يتعرض يومياً للإرهاب وتقع بلاده تحت الاحتلال منذ ثلاثة أرباع القرن.
في الوقت نفسه، وجدنا مواطنين فرنسيين يخرجون إلى المظاهرات رافعين لافتات كتبوا عليها مثل باقي المتظاهرين «أنا شارلى إيبدو»، لكن بعد أن أضافوا إليها عبارة «أنا يهودي». وهكذا تغسل الصهيونية أيديها من دماء المجازر الإرهابية التي ارتكبتها منذ مذبحة دير ياسين عام 1947 إلى مذبحة غزة منذ بضعة شهور، وترتدي رداء الضحية، الذي خدعت به العالم طوال ما يقرب من قرن من الزمان منذ صدور وعد بلفور عام 1917 وحتى الآن. إن متابعة ما جرى من استغلال للحادث الإرهابي الفرنسي تشير بوضوح إلى الأسلوب التقليدي لليهودية الصهيونية التي تعرف جيداً كيف تستغل كل واقعة لصالحها مهما لجأت للخديعة التي تلوي الحقائق.
إن الحقائق لا تشير فقط إلى أن دولة إسرائيل أكثر من ارتكب الإرهاب المنظم في التاريخ المعاصر، وإنما إلى أن العرب المسلمين هم الضحية الأولى لهذا الإرهاب، الذي يرتكبه من لا يتورعون عن المشاركة في المسيرات المناهضة للإرهاب، بل إن العرب المسلمين هم الضحية الأولى أيضاً لذلك الإرهاب الذى يرتكب باسم الإسلام نفسه، وأعداد من راحوا ضحية تلك العمليات الإرهابية من العرب المسلمين أضعاف أعداد الضحايا الأجانب، ومصر هي المثال الحي لذلك، فمن هم الإرهابيون إذن؟ ومن هم الضحايا؟».

لقاء السيسي بالأحزاب ودلالات التأخير

ونخرج من دائرة تداعيات «شارلي إيبدو» لندخل دائرة انتخابات مجلس النواب، وما يجري قبلها من استعدادات، من ذلك لقاء الرئيس بقادة الاحزاب المشاركة في الانتخابات ورأي نادر بكار في «الشروق» عدد امس الثلاثاء وقوله: «بعد سبعة أشهر كاملة من تقلده المسؤولية، التقى الرئيس أمس للمرة الأولى قادة عدد من الأحزاب السياسية، ويتوقع للقاء أن يمتد ليشمل عددا آخر ظهر اليوم.. بدأ الاجتماع يتقارب مع موعد مثول الجرائد للطبع، فما ثمة معلومة مؤكدة يمكن التحصل عليها من كواليس الاجتماع، لكن المؤشرات الأولية تعطي انطباعا عاما قريبا من الواقع.. حتى إشعار آخر!
الاتجاه السياسي العام رحب في مجمله بالخطوة، وإن اعتبرها متأخرة للغاية، إذا ما قورنت بلقاءات (عديدة) عقدها الرئيس مع الإعلاميين شبابهم مرة وشيوخهم مرة أخرى، ورؤساء تحرير الصحف القومية تارة والخاصة تارة أخرى، فضلا عن الأدباء والمثقفين ــ مع التجاوز الشديد فى وصف كهذا ــ والقضاة بالإضافة إلى المجالس الاستشارية العلمية والأخرى المنوطة بالإصلاح المجتمعي وهكذا.. ووفق هذا الترتيب فإن أمامنا احتمالين لا ثالث لهما يصلحان للتفسير:
الأول: أن رؤية الرئيس ــ ومن يشير عليه ــ اختارت أن تبدأ التواصل الرئاسي مع كل هذه الفئات ابتداء لترتب البيت من الداخل، ومن ثم تتفرغ للقاء الأكثر أهمية، باعتبار أن الأحزاب تمثل عصب الحياة السياسية، وتسببت فى زخم إعلامي وجماهيري كبير ــ سلبيا كان أم إيجابيا ــ طيلة السنوات الأربع الماضية.. لو تبنينا احتمالا كهذا فلنتصور إذن أن التأخير كان (للأهمية) لا بناء على (الأولوية)، وبالتالي فلنتصور أيضا أن الرئاسة تنظر للأحزاب السياسية مجتمعة على أنها جزء من المشكلة، وهي أيضا جزء من الحل.
ساعتها سيكون اللقاء لتقريب المسافة التي يظنها البعض كبيرة، وللخروج برؤية شبه جماعية حول أولويات المرحلة المقبلة، باعتبار أن الأحزاب ــ نظريا ــ ستكون مسؤولا أساسيا فيها، والبرلمان تحديدا هو المقصود. والاحتمال الثاني: أن يكون الترتيب مقصودا يعكس رؤية الرئاسة لأولويات الوطن في هذه المرحلة الحرجة، أو هو ترتيب يعكس رؤيتها (المتشككة) في مدى صلاحية الأحزاب السياسية أصلا، للعب أي دور إيجابي في حياة المصريين في المستقبل المنظور.. وفي الحالتين فالأحزاب السياسية أمام تحد كبير لإثبات صلاحيتها وقدرتها على إحداث الفارق الإيجابي وتفهمها للظرف الراهن واستعدادها لنبذ الخلافات البينية والاستعلاء على التراشق الإعلامي الذي تُجر إليه جرا. وعلى فرض أي الاحتمالين، فإن العامل المشترك الواضح بينهما فجوة حقيقية في التواصل بين الجانبين، تستلزم مضاعفة الجهد لإثبات أن الهم والعزم موجهان للمشاركة في البناء واستكمال خريطة الطريق.. وفقط».

حسنين كروم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية