الأردن وأطياف اللويا جيرغا

عادت الوجوه نفسها لتطل على الأردنيين من جديد من خلال اللافتات الانتخابية التي يمكن أن تؤشر لظواهر سياسية وأخرى غير سياسية من أهمها، تطور سوية العاملين في مجال الإخراج الفني، والتعامل مع برنامج الفوتوشوب الذي يعطي المرشح ملامح جذابة ومتناسقة.
فالأردنيون المحبطون من المجالس النيابية السابقة لا يجدون ما يدفعهم للاعتقاد بأن المجلس المقبل سيمثل استثناء وسيكون قادراً على الاضطلاع بمسيرة الإصلاح التي أخذت في التباطؤ في العامين الأخيرين.
الوجوه ذاتها، ومعها وجوه جديدة وفرت تمويلاً كبيراً لحملاتها الانتخابية، لا تمتلك أصلاً الرؤية والبرامج السياسية لمواجهة التحديات المقبلة، ولن تستطيع أن تنتج دوراً أو سلوكاً يستطيع أن يحقق التوازن مع التوجهات الحكومية، فضلاً عن أن النواب أثبتوا المرة بعد الأخرى ضعف حيلتهم في مواجهة الفساد بافتراض أنهم يقفون على الأرضية التي تمكنهم من التصدي لملفات الفساد الكثيرة والمتراكمة.
المستجد الرئيسي في المعادلة الانتخابية لهذه المرة يتمثل في عودة الإخوان المسلمين للمشاركة في الانتخابات، مع تطلعهم لحصة معقولة في المجلس المقبل، الإخوان واصلوا مقاطعة الانتخابات، بعد الشبهات الواسعة بعمليات تزوير وصلت لإعادة هندسة الحياة النيابية سنة 2007 اقترفها مدير المخابرات السابق محمد الذهبي، وعودتهم من جديد للسباق الانتخابي مسألة جديرة بالاهتمام على المستوى المحلي والإقليمي، ذلك أن نجاحهم في تحقيق أهدافهم المعلنة من المشاركة سيؤشر بالضرورة على بداية تعافي التنظيم ومعه الفكر الإخواني بعد الضربات المتلاحقة التي تعرض لها منذ إسقاط الرئيس المصري محمد مرسي، وسيؤكد على الأهمية المعنوية للنقاط المتتابعة التي يحققها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد إحباط الانقلاب العسكري الذي استهدفه منذ أسابيع.
في مقابل الحضور الإخواني يواصل اليسار الأردني انكفاء غير مبرر، ويحجم عن دخول المعترك الانتخابي بصورة صريحة ومؤثرة، فالنائبة السابقة عبلة أبو علبة ارتضت أن تحجز مكاناً متواضعاً في قائمة أحد الوافدين الجدد الذي رصدوا أموالاً طائلة لتمويل حملتهم الانتخابية، وهو الأمر الذي لا يليق أصلاً بالتاريخ السياسي للسيدة التي تشغل منصب الأمين العام لأحد الأحزاب اليسارية الأردنية، وتدرك الأحزاب في الأردن أن الحكومة غير معنية أصلاً بدخول نواب يمتلكون مواقف مبدئية ويستطيعون التحرك ضمن تحالفات يمكنها أن تشاغب على مشروعاتها التي تمضي لمزيد من القرارات الاقتصادية الموجعة.
إعادة هندسة المشهد النيابي التي ابتدعها الذهبي ما زالت قائمة، والمشهد النيابي يتوزع بين فريقين، الأول يسعى للاستحواذ على العطاءات والمعاملة التفضيلية والمحاباة من قبل الأجهزة الحكومية من أجل نجاحه التجاري والمالي، وهذا الفريق ينافح عن مكتسباته الذاتية، بينما الفريق الثاني فيبحث عن موقع في خريطة المحاصصة الأردنية، خاصة أن معظم أعضائه غير مؤهلين للدخول في لعبة التحاصص على المواقع الوزارية، وكل ما يطمح له أعضاء الفريق هو بعض المزايا الصغيرة ومكانة اجتماعية من شأنها أن ترافقهم لسنوات، ولا يوجد ما يمنع بعض الموهوبين منهم من الدخول من الباب الخلفي لعالم المكتسبات في العطاءات الحكومية والانطلاق في تجربة البيزنس بصورة مباشرة أو غير مباشرة من خلال بعض الشركاء.
ضمن هذا المشهد النيابي كانت حكومة عبد الله النسور تمرر العديد من القوانين المهمة في زمن قياسي وبدون كثير من الجلبة، فالجميع قادمون ضمن أدوار متعارف عليها مسبقاً، وكانت الفضيحة مكتملة الأركان تتمثل في سعي النواب لمساواتهم مع الوزراء في مزايا التقاعد من خلال ماراثون متواصل من المناقشات، بينما جرى تمرير قانون صندوق الاستثمار الذي يشتمل على بنود تحتاج لمناقشات مستفيضة ووقفات طويلة خلال زمن قياسي وبدون معارضة حقيقية أو احتكاكية لبنوده، فالقانون استغرق أقل من عشرين يوماً منذ طرحته الحكومة في 4 مايو 2016 وتمكن من العبور خلال اللجنة المختصة في مجلس النواب، ليحال لمجلس الأعيان ويعود من جديد ليجري إقراره في 23 مايو، ولا أحد يعلم كيف يمضي قانون يحتاج لمشاركة عشرات الخبراء الاقتصاديين في مناقشته وتنقيحه لأثره على البنية الاقتصادية في المملكة ومساسه بالأصول الاقتصادية الوطنية خلال أقل من عشرين يوماً.
أخذت الحكومة تنتهج سلوكاً تعبوياً وأطلقت الهيئة المستقلة للانتخابات حملة أتت تحت عنوان «أنا أشارك إذاً أنا أردني» لتضرب عرض الحائط بكل القيم الحداثية التي يسعى الأردن لتطبيقها واعتناقها، فالخطاب الشمولي الاقصائي الذي تحمله هذه العبارة يؤكد على التوتر الذي يسود أجواء الهيئة المستقلة ومخاوفها من الحملات التي تنادي بمقاطعة الانتخابات، التي وجدت أصداءها على مواقع التواصل الاجتماعي.
يدرك الناخبون من تجاربهم السابقة أن الشعارات الانتخابية في الأردن مجرد كلمات خاوية، ففي ذاكرة الأردنيين نواب وصفوا أنفسهم بالمنافحين عن الحق والصوت الذي لا يمكن إسكاته، بينما التزموا الصمت طوعياً أثناء وجودهم تحت القبة ولم يتدخلوا في شيء، ويتذكرون أيضاً نواباً وعدوا وتوعدوا بفضح العديد من ملفات الفساد وتغيبوا عن المجلس لفترات طويلة من أجل التفرغ لشؤونهم الشخصية لتظهر عليهم علامات الثروة المستجدة بدون وجود ما يفسر ذلك التحول الصارخ في أنماط حياتهم.
بينما أعلن الأردن سعيه لمزيد من الانفتاح والديمقراطية، فإن أطياف نموذج اللويا جيرغا الأفغاني ما زالت تلقي بظلالها على نسبة واسعة من المرشحين الذين يتحركون ضمن الفضاء العشائري والجهوي، ويدلل على ذلك أن أول التحركات التي انطلقت بخصوص الانتخابات المقبلة كانت في المجالس العشائرية، التي سعت للوصول إلى مرشحي الإجماع العشائريين، بحيث تحاول العشيرة أن تضمن موقعاً لأحد أبنائها في المجلس النيابي وتتجنب تشتيت الأصوات الذي يتيح للعشائر الأخرى الاستحواذ على المقعد النيابي الذي تراه كل عشيرة حقاً مشروعاً لأبنائها، ومع أن العشيرة تحاول دائماً أن تصل بأحد أبنائها الذين يملكون تأهيلاً علمياً مناسباً، إلا أن العشيرة تلزمه من حيث المبدأ أن يبقى مرتهناً لخدمتها، وكثير من النواب الذين حملتهم العشيرة كانوا يستنزفون من خلال سعيهم بين الدوائر المختلفة من أجل متابعة مصالح أبناء عمومتهم الذين حملوه على أكتافهم للموقع النيابي.
الحكومة الأردنية موزعة بين حاجتها لمجلس نيابي يستطيع أن يرضي الفعاليات الشعبية المختلفة وأن يقدم صورة مقبولة لدى المجتمع الدولي تؤكد على جدية المسعى الإصلاحي، وبين الوصول بنواب يمكن العمل على توجيه أدائهم بما يكفل قدرة الحكومة على تمرير أي من القرارات والقوانين التي ستحتاجها في المرحلة المقبلة بما ستنطوي عليه من اجراءات اقتصادية ستزيد من الأعباء المترتبة على المواطنين وستزيد من الهوة القائمة بين المجلس النيابي الذي يفترض أن يمثلهم أمام السلطة التنفيذية، بينما ينحصر دوره في تمكين الحكومة من الحصول على الشرعية لأكثر قراراتها المثيرة والجدلية وغير الشعبية.
كاتب أردني

الأردن وأطياف اللويا جيرغا

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية