«الأهرام» تنشر مقالا رفضته الصحف المستقلة عن عدم نشر السيسي في الجريدة الرسمية إقرارا بذمته المالية

حجم الخط
2

القاهرة ـ «القدس العربي»: تعددت الأخبار والموضوعات المهمة في الصحف الصادرة يومي السبت والأحد، وكان أولها الزيارة المفاجئة التي قام بها الرئيس السيسي للسعودية واستغرقت عدة ساعات فقط، اجتمع خلالها مع الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن نايف وولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وذلك في أعقاب التغييرات التي أحدثها الملك سلمان.
وأصطحب الرئيس معه وزير الخارجية سامح شكري ورئيس المخابرات العامة خالد فوزي ومدير مكتبه اللواء عباس كامل. وحضر الاجتماع السفير المصري في السعودية عفيفي عبد الوهاب. وتركيبة الوفد المصري تشير إلى أن الزيارة تضمنت التطرق إلى قضايا معينة وليس التهنئة فقط وإلا لقام بها السيسي منفردا.
والموضوع الثاني الذي اهتمت به الصحف كان الصراع الذي انفجر داخل «حزب الوفد» وبحق عدد من أعضاء الهيئة العليا، والاجتماع الذي عقد وأعلنوا فيه سحب الثقة من رئيس الحزب السيد البدوي، وما حدث من رد سريع من عقد الهيئة العليا للحزب بحضور ثلاثين من أصل خمسين، اجتماعا قررت فيه إحالة كل من رئيس الحزب السابق صديقنا محمود أباظة وفؤاد بدراوي حفيد سراج الدين، وياسين تاج الدين نائب رئيس الحزب، ومصطفى رسلان وعصام شيحة وشريف طاهر ومحمد المسيري وأحمد يونس وعبد العزيز النحاس للتحقيق وتجميد عضويتهم لمخالفتهم لائحة الحزب. وأكد السيد البدوي رئيس الحزب أنه كان من حقهم جمع عشرين توقيعا من أعضاء في الهيئة العليا أو خمسمئة من أصل ثلاثة آلاف وسبعمئة من أعضاء الجمعية العمومية، بطلب سحب الثقة منه، كما تنص اللائحة. وقال عن انخفاض وديعة الحزب أنها بلغت عام 2010 حوالي سبعين مليون جنيه جاءت من أرباح جريدة «الوفد»، واضطر الحزب بقرار من الهيئة العليا، لكسرها لدفع ديون الجريدة ومرتبات صحافييها والعاملين فيها، حتى لا يتم غلقها بعد الخسائر التي تعرضت لها بسبب نقص الإعلانات بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011، وهو ما تعرضت له كل الصحف ووصلت الآن إلى أربعين مليون جنيه، أي أنه لم يبدد الوديعة كما ادعوا.
وبينما اكتفت كل الصحف بنشر الأحداث بحيادية، فإن صحيفة «البوابة» واصلت هجماتها واتهاماتها للبدوي، لدرجة أن عنوانها الرئيسي في الصفحة الأولى أمس كان «المطرود.. عزل سياسي للسيد البدوي خلعوه من رئاسة الوفد واتهموه بإهدار ستين مليون جنيه من الوديعة»، وبصراحة هذا تدخل يصعب قبوله بالمرة، لا سياسيا ولا مهنيا، خاصة عندما اتهمت الجريدة من أيام البدوي بالاشتراك في مؤامرة للإطاحة بالرئيس وتفكيك الدولة المصرية، وهو عمل يرقى إلى مستوى الخيانة.
ومن بين الأخبار المفاجئة إعلان صديقنا نقيب المحامين وأحد المتنازعين على رئاسة الحزب العربي الديمقراطي الناصري سامح عاشور، تخليه عن المنصب، وهو ما أدى إلى موقف صعب للاثنين الآخرين المتنازعين على الرئاسة، صديقينا الدكتور محمد أبو العلا وأحمد حسن، لتظل خيبتنا الكبيرة مستمرة. ويبدو أنه لا أمل لنا في حزب أو حركة قادرة على تجميع التيار الأكبر والمشتت في مصر، وهو مرض تمكن بالفعل منا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفجأة ظهر جمال مبارك لثاني مرة بعد ظهوره مع شقيقه علاء في سرادق عزاء والدة زميلنا وصديقنا مصطفى بكري، إذ ظهر هذه المرة في الأهرامات مع زوجته وابنته. أما اهتمامات الغالبية فلا تزال متجهه إلى امتحانات المدارس التي ستبدأ بعد أيام وفواتير الكهرباء وحالة التيار الكهربائي في الشهر الكريم، والتصريحات الحكومية المتتالية بأنها اتخذت كل الترتيبات لتوفير الوقود اللازم للمحطات، حتى لا تتوقف وتوفير السلع الأساسية والتمتع بمشاهدة المسلسلات والبرامج التلفزيونية الجديدة والسهر في المقاهي حتى الفجر.
وإلى بعض مما عندنا…

المنافسة على شخصيات المرشحين وليس أصوات الناخبين

ونبدأ ببعض المعارك القليلة والمتفرقة، وأولها لزميلنا وصديقنا عادل حمودة مؤسس جريدة «الفجر» الأسبوعية المستقلة، وأول رئيس تحرير لها، وقوله يوم الخميس فيها عن رجل الأعمال نجيب ساويرس مؤسس حزب المصريين الأحرار، ومحاولاته التي قال عنها عادل بأنها تستهدف مشاركة الرئيس السيسي في الحكم، عن طريق عمل المستحيل ليحصل حزبه على أكثرية في انتخابات مجلس النواب المقبل، ليترأس الحزب حكومة تنافس الرئيس في سلطاته، بما يمنحها الدستور من سلطات كبيرة، قال حمودة: «مثلما خصخص نجيب ساويرس شركات عامة حقق من ورائها ملياراته الثقيلة، يسعى إلى خصخصة سلطات عامة تشريعية وتنفيذية يحلم بسطوته عليها، ليشارك الرئيس، بنص الدستور فيها، ولو كانت الشركات التي خصخصها قد باعها لأجانب يمثلون شركات متعددة الجنسيات، فإننا لا نعرف مصير السلطة التشريعية والتنفيذية لو نجح في السيطرة عليها؟ هل سيتنازل عنها لحكومات متعددة الجنسيات؟
وما يثير الدهشة أن «البيزنس مان» الشهير كون ثروته الهائلة في عصر مبارك، ثم سارع بالقفز من سفينة النظام فور أن تعرضت إلى عاصفة الثورة، وأصبح في ما يثير التعجب والذهول عضوا في ما سمي بلجنة «الحكماء»، التي طالبت بنسف الحزب الوطني وقطع دابر نوابه بعد وصمهم بالفساد السياسي.
ولأول مرة في تاريخ الانتخابات البرلمانية لا نجد المنافسة على أصوات الناخبين، وإنما نجدها على شخصيات المرشحين. إن ثقل نواب كل حزب ستحدده الأموال المخصصة لشراء نواب الحزب الوطني، ولأن أسعار النخاسة البرلمانية ليست مرتفعة فإن نصف مليار جنيه كفيلة بالسيطرة على مجلس النواب المقبل، وتشكيل حكومة بعد الانتخابات التشريعية. وللإنصاف فإن ساويرس ليس وحده الذي لجأ إلى نواب الوطني ليضمهم إلى حزبه «المصريين الأحرار»، أو ليتحالف معهم في كتلة مشتركة تسيطر على البرلمان المقبل، فهناك أحزاب أخرى شربت من البئر نفسها، وهنا يكون السؤال هل أحمد عز وحده رمز نظام مبارك الذي يخشي النظام القائم الانتساب إليه؟ هل نجيب ساويرس أفضل منه حتى يتحالف معه؟».

السيسي يطلب من المصريين
الصبر على الحكومة عامين!

ونشر عادل مع مقاله خريطة موزعة عليها صور وأسماء الشخصيات التي قال إن ساويرس سيشتريها، وفي العدد نفسه من جريدة «الفجر»، تركت رئيسة التحرير زميلتنا الجميلة منال لاشين، ساويريس واستدارت للحكومة القائمة الآن، لا تلك التي سيشكلها ساويرس كما تنبأ حمودة وقالت: «في كلمته الارتجالية التي ألقاها بمناسبة عيد العمال، أعاد الرئيس السيسي طلبه للمواطنين بالصبر على الحكومة عامين، والمصريون بطبعهم صبورون وحمالو «أسية»، ولديهم استعداد ليصبروا على الحكومة سنتين وثلاثا، نتيجة شعبية السيسي من ناحية والخوف من سقوط الدولة المصرية من ناحية أخرى، ولكن الصبر على الحكومة يتطلب أن يشعر الناس، ولا أقول أن يروا، بأن الحكومة تسير في طريق يحقق للفقراء والطبقة المتوسطة حقوقها وأحلامها ولو بعد حين.
إن أول شروط الصبر هو الثقة في عدالة الحكومة وفي سعيها إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، وفي مراعاة توزيع أعباء وفاتورة الإصلاح على الجميع، بحسب حظوظهم في الحياة من الثروة والدخل، وأن تعطي الحكومة إشارات تشريعية أو إجراءات بسيطة تعلن عن انحيازها للفقراء والطبقة المتوسطة، فيرى الناس الأمارة أو الإشارة ويصبرون على الحكومة حتى تنتهي من خطتها أو مشروعاتها، ولكن لا يبدو للكثير أن حكومة المهندس محلب تسير في هذا الطريق وبصراحة، فهمها ورؤيتها للاقتصاد لا يبتعدان كثيرا عن نظرية الاقتصاد في عهد مبارك».

شروخ الشخصية المصرية وانفجارها

وثالث معارك اليوم ستكون لزميلنا وصديقنا في «الأهرام» نبيل عبد الفتاح، وهي تختلف عن معركتي حمودة ومنال، إذ اتجهت إلى التشوهات التي أصابت الشخصية المصرية كما يراها وقال عنها: «… تشير ظواهر الغلو والتشدد والعنف ذو الوجوه والسند الديني والطائفي وكراهية الآخر الوطني، وتدهور مستويات المورد البشري المصري، وانتشار الفساد والنفاق والانتهازية، والمخاتلة والازدواجية وانكسار الموحدات الوطنية وغيرها- إلى أن مفهوم الشخصية القومية الذي تراجع فى الأدبيات النظرية غير قادر على تشخيص وتحليل بعض هذا التدهور في ثقافة وحياة وسلوك المصريين. في تقديري أن تمدد السلبيات في بعض إدراكنا وسلوكنا والسمات النفسية لغالبية المصريين، يعود إلى عديد من الأسباب نشير إلى بعضها في ما يلي،
أولها: موت السياسة ومتتالياتها وانعكاساتها على الثقافة السياسية المصرية من شيوع قيم الإجماع القسري والقمعي من أعلى، ونفي أو تهميش التعدديات والتنوع داخل الأبنية الدينية والمذهبية والاعتقادية والطقوسية لمصلحة التسلطيات السياسية والدينية والثقافية الرسمية، وغياب ثقافة الحوار والمشاركة المجتمعية على نحو يسمح بتنظيم وتطوير الحوار العام حول القضايا والمشكلات، ويؤسس لبناء توافق عام حول مفاهيم المصلحة العامة والتوازن بين المصالح الاجتماعية والاقتصادية والرمزية المتصارعة… استطاعت ثقافة القمع الأيديولوجي والرمزي أن تشيع بعض الأساطير السياسية حول وحدة الشخصية المصرية وفرادتها واستثنائيتها في التاريخ، ومن ثم إغفال التطورات الاجتماعية المتغيرة في بعض روافد الثقافة المصرية الدينية والمذهبية والعرقية والمناطقية المتعددة. لا شك أن ذلك أدى إلى نمو النزعة الفئوية الضيقة ومصالحها، ومن ثم أثر ذلك سلبا على مفهوم المصالح العامة الذي يعلو فوق الفئويات والانتماءات المشتركة التي تشكل الحد الأدنى من الإدراك شبه الجماعي للمصريين على اختلافهم حول الولاءات الجامعة والرأسمال الرمزي والثقافي المشترك في ما بينهم.
2 – أدت ظواهر توريث المهن والوظائف وامتدادها إلى مشروع التوريث السياسي -من رئيس الجمهورية لنجله الذي فشل بعد 25 يناير 2011- إلى اللامبالاة بمفهوم المصالح العامة الوطنية لدى الأجيال الشابة الجديدة، التي تم استبعادها من هيكل الفرص السياسية والاجتماعية، وبرزت سياسة التحيز الاجتماعي ضدهم٬ وهو ما ساعد على نمو فائض من الأنا، وشيوع نزعة بأن مصر ليست لهم، وانما هي ملكية خاصة لتحالف بين بعض رجال الحكم ورجال الأعمال. لا شك أن سياسة الإقصاء واستبعاد الشباب عن المشاركة في ظل سياسة التجريف السياسي، أدت إلى تراجع الولاءات الجامعة، والى الترهل والكسل واللا مبالاة بقيم العمل والمسؤولية لدى عديد من القطاعات الاجتماعية الشابة من أبناء الفئات الوسطى بكل انعكاسات تلك السلبية على بعض بقايا السلوك القومي المصري.
3ـ انتشار شبكات الفساد وتحوله إلى نمط شعبي شائع وآلية لإعادة توزيع الدخل، ومقابل لأداء بعضهم للوظيفة العامة ومقتضياتها، على نحو أدى إلى سيادة قانون المكانة والقوة والنفوذ، الذي تجاوز قانون الدولة، مما ساعد على انتشار قانون وأشكال الفوضى في الحياة اليومية، وعدم انضباط أجهزة الدولة ومشاركة بعضهم داخلها في التعامل في إطار قواعد الفوضى وقانون اللا قانون الذي وسم الحياة اليومية وعلاقاتها طيلة أكثر من ثلاثة عقود ولا يزال.
– 4انتشار بعض جماعات العنف الديني وتمدد أفكارها الأيديولوجية الداعية للدولة الدينية، والى مفاهيم تتجاوز الدولة والفكرة الوطنية الجامعة لمصلحة مفهوم الخلافة والفكرة الإسلامية الجامعة، وجحد شرعية الحداثة والقانون الوضعي وهي مفاهيم تمددت للطلاب والطالبات عبر المعلمين والمعلمات من أعضاء هذه الجماعات والعاطفين عليها وغيرهم في المدارس والجامعات، على نحو أدى إلى اهتزاز القيم الوطنية الجامعة».

لعن الله القصر الذي يغري من يجلس فيه

أما رابع وآخر المعارك فحدثت في اليوم ذاته في «اليوم السابع» وشنها زميلنا عبد الفتاح عبد المنعم ضد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك بقوله عنه: « مَن منا يحب مبارك الرئيس؟.. بالتأكيد جميعنا لا يحب هذا المبارك الرئيس، أما مبارك القائد العسكري فجميعنا نحترمه ونقدره. ولو اكتفى مبارك بتاريخه العسكري لأصبح أعظم قائد للطيران المصري، وقاهر العدو الصهيوني في أعظم حرب بين مصر وإسرائيل، وهي حرب أكتوبر/تشرين الأول العظيمة، لكن منذ أن خلع مبارك البدلة العسكرية وارتدى «بيجامة» الحكم فقد تبدل حال الرجل بعد أن امتدت سنوات حكمه، التي وصلت إلى 30 عامًا، وأصبح نظامه للفساد أبًا وأمًا وأخًا وعائلة وحاشيتها. لم يتعلم مبارك الدرس من كل الطغاة الذين كانوا في يوم من الأيام أبطالا، وعندما حكموا سقطوا في بئر الفساد والمحسوبية وإفقار شعوبهم، وحدث هذا بعد الفترة الأولى من حكم مبارك، التي أعتقد أننا بدأنا حينها نكرهه هو وأسرته التي تحولت إلى أسرة شاه إيران قبل طرده، وساعدتهم في ذلك مجموعة من المنافقين وكتبة السلطان، الذين يدعون الآن أنهم ثوار، وأنهم كانوا معارضين لمبارك ولأسرته. إذن، لا توجد صعوبة في أن نحدد بالضبط متى كره المصريون حكم حسني مبارك، وتمنوا زواله.. أعتقد أن أسوأ فترة لحكم مبارك كانت في السنوات العشر الأخيرة، وهي الفترة التى بدأ حكم الابن «جمال» والأم «سوزان»، وقتها بدأت الأغلبية ترى مبارك بالبدلة الملكي وليس بالبدلة الميري، وبدأوا يحاسبونه على حكم مصر، وليس على الضربة الجوية، ولهذا لم أرَ غضاضة في نقل كلام ممثل النيابة العامة في قضية القصور الرئاسية، المتهم فيها الرئيس الأسبق مبارك ونجلاه علاء وجمال، عندما قال بالنص «إن المتهم الأول مبارك كان يدير الدولة بتعليمات شفوية، وأنفق ملايين الجنيهات من خزانة الدولة على فيلاته وقصوره». وأضاف: «نرجوكم بحق كل أم فقدت وليدها، وكل حريق نشب في القطارات، وكل دواء فاسد في البلاد أن تحكموا حكمًا عادلًا للقصاص ممن خانوا الأمانة، حتى أصبحت الدولة مرتعًا للفساد، وليكونوا عبرة لغيرهم». هذا هو الوصف الصحيح لفساد حكم مبارك، الذي كان يجب عليه أن يحترم تاريخه العسكري، ويرحم شعبه، إما بالاستقالة، أو العمل لإقامة حياة سياسية سليمة وبناء وطن، كما بنى جيشًا، لكن لعن الله القصر الذي يغري من يجلس فيه».
وفي حقيقة الأمر فهذه أول مرة أسمع فيها عن تعبير بيجامة الحكم قرأنا عن بدلة الحكم أو جلبابه أو عباءته أما بيجامته فهذا اكتشاف يعود لعبد الفتاح.

انصراف الغالبية عن الإعلام

وإلى قضية أخرى أصبحت تشغل الرأي العام وأجهزة الدولة والمؤسسات الإعلامية والسياسية، وهي ما يقال إنها ظاهرة انصراف الغالبية عن الإعلام من قنوات وصحف، لدرجة أن هذه الغالبية لم تبد أي تعاطف أو تجاوب مع بعض وسائل الإعلام، التي خاضت معركة مع الشرطة واتهمتها بأنها تعود إلى أساليب ما قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني نفسها، ولم يحدث أي تعاطف مع بيانات بعض منظمات حقوق الإنسان في مصر والخارج، بل الذي حدث العكس تماما وهو الشكوك العميقة في أن هناك محاولة لضرب الشرطة لإضعافها وعودة الفوضى مرة أخرى، وانهيار سلطة القانون. والظاهرة الغريبة هنا أن رئاسة الجمهورية ووزارة الداخلية تبدي تجاوبا شديدا جدا مع هذه الانتقادات والملاحظات، والعمل على حل أي مشكلة بسرعة، وبالنسبة للبرامج في الفضائيات فقد فقد معظمها بريقه، وبعض القضايا تبدأ ساخنة جدا لدرجة التفجر، وتتابعها الأغلبية بشغف، ثم سرعان ما تبرد اهتماماتها بها، بما فيها القضايا ذات الطابع الديني، وما يقرأه الكثيرون في المواقع الإلكترونية والصحف، وما يشاهدونه ويسمعونه في الفضائيات، وكأن المجتمع المصري مشتعل، لا صدى لها لدى الأغلبية، وحتى العمليات الإرهابية المستمرة ومظاهرات الإخوان كل جمعة لم تعد تلقى أي اهتمام، ورغم أنه كانت هناك نذر خطر على النظام، لا كراهية فيه أو تأثرا بما يقال ضده، وإنما اتهامه بأنه لا يستخدم القوة أو الأساليب الأكثر ردعا، واتهامه بالضعف..
ولا تقف مشكلة الإعلام والصحافة عند انصراف الغالبية على ما يثيره ومتابعته، وإنما هناك مشكلة التمويل والخسائر المالية الفادحة التي تصيب الفضائيات والصحف الخاصة، وتهدد بوقفها نتيجة قلة الإعلانات بسبب الركود الاقتصادي، بحيث تكاد الإعلانات تنحصر أساسا في الشيبسي والمطاعم والسمن، وبعض شركات المحمول والبنوك والعقارات، بنسبة قليلة، إضافة إلى انخفاض قيمة الإعلانات وضعف التحصيل، ما أدى إلى استغناء فضائيات عن عاملين لديها، وتأخر المرتبات وإغلاق محطات ودخول مشترين جدد لها، وتغير الاسم كما حدث مع «قناة التحرير». كما استغنت مواقع إلكترونية عن عاملين لديها، وصحف أخرى غير مشهورة أغلقت، كما أن صحفا خاصة مرموقة أصبحت بدورها تعاني، وكذلك الأمر مع الصحف القومية والعاملين فيها، هم الأكثر إحساسا بالاستقرار، رغم الخسائر التي تحققها وديونها لأنه حتى لو أغلقت، وهو افتراض ضعيف حتى الآن، فإن الدولة تضمن مرتباتهم، وهو ما ينطبق على عشرات الألوف من العمالة الزائدة في التلفزيون الحكومي، ما اضطر الصحف إلى الاتفاق على رفع سعر النسخة 50 قرشا بحيث أصبحت النسخة التي كانت بمئة وخمسين قرشا تباع بجنيهين، وهي الصحف الثلاث «الأهرام» و«الأخبار» و«الجمهورية». والخاصة «الشروق» و«اليوم السابع» و«الوطن». أما الصحف التي كان سعرها جنيها مثل، «الوفد» و«البوابة» فرفعت السعر خمسين قرشا، بينما رفضت «المصري اليوم» رفع السعر، وأصبحت الآن تبيع النسخة بمئة وخمسين قرشا. أما «المصريون» و«الفجر» فرفعت سعر النسخة من جنيهين إلى ثلاثة جنيهات، مع ترك مبلغ للبائع، بأن تكتب بعض الصحف سعرها وهو 280 قرشا، ويدفع المشتري ثلاثة جنيهات، لأنه لا توجد عملة الآن بعشرة أو خمسة قروش، والبعض يضع على الترويسة مبلغ مئة وأربعين قرشا ويبيعها البائع بمئة وخمسين، وهكذا لأن أصغر عملة معدنية الآن ربع جنيه معدني، وذلك تشجيعا للبائع، لكن حدثت مفاجأة وهي أن جريدة «التحرير» بدأت منذ يومين بيع النسخة بمئة وخمسين قرشا، أي خفضت نصف جنيه في السعر الذي كانت تبيع به منذ صدورها، وفي الوقت ذاته الملاحظ أن الصحف سواء الحكومية أو الخاصة تتنافس فعلا في تطوير مدارها وأبوابها وإخراجها».

فضائيات تعمق الإنقسام والكراهية

والآن إلى أبرز ما نشر عن مشاكل الإعلام وسنبدأ من «أهرام» الأربعاء مع زميلنا وصديقنا الدكتور وحيد عبد المجيد وقوله: «كثيرة هي الانتقادات التي تتعرض لها وسائل الإعلام المرئية في مصر، بعد أن بلغ تدهورها مبلغا لا سابق له، سواء الفضائيات الخاصة أو القنوات الرسمية، فقد وصل تدني أداء كثير من الفضائيات الخاصة إلى الحضيض، الأمر الذي أحبط آمالا كانت معلقة عليها في أن تصبح بديلا عن القنوات الرسمية، التي ظلت منذ نشأتها دعائية وليست إعلامية، وتنفيرها لأعداد متزايدة من المشاهدين، بعد أن تحولت إلى منابر تقدم «الوعظ الوطني» الساذج وتعمق الانقسام والكراهية، وحتى عندما تحاول إحداها المساهمة في ما تطلق عليه تجديد الخطاب الديني أو تطويره، نجدها تقدم برنامجا يعتمد منهج الإثارة أكثر من العقلانية، وينقض مقدمه التكوين الثقافي الضروري للتصدي لمثل هذا الموضوع، ولذلك تحول هذا البرنامج إلى مصدر جديد للتوتر والصراخ والاتهامات المتبادلة، ثم كان إلغاؤه بقرار إداري أسوأ من تقديمه بهذه الطريقة، ولذلك تشتد حسرتنا عندما نتابع ما تبثه محطات تلفزيونية أخرى في العالم، ويزداد إدراكنا للحقيقة المرة وهي أن ما لدينا لا علاقة له بالإعلام».

الدولة أسيرة إعلام رجال الأعمال

ووحيد يقصد برنامج إسلام بحيري على «قناة القاهرة والناس» وفي العدد نفسه من «الأهرام» قال زميلنا عمرو عبد السميع: «لقد رأينا رموزا وأقطابا في الحزب الوطني الديمقراطي اعتبروا جرائد وفضائيات رجال الأعمال هي إعلامهم وصحافته، دون تلك التي تسمى (القومية)، واجتهدوا في بناء الجسور مع الصحف والإعلام التجاريين، وتعيين كتابهم وصحافييهم مستشارين إعلاميين بأجور هائلة لوزراء(السلطة والثروة)، وإن دفعوا في استرضاء ناشريها وملاكها التايكونات الأخطبوطية الكبيرة.. إذن جرائد الدولة وإعلامها لم تكن المنصات المفضلة لرجال الأعمال وامتداداتهم في الحكومة، كون الصحف الوطنية والإعلام الوطني- على الجانب الآخر-  ترتبط، وفقاً لحكم الضرورة، بمؤسسات الدولة السيادية، التي تعمل طبقا لالتزامات وإلزامات تتقاطع مع منهج رجال الأعمال الذي تسيطر عليه المصلحة الفردية والارتباطات بالكيانات الأم. وضمن تلك الارتباطات مشروعات الهيمنة على المنطقة وإطاحة الدول الوطنية. وعمد الإعلام الخاص طوال السنوات الخمس التي سبقت عملية يناير/كانون الثاني 2011 إلى تنفيذ نصيبه المرسوم من مخطط هدم الدولة، ولعب دورا مؤثرا جدا في تحريض الرأي العام وتجهيزه لكي ينتشر الغضب-  في الشوارع والميادين، صانعا البيئة الصديقة التي تتحرك فيها قوى العملاء والجواسيس المخربة. واللافت أن التغيير الثوري الذي شهدته مصر في الثالث من يوليو/تموز 2013، لم يفهم خطورة إلقاء الدولة نفسها في أحضان الصحافة البديلة والإعلام البديل المملوكين لرجال الأعمال، وهما-  باستثناءات بسيطة جدا-  يسحبون الدولة الجديدة من دون أن تدري إلى حيث يريدون، نسيت دولة 30 يونيو/حزيران أهمية الإعلام والصحافة المملوكين للشعب، وباتت أسيرة للإعلام البديل والصحافة البديلة، وذلك لن يصنع مصر الجديدة».

ليس لإعلام المرحلة الراهنة ميثاق شرف

وإذا تركنا «الأهرام» إلى «الوطن» اليومية الخاصة والمملوكة لرجل الأعمال وصاحب قنوات «سي. بي. سي» محمد الأمين، سنجد زميلنا محمود الكردوسي يقول والشرر يتطاير من عينيه: «الفرق شاسع بين أن تنتقد وتصحح وأنت ثابت على موقفك، وأن ترقص كالغازية تقابل الرئيس وتقبل يده في شارع، ثم تسخر منه وتشتمه في حارة، وتحاسبه باعتباره مسؤولا عن كوارث بدأت وهو تلميذ في الإعدادية، وربما قبل أن يولد. حين تناضل بفلوس رجال أعمال أنت تعرف أنهم فاسدون وأنهم جمعوا ثرواتهم من «مص» دماء المصريين الذين تناضل وتشتم الرئيس باسمهم، يكون ذلك حين تكون أعرف الناس بأن رجال الأعمال الذين تناضل بفلوسهم «الحرام» تخلوا عن الرئيس في معركة بناء الدولة، ويضغطون عليه بكل وسيلة لـ«يقيفوه» و«يقلوظوه» على مقاسهم، مع أن بعضهم رضخ لإرهاب عصابة الإخوان ودفع ورجله فوق رقبة الذين تناضل وتشتم الرئيس باسمهم، يكون كذلك حين لا تخجل من كونك تتقاضى راتبا سنويا يعادل، على الأقل، عشرة أضعاف راتب الرئيس، الذي لا يعجبك، ومن كونك تحارب أولياء نعمتك بالإنابة والكارثة إن كنت لا تدري.
للمرة المليون لا عيب في نقد الرئيس وتصحيحه، لا عيب إن اختلفنا على بعض أو معظم سياساته، ولا عيب، وهذا هو المهم أن يكون الإعلام في مستوى معارك الوطن، هل لإعلام المرحلة الراهنة ميثاق شرف؟ لا أظن هل له ضوابط مهنية أو أخلاقية؟ لا أظن وأكرر: «رجال أعمال فاسدون فلماذا لا يكون لبنهم فاسدا».
أنا لا أدافع عن الرئيس فهو أدري بمن يحبه بصدق ومن يحبه «مصلحة»، ولا أخاف عليه ممن يعارضونه، فلكل امرئ ما نوى، لكنني على يقين من أن الناس أصبحوا يكرهون الإعلام إلى حد المقت، ومعهم حق ألا يصدقونه ولا يثقون إلا في قلة من العاملين فيه، يقرأون الصحف ويشاهدون برامج «التوك شو» إنما بإحساس المضطر.
أعرف موهوبين من يومهم الأول، ولكنهم باعوا أنفسهم للشيطان، هذا حال غالبية من يطلون على الناس الآن كتابة أو هواء، ويراوحون بين نقد الرئيس ومدحه، هؤلاء هم عصب الإعلام الذي يراهن عليه الرئيس ويتوسله ويفتح له قلبه وأبواب حكمه.
إن كانت للرئيس أخطاء فخطؤه الأعظم أنه راهن على هؤلاء، وإذا تعثر، لا قدر الله، فالإعلام سيكون اول معول هدم. يقول الإعلام إن الرئيس لم يفعل شيئا، ماشي ماذا فعل الإعلام إذن؟ يقولون إن الدولة فاشلة ومؤسساتها خربانة والفساد للركب، وعملنا ثورتين واحنا زي ما احنا، ماشي ماذا عن الصحافة؟ ماذا عن التوك شو؟ الحقيقة أنني أصبحت أخجل من كوني «إعلاميا» جاتنا نيلة ملينا البلد».

إقرار ذمة الرئيس المالية لم ينشر حتى الآن

وإلى يوم السبت ومفاجأة «الأهرام» التي نشرت مقالا لصديقنا العزيز الضابط السابق في الجيش، وبطل المعركة التي خاضها وزير الاستثمار الأسبق وأحد رجال جمال مبارك المقربين الدكتور محمود محيي الدين لكشف الفساد في عملية محلات عمر أفندي، يحيى حسين عبد الهادي وقوله: «أشكر جريدة «الأهرام» العريقة إذا سمحت بنشر هذا المقال، الذي امتنع الأصدقاء في بعض الصحف الخاصة عن نشره، ظنا منهم أن في نشره إحراجا للسيد رئيس الجمهورية فأساءوا إليه وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. دستور جمهورية مصر العربية وفي المادة 145 منه ينص على أنه «يتعين على رئيس الجمهورية تقديم إقرار ذمة مالية عند توليه المنصب وعند تركه وفي نهاية كل عام وينشر الإقرار في الجريدة الرسمية».
والحقيقة أن كل الرؤساء السابقين كانوا يقدمون إقراراتهم للموقف المختص في الرئاسة، من دون أن ندري ماذا في الإقرار، ومن دون أن يخضع للمحاسبة، والجديد الذي لم يحدث في كل الدساتير السابقة، هو مسألة نشر إقرار الرئيس بالذات في الجريدة الرسمية عند توليه المنصب، وقد أوشك العام الأول في فترة الرئيس على الاكتمال، من دون أن يتم نشر إقرار بداية الفترة الرئاسية، وهو نفسه إقرار بداية العام الأول، وفي مخالفة دستورية لا يوجد مبرر مقنع لحدوثها، إذ لا نعتقد أن الرئيس هو الذي امتـــنع عن نشر إقرار ذمته المالية، فليس فيها ما يشينه.
معلوم للكافة أن الرجل من أسرة ثرية من قبل توليه المنصب الرئاسي، وسمعته طوال خدمته العسكرية ليس فيها شائبة فساد، حتى خصومه لم يتهموه في ذمته، كما أن الرجل أقدم على خطوات طيبة في هذا الاتجاه، ألزم بها نفسه، من دون أن يلزمه أحد، فقد أعلن في شهره الأول عن تبرعه لصندوق «تحيا مصر» بنصف راتبه الشهري، ثم أعلن عن تبرعه بنصف ثروته، بما فيها إرثه من والده، للصندوق نفسه، مبادرا بذلك أيضا، من دون أن يلزمه أحد، إذن ما الذي حدث الأرجح أنها الدببة».
أما الصحف المستقلة التي اعتاد يحيى الكتابة فيها فهي أساسا «اليوم السابع» و»التحرير».
ونهاية تقرير اليوم ستكون لزميلنا الرسام الموهوب في «أخبار اليوم» هاني شمس الذي قال إن زوجة صديق له كانت سعيدة بتطهير ميدان رمسيس من الباعة الجائلين وقالت لزوجها الإعلامي:
– عقبال ما يطهروا الفضائيات من الإعلاميين المتجولين.

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية