يحصلون على شهرة واسعة ويحظون بكثير من الاحترام والتقدير، وربما يتم تكريمهم في مناسبات عديدة تسلط عليهم الأضواء وتجعلهم متميزين من حيث الشكل الظاهري والتقييم العام، لكن أحداً لا يعرف شيئاً عن معاناتهم الشخصية وظروفهم الاجتماعية القاسية، الأدباء في مصر على وجه التحديد هم من يعيش مفارقة صعبة ما بين النظرة الاجتماعية لهم كونهم مثقفين وتنويريين وأصحاب فكر ورأي، وواقعهم الفعلي المرير كفئة لا تتمتع بأدنى أشكال الحماية، سواء الصحية أو المادية أو غيرها، منذ أصيب الشاعر أمل دنقل بالمرض العضال وتوفي على أثرة في ثمانينيات القرن الماضي وأثارت مسألة علاجه ضجة واسعة الأصداء، والأمر لا يزال معلقاً كما هو فلا شيء تغير، حالات العوز والفقر والاحتياج نفسها يعانيها الأدباء والمبدعون ممن يحترفون الكتابة الإبداعية ولا يشغلون مناصب أو وظائف تضمن لهم حد الكفاية.
لم يكن أمل دنقل حالة استثنائية خاصة، وإنما جاء قدره في وقت مبكر ليكون الواحد الصحيح الذي تبدأ به كارثة الكتاب والشعراء والمفكرين البؤساء، الذين أصابهم المرض أو أعجزتهم الشيخوخة عن مواصلة إبداعهم فصاروا مؤرقين باحتياجاتهم الضرورية هم وذووهم.
بعد وفاة أمل تكررت حالات كثيرة حرجة لم يتم الإعلان عنها حفاظاً على سمعة وكرامة أصحابها، ولكن أمام قسوة وفجاجة الأوضاع المزرية، بدأت صيحات الرفض لواقع الأدباء المؤلم تعلو ليس من جانبهم وحسب، ولكن أيضاً من جانب من يخشون المصير نفسه ويرغبون في تصحيح المسار الأدبي والإنساني والثقافي ليشمل بالرعاية والحماية المبدعين، وعلى سبيل المثال وليس الحصر سنذكر بعض أسماء الشخصيات التي كانت تتمتع بمواهب إبداعية وعانت الأمرين جراء الإهمال وفقدان الحماية الصحية، وماتت وهي لا تملك شيئاً يذكر، ولعلنا في هذا الصدد نذكر أبرز النماذج فقط، التي يأتي على رأسها الشاعر الراحل عبد الحميد الديب، الذي مات مغبوناً ساخطاً كونه لم يحظ بأي من درجات الاهتمام، وكذلك الناقد فاروق عبد القادر الذي مثّل مرضه وعلاجه أزمة حقيقية تسببت في إحباط أغلب الكتاب والأدباء، فالرجل الذي عاش حياته نزيهاً متعففاً عن التملق والمداهنة والرياء، مات فقيراً معدماً لم يترك شيئاً غير تراث ثقافي تمثل في عدد من المؤلفات والمقالات النقدية تشهد بحياده التام وانحيازه الأمين للكلمة فقط لا سواها.
وتعود أسباب هذه الأزمة إلى عدم وجود غطاء مؤسسي أو نقابي يحمي حقوق الكتاب والأدباء مساواة بالصحافيين والمحامين والأطباء والمهندسين، وبقية المهن التي تراعي النقابات فيها مصالح أعضائها، فالكيان الوحيد القائم والمعني بهذه المهمة في ما يتصل برعاية وحماية الكتاب والمبدعين هو اتحاد الكتاب، ولكن نظراً لضعف مصادر الدخل به فهو لا يملك القدرة على تلبية كل طلبات أعضائه واحتياجاتهم، وبالكاد يوفر ما تيسر من العلاج في الحالات الحرجة كونه يعتمد بالأساس على عائد الاشتراك السنوي لمجمل الأعضاء المقيدين فيه، بالإضافة إلى دعم بسيط من لا يمكن الاعتماد علية كركيزة أساسية للقيام بمهامه العلاجية والمعيشية لأعضائه من كبار السن أو المرضى، لذا فالشكوى لا تنقطع من سوء الأحوال بشكل عام ولا يوجد أفق لحلول جذرية لمآسي الكتاب والأدباء والمثقفين، ممن يمتهنون الكتابة ويتعايشون منها بغير مصدر آخر للرزق، ومن هنا فلا مجال لحل الأزمة إلا برد الاعتبار للمبدعين وكفالتهم كفالة كاملة ليكونوا بمنأى عن الجوع والفقر والمرض.
٭ كاتب مصري
كمال القاضي