الأردن: إشكالية النخبة وتكلفتها

هل يعيش الأردنيون نمطا حياتيا يفوق إمكانياتهم؟ وهل ممارسات المواطن الأردني تعتبر جزءا من المشكلة الاقتصادية التي وصلت إلى مرحلة تستدعي قلقا أردنيا وإقليميا أيضا؟
عدنان مزارعي الموظف الرفيع في صندوق النقد الدولي، تحدث للنواب منذ عدة أشهر حول حالة الرفاهية غير المنطقية التي ما زال الأردنيون يعيشونها، والسيد مزارعي غالبا يتعامل مع المشاهدات التي تتسابق أمامه لتعزز وجهة نظره، وهو يطل من شرفة فندقه في عمان الغربية، فبعثات المنظمات الدولية عادة ما تفضل الإقامة في المنطقة ذات الطابع الدبلوماسي بين الدوارين الثالث والخامس في عمان، وللعلم، فإن مقر الحكومة يقع على الدوار الرابع، وفي هذه المناطق يظهر بوضوح ما تعيشه عمان من رفاهية غير منطقية، ولكن تأخذ الصورة في الإعتام التدريجي مع الابتعاد عن الأحياء الراقية في عمان الغربية وصولا إلى المناطق النائية، والمشكلة في الأردن من ناحية التعاطي الشعبي مع مسألتي الرفاهية والفقر تتداخل مع كثير من المعطيات التي من الصعب أن يتفهمها الموظفون الأمميون الذين يتعاملون مع صور الفقر المدقع السائد في شرق آسيا وأفريقيا ويرون الأردن في المقابل يشكو بدون سبب حقيقي مع هذه المقارنة.
الطبقة السياسية في الأردن واصلت السحب على المكشوف وبصورة استنزافية وضللت المواطنين كثيرا، وأمام نزعة شعبية سعت لتأسيس تجربة إصلاحية وديمقراطية سبقت الربيع العربي بأكثر من عقدين من الزمن في أبريل 1989، وأمام أنضج تجربة سياسية قومية – اشتراكية في الخمسينيات مع حكومة سليمان النابلسي، فإن العمل على الرشوة المتواصلة للأردنيين، من خلال الوعود الاقتصادية كان منهجا حكوميا، وأمام حالات الاستغلاق الصعبة أمام الاقتصاد الأردني، فإن حلولا تضليلية كان يجري ترويجها بصورة واسعة، فكانت الأحاديث تضخم جدوى الصخر الزيتي وتجعله الرافعة التي ستنقل الأردن إلى مصاف الدول الخليجية، وفي أوقات أخرى كان يتم تسويق حصول الأردن على ثمن اقتصادي كبير مقابل دوره السياسي، خاصة في موضوع اللاجئين والقضية الفلسطينية.
أما الفساد فكان دائما أحد الأوراق التي تربك الجميع، وللأسف جرى استخدام الفساد في الأردن بصورة فاسدة، بوصفه أداة تثبيط وإحباط أمام ضرورة مواجهة المشكلة الأهم على المستوى الوطني.
الفساد المباشر في الأردن لا يصل بالطبع إلى الحدود الخرافية التي يجري الحديث عنها، والفساد – السوبر – أو الميجا فساد فهو ظاهرة مستجدة، وفي الواقع فإنه يشكل جزءاُ من المشكلة، وعلى الرغم من ضرورة محاصرته ومتابعته، فإنه لا يمثل شيئا يذكر أمام حقيقة تهالك واهتراء منظومة إنتاج النخب في الأردن، والعقم الكامل في بعض الأدوار المؤسسية نتيجة عدم القدرة على إتاحة الفرصة للدماء الجديدة لتطرح تصوراتها وحلولها.
الجيل الجديد الذي يفترض أن يتصدى للتحديات الكبرى في الأردن لم يكن هو الجيل الذي جرى إعداده في الثمانينيات والتسعينيات من شباب الأردن ومن مخرجات نظامه التعليمي ومن طبقته الوسطى، فالكوادر المحبطة من أبناء ذلك الجيل وجدت فرصا أخرى في دول الخليج العربي والولايات المتحدة تحديدا، ومن يتسيدون المشهد هم أبناء العائلات السياسية المكرسة في الأردن، وما زالت بعض العائلات تبحث عن مزيد من التكريس، وتقدم نفسها بوصفها أحد المرتكزات الأساسية التي تقوم عليها المملكة، وأنها الوسيط الشرعي والممثل التوافقي لمختلف التيارات الشعبية والوطنية.
ولعل من أخذوا يبرزون من خارج تحالفات العائلات التقليدية أو أبناء بيروقراطية الستينيات والسبعينيات فإنهم تحولوا إلى منصة تتهاوى عليها معاول المنافسين القدامى، فوصفوا بالليبراليين والتخريبيين والتفكيكيين، مع أن خصومهم السياسيين وأصحاب نظريات ثروات الأردن من النفط والغاز التي تخفيها قوى التآمر والظلامية العالمية، يعرفون أن الأردن بالفعل كان يعيش نمطا من الحياة مبالغا فيه ورفاهية غير مبررة وذلك ليستمر بقاؤهم في مواقعهم السلطوية، وتجهض أي محاولات لإزاحتهم من المشهد السياسي، وعلى ذلك تواطأت هذه القوى، التي استغلت جميع المناورات السياسية فحاولت أن تعطي الصراع على المواقع القيادية صبغة إقليمية أو جهوية، أو حتى طائفية، بينما الحقيقة أنها اشتركت بالتكافل والتضامن في الحيلولة دون تأسيس حياة سياسية صحية تستطيع أن تستوعب الجميع، وفضلت أن تقوم بتغذية غرائزية الرعية على حساب مبادرة المواطنة.
إن الاستنزاف الذي أنتجته حالة عقم الحياة السياسية والإصلاح الذي يعتوره الإعوجاج أدى إلى عدم القدرة على إنتاج أبسط مقومات الحياة السياسية في السلطة التنفيذية والتشريعية، واستطاع أن يؤسس لنظام من المحاصصة القائمة على اعتبارات جهوية وعشائرية محضة، خاصة أن هذه المكونات قدمت نفسها بوصفها العمق الشعبي للنظام، بينما لم تدرك في معظمها أنها فشلت عمليا في متابعة أداء دور التوسط لمغادرتها قواعدها الشعبية، وتروى قصة بين أهالي إحدى المدن الجنوبية حول أحد أبناء عائلات المنطقة الممتدة والمسيطرة، الذي تمكن من الاشتغال بمناصب متقدمة في الدولة الأردنية، حين لم يتمكن من الاستدلال على قريته لأداء واجب العزاء، وعلى الرغم من أن القصة يمكن أن تكون رمزية أكثر من كونها واقعية، إلا أنها تدلل على حالة الانفصام بين النخبة التي أصبحت كيانا مغلقا يقوم بالتكاثر ذاتيا، أو لنقل ضمن مجموعة محدودة من العائلات والفروع، وهو الأمر غير الصحي سواء في علم البيولوجيا أو في عالم السياسة.
الإصلاح الذي يمضي بخطى عرجاء أغفل قانونا عصريا وجريئا وجذريا في شكله ومضمونه للدفع بالحياة الحزبية، فهو يعمل على إبقاء الأحزاب بوصفها أحد أشكال المجتمع السياسي، والأصل في بلد مثل الأردن أن تكون ثمة حوافز فعلية للتحزب، ولذلك فإن رفد مجلس النواب أو الجهاز الحكومي بالكوادر القادمة من تجربة سياسية أصبح أمرا مستبعدا، وكل ما يحدث هو عملية تطعيم محدودة تقوم على استمالة بعض الشخصيات المعارضة لإدخالها إلى اللعبة السياسية، فتؤدي بكل ما تمارسه من ازدواجية إلى حالة من الإحباط ومزيد من الفكر بالمشاريع والحلول الحزبية.
مرة أخرى، الفساد في الأردن جسيم ويجب مواجهته، ولكن قبل الفساد ثمة عدو خفي يتمثل في النخبة الكسولة التي تعيش حالة انغلاق كامل، للدرجة التي أفرزت المرة بعد الأخرى حالات من السياسيين المصابين بفوبيا الاستهداف، والقناعات القائمة على وجود تحالفات ومؤامرات ضدهم، وكأن المطلوب هو العمل على إنجاحهم وإتاحة الفرصة الكاملة لهم، وهو ما يتعارض أصلا مع فكرة التنافس السياسي الضرورية، من أجل تجديد البنى المؤسسية وجعلها أكثر مرونة وقدرة على المواجهة، وهذه الفئة من النخبة بكل ما حملته من أفكار مسبقة عن أهليتها المبدئية لاعتلاء المناصب المرموقة واستحقاقها التاريخي لذلك، وبكل ما أدى له ذلك من تغــــيب للمخيلة والشجاعة السياسية، هي مسؤولة عن وجود العديد من الاختلالات والإمكانيات المهدرة التي بدت من دون طائل، ورأت أن التواطؤ الضمني مع قطاعات واسعة من الأردنيين تحصلت على مزايا الدولة الريعية، يجنبها خوض تجربة حقيقية على أرضية الإنجاز والعائد الذي يمكن قياسه. واستمرت هذه الحالة لتضع الجميع أمام حقيقة مؤداها أنه لا يمكن الاستمرار طويلا، أو أن أحد المعجزات التي عولت عليها هذه النخبة أو الطبقة السياسية يمكن أن تحدث قريبا.

٭ كاتب أردني

الأردن: إشكالية النخبة وتكلفتها

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية