■ مساء الجمعة والسبت 23-24 أكتوبر كان لون الأمم المتحدة الأزرق يكسي نحو 350 معلما عالميا، احتفالا بعيد ميلاد المنظمة الدولية السبعين.
ومن بين تلك المعالم المهمة أهرام الجيزة ومدينة البتراء الأردنية وسور الصين العظيم وبرج إيفل الباريسي ومبنى ويستمنستر في لندن وبرج بيزا المائل الإيطالي وتمثال اليسوع المخلص في ريو دي جانيرو ودار الأوبرا بسيدني وبناية الإمبير ستيت في نيويورك وغيرها الكثير. فهل تستحق هذه المنظمة أن يحتفل العالم بعيدها السبعين؟ وهل قدمت لشعوب العالم من الإنجازات ما يجعل سبعة مليارات إنسان، موزعين على دول وأراض وجزر وصحارى يشعرون بوجودها، ويلمسون آثارها ويحتمون بها من أخطار الحروب والكوارث الطبيعية والتقلبات البيئية وأسلحة الدمار الشامل والأمراض المعدية؟ كيف يشعر أبناء هذا الكوكب عندما يرون على الشاشة صورة البناية الزجاجية، أو تنقل الفضائيات جلسة مفتوحة لمجلس الأمن.
في هذه العجالة نود أن نقدم صورة موضوعية للمنظمة الدولية وإنجازاتها وإخفاقاتها خلال العقود السبعة، بعيدا عن التنميط وترداد الأحكام الجاهزة.
المنظمة الدولية وأعمدتها الثلاثة
حتى نفهم المنظمة الدولية والأدوار التي أوكلت إليها لا بد أن نعود لرسم المشهد العالمي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، التي خلفت أكثر من 60 مليون قتيل واحتلال دول وتحطيم دول أخرى وحركات تطهير عرقي ومجازر. كما أن أخبار المحرقة اليهودية تخيم بظلالها على العالم، وغبار القنبلتين النوويتين اللتين ألقيتا على هيروشيما وناغازاكي، ما زال منتشرا في الأجواء. مجاعات تنتشر في العالم وحركة نزوح غير مسبوقة وشبه انهيار لدول كانت عظمى وصعود دولتين لا منافس لهما على المسرح الدولي هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. في ظل هذا المشهد الدموي أنشئت المنظمة لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: حل النزاعات بالطرق السلمية وحماية حقوق الإنسان بدون تمييز قائم على لون أو جنس أو دين أو عرق أو وضع اجتماعي، والعمل على تنمية الدول الفقيرة وإلحاقها بركب التقدم والتطور. وكي تكون أحكامنا عادلة عند تقييم المنظمة الدولية، لا يجوز أن ننظر إليها بعدسة حل الصراعات ونشر السلام والأمن الدوليين فحسب، بل يجب أن تشمل عملية التقييم باقة الأنشطة في المجالات الإنسانية الأخرى التي تضم منظومات التنمية والتشريعات العديدة لحماية حقوق الإنسان.
المنظمة الدولية وحل الصراعات بالطرق السلمية
المنظمة الدولية والطريقة التي ركبت فيها الأجهزة الأساسية، خاصة مجلس الأمن، تعتبر صورة لموازين القوى العالمية آنذاك. فقد أعطت الدول الكبرى نفسها الحق في حل الصراعات الدولية، ولكن بشرط حصول إجماع بين القوى الخمس الأساسية. وقد أصر ستالين على هذا الإجراء الاحترازي خوفا من تفرد الولايات المتحدة بالقرار، حيث تجلس إلى جانبها ثلاث حليفات، هي فرنسا وبريطانيا والصين الوطنية (تايوان) قبل أن تطرد عام 1971 ليجلس في مقعدها ممثل الصين الشعبية. وأي خروج عن إجماع الخمس الدائمة يعني نقض مشروع القرار وهو ما سمي بالفيتو. هذا الإجماع لم يدم طويلا، فقد انعكست الحرب الباردة التي يمكن أن نعتبر عام 1947 بداية لها، على المنظمة الدولية، فشلت حركتها وعطلت قدراتها ودخل العالم مرحلة الحروب بالوكالة، فوقف الاتحاد السوفييتي مع حركات التحرر ومنظومة الدول التي اختارت النظام الاشتراكي، بينما دعمت الولايات المتحدة ووفرت الحماية لكل الأنظمة الدائرة في فلكها في أوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا، واحتضنت الكثير من الأنظمة الفاشية والطغاة، بل عملت على قلب أنظمة الحكم التي تعارض هيمنتها حتى لو جاءت بالانتخابات الشرعية. وإذا حصل وكان هناك توافق بين الدولتين يكون حلا وإن لم يكن توافق فالحروب تستمر لسنوات وعقود.
من سوء حظ فلسطين أن الدولتين العظميين، ولأسباب مختلفة، وافقتا على قرار ظالم غير شرعي وهو تقسيم فلسطين وإعطاء الجزء الأكبر منها لأقل من ثلث السكان، الذين وصلوا مهاجرين من دول أوروبا الشرقية أساسا، بدون أخذ رغبات السكان الأصليين بعين الاعتبار، في ظل غياب وتغييب الشعوب العربية وتآمر حكامها أو عجزهم عن منع هذه الجريمة التي لا يمكن ولو بعد ألف عام أن تغير الصورة القبيحة للأمم المتحدة لدى الشعوب العربية مهما فعلت وأنجزت. لقد استعملت الأمم المتحدة غطاء لمصالح الدول الكبرى التي رأت أن حل المسألة اليهودية، التي هي مشكلة أوروبية وليس للعرب دخل فيها، على حساب الشعب الفلسطيني خاصة، والعرب عامة، بزرع كيان استعماري إحلالي استيطاني مدجج بالسلاح والحقد التاريخي، ليبقي العرب في حالة انقسام وصراع دائمين، ويبدد ثرواتهم ويجعلهم عرضة للنهب والاستغلال مقابل حماية كيانات هزيلة مرتبطة أصلا بالدول التي أنشأت إسرائيل.
هذا لا يعني أن الأمم المتحدة لم تستطع حل صراعات أخرى في العالم. فكلما حصل التوافق في مجلس الأمن كان هناك حل، بل واستطاعت الدولتان حل أزمة قناة السويس عام 1956 خارج إطار مجلس الأمن، من خلال الجمعية العامة بسبب الفيتوين الفرنسي والبريطاني، وأمرت الدولتان بانسحاب القوات الغازية من السويس وبالفعل تم الانسحاب. وقد بلغ مجموع الأزمات الدولية التي استطاعت الأمم المتحدة إيجاد مخرج لها في ظل توافق دولي نحو 172 صراعا، يشمل القارات الخمس من كمبوديا إلى ناميبيا ومن نيكاراغوا والسلفادور إلى تيمور الشرقية وروديسيا (زمبابوي لاحقا) ومن هايتي إلى الكويت وإيران والعراق، ومن كوسوفو والبوسنة إلى سيراليون وليبيريا، ومن إنهاء نظام الأبرثايد في جنوب أفريقيا إلى محاكمة مجرمي الحرب في رواندا ويوغسلافيا وكمبوديا.
ومن أهم إنجازات الأمم المتحدة في هذا المجال حركة «تصفية الاستعمار» واعتماد القرار 1514 (1960) الذي يعطي الدول والشعوب الخاضعة للاستعمار حق تقرير المصير وإنهاء الاستعمار والحصول على الاستقلال السياسي، الذي فتح الطريق أمام طرد القوى الاستعمارية من معظم دول العالم، وفتح المجال لانضمام عدد كبير من دول العالم النامي للأمم المتحدة، التي بدأت تدخل تغييرات جذرية على مسار الأمم المتحدة، خاصة في المجالات التنموية والصحية والثقافية والاجتماعية.
في موضوع حقوق الإنسان
لقد ذكر مصطلح «حقوق الإنسان» سبع مرات في الميثاق، وتم إنشاء لجنة حقوق الإنسان عام 1946. ومنذ اعتمدت الجمعية العامة «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» عام 1948، الذي يحمل قيمة معنوية عالية تضعه في مرتبة ثانية بعد ميثاق الأمم المتحدة، دخلت حقوق الإنسان مجال القانون الدولي، حيث تعاظم موضوع حقوق الإنسان وتشعب، ليشمل عددا كبيرا من المعاهدات والاتفاقيات والمواثيق الدولية، التي تغطي كافة شرائح البشر، وتحرِّم قانونا الكثير من أنشطة التمييز والاضطهاد والتعذيب والاستعباد والاتجار بالبشر وعمالة السخرة وتجنيد الأطفال وتشغيلهم، وأصبحت حماية حقوق الإنسان جزءا أساسيا من مهمات عمليات حفظ السلام. ولا يتسع المجال هنا لتعداد كافة المعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، لكن من الضروري أن نذكر العهدين الدوليين المتعلقين بالحقوق المدنية والسياسية من جهة، والحقوق الاجتماعية والثقافية والاقتصادية من جهة أخرى، وقد أقرا عام 1965، واتفاقية مناهضة التمييز ضد المرأة (1979) واتفاقية حقوق الطفل (1989) والإعلان الدولي لحقوق السكان الأصليين (2007) والمعاهدة الدولية لحقوق العمال المهاجرين وعائلاتهم (1990) واتفاقية مناهضة التعذيب (1984) والاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين وعديمي الجنسية (1951) والمعاهدة الدولية لحقوق الأشخاص المعاقين (2006). ولعل إنشاء المحكمة الجنائية الدولية (1998) ومجلس حقوق الإنسان (2006) من أعظم إنجازات الأمم المتحدة في هذا المجال. فالمحكمة، رغم كثير من العقبات، تعني أن هناك آلية لملاحقة مجرمي الحرب ومحاكمتهم، كما أن المراجعة الدورية في المجلس لكافة دول العالم لا تسمح لدولة أن تختبئ وراء حدودها وتنتهك حقوق الناس وهي في مأمن من المساءلة وافتضاح ممارستها ونشر غسيلها القذر على مرأى من العالم.
ميدان التنمية
لقد خصصت المنظمة الجزء الأكبر من أنشطتها في ميدان التنمية وأنشأت عددا كبيرا من المنظمات والبرامج والصناديق المتخصصة المتعلقة بأشكال التنمية الإنسانية، التي تشمل كافة أنحاء النشاط البشري، الذي من شأنه أن يرفع من مستوى معيشة الأفراد والشعوب، ويبعد عنهم شبح المجاعة والخوف والتشرد والقتل واللجوء والكوارث الطبيعية والجفاف والتصحر. ويكفي أن نعرف أن البنك الدولي لوحده صرف أكثر من 330 مليارا على مشاريع التنمية في الدول النامية، وهناك آلاف المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تم إنجازها في كل القارات، وأن اليونسيف تصرف سنويا نحو 800 مليون دولار على أنشطة تتعلق بالأطفال، لنعرف حجم النشاط الإنمائي الذي تطلع به المنظمة الدولية. والتنمية كلمة شاملة تتسع لكل الأنشطة الإنسانية من صحة وتعليم وسكان وغذاء وتشغيل وتدريب ونقل للتكنولوجيا وبناء مؤسسات الدولة، ضمن حكم رشيد يخدم مصالح الشعب ومحاربة الفقر والرعاية الصحية ونزع السلاح وتطهير الأرض من الألغام الأرضية وحماية البيئة ومساعدة اللاجئين والنازحين، وتقديم الغذاء للجوعى ودعم تعليم النساء واليافعات وتمكين المرأة وتدريبها ونقل التكنولوجيا وتحديث الزراعة، وتقنين التجارة وغيرها الكثير. ففي العقد الأخير فقط أمنت الأمم المتحدة ماء الشرب النظيف لـ1.3 مليار إنسان. كما أنها تحصن سنويا خمسة ملايين طفل ضد الحصبة وشلل الأطفال والسل والجدري. لقد كان أعظم إنجازات الأمم المتحدة في المجال الصحي رفع معدل الأعمار في العالم النامي من 37 سنة عام 1960 إلى 67 الآن، كما رفعت نسبة التعليم بين الفتيات من 36٪ عام 1970 إلى 56٪ عام 1990. وتكاد الآن المنظمة الدولية ووكالاتها المتخصصة أن تقضي نهائيا على داء نقص المناعة البشري والإيبولا وشلل الأطفال.
العرب وغيابهم عن المسرح الدولي
يضع العرب عادة اللوم على المنظمة الدولية في كل ما يلحق بهم من أذى ودمار وخراب. لكن الحقيقة أن المسؤولية لا تقع إلا على النظام العربي الرديء والمتخلف والمفكك. ولو كان هناك موقف عربي موحد وقوي ومدعوم ماليا وسياسيا لحقق العرب إنجازات كبرى. فبعد حرب أكتوبر 1973 وأزمة النفط وبروز العرب على المسرح الدولي، استطاعت المجموعة العربية أن تفرض اللغة العربية لغة رسمية سادسة في الأمم المتحدة، وأن يدخل ياسر عرفات بمسدسه في قاعة الجمعية العامة وعلى منصة الرئاسة عبد العزيز بوتفليقة وأن يعتمد قرار 3379 (1975) «الصهيونية شكل من أشكال العنصرية» الذي ألغي عام 1991 بعد تفكك العرب وذهاب ريحهم وخيانة بعضهم لنضال الأمة ضد أعدائها.
الأمم المتحدة مرآة صقيلة تعكس جمال الوجه، إن كان جميلا وقباحته إن كان قبيحا وقوة عضلات الجسم إن كان صلبا وهشاشته إن كان ضعيفا وذابلا وآيلا للسقوط. فلا يتوقعن أحد أن ينظر إلى المرآة بوجه قبيح وذابل ومكسور فترتد إليه صورة معاكسة تجمل القبح وتخفي الضعف وتستبدل التجعدات بالنضارة والشيب بالشباب. فأي الوجهين نملك الآن؟
٭ محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرزي
د. عبد الحميد صيام