مع اقتراب موعد تسلم الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب لمنصبه، يحتار المراقب في تفسير الغموض، الذي يلف سياساته، فهو لم يكن ذا ماضٍ سياسي، بل جزءا من الأوليغاركية المالية الأمريكية المعروفة بصهيونيتها، التي جرى تسليمها غالبية المناصب في الإدارة المقبلة، مع العلم أن الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور، كان قد حذّر الشعب الأمريكي منها، في خطابه الوداعي في 17 يناير عام 1961، ومن تأثيرها على القرار السياسي الأمريكي.
هذا الأمر يدعو لطرح تساؤلات كثيرة: هل أن المجمع الصناعي العسكري المالي سيقبل بسياسات ترامب الغرائبية، المخالفة لما جرى الاعتياد عليه في السياسات الأمريكية؟ فمثلا معاداته للمرأة، كرهه الأجانب، خاصة من أمريكا اللاتينية، اعتزامه بناء جدار مع المكسيك تتحمل الأخيرة كلفة تشييده، التشديد على المسلمين في الولايات المتحدة، معاداة الصحافة والإعلام، وأكبر جهازي أمن في أمريكا: «سي. آي. إيه» و»أف .بي. آي»، بناء علاقات متقدمة مع روسيا، وآخرها وليس أخيرها، نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس، دون مراعاة المصالح الأمريكية في العالمين العربي والإسلامي. هذا عدا عن السياسات في الملفين السوري والإيراني، والأخرى الانكماشية فيما يتعلق بأوروبا والناتو، والمعاهدات الكثيرة الأخرى السياسية والاقتصادية، على صعيد العالم أجمع.
لو ناقشنا بالتفصيل إحدى هذه السياسات، وهي مثلا، نقل السفارة إلى القدس، لاتضح لنا، أن كافة الرؤساء الأمريكيين وعدوا في حملاتهم الانتخابية باتخاذ مثل هذه الخطوة، في حالة نجاح كل منهم، لكن لم يجرؤ أيّ منهم على تنفيذها؟ أما ترامب، فإن النقل يحتل الأولوية بالنسبة إليه. في الأسباب نجد ما ذكرته صحيفة «فاينانشيال تايمز» 12 ديسمبر 2016 من أن الخطوة تعزى إلى أن الحزب الجمهوري قام قبل أشهر، بإعادة كتابة أهدافه ومبادئه، وهي التي تعد الأكثر تأييدا لإسرائيل من أي وقت مضى، ولم تتحدث المبادئ عن حل الدولتين، ولا عن احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية.
ويشير تقرير الصحيفة إلى، أنه في الوقت الذي عبّر فيه العرب عن مخاوفهم من تعليقات ترامب عن المسلمين، فإن الإسرائيليين لم يرتاحوا لتعليقات الرئيس القادم أثناء حملته الانتخابية، التي نظر إليها، على أنها معادية للسامية. بالتالي، نحن أمام جملة من المتغيرات الأمريكية، أهمها، سياسة جديدة للحزب الجمهوري، نفوذ صهيوني، وصهيو – مسيحي أكبر، إهمال أمريكي واضح لردود الفعل الشعبية (وليس النظام الرسمي العربي فقط) العربية والإسلامية والدولية (قرارات مؤتمر باريس الأخير) كما ضرب عرض الحائط بقرارات الأمم المتحدة.
للعلم، بعد مرحلة الرئيس أيزنهاور، ونظرا للتقدم التكنولوجي والتصنيعي، بدأت أنماط جديدة من صراع اللوبيات في أمريكا (كتُب بول فندلي العديدة)، فهناك اللوبي الأنكلوساكسوني (يعتبرون أنفسهم الأولى بصناعة القرار) اللوبي النفطي، اللوبي التصنيعي… الخ. لكن، حتى اللحظة، لم يظهر ما يشي بتناقص قبضة اللوبي الأساس (التصنيعي العسكري المالي) على القرار السياسي. نعم، وفقا لأحدث الإحصائيات، فإن قائمة مسؤولي المناصب، الذين عينهم ترامب، تضم خمسة من أصحاب المليارات، وستة من كِبار أصحاب الملايين. وهذا ما يُعرَف بالحكومة الأوليغاركية (حكومة القِلة) وتعني: السيطرة المباشرة على الدولة من قِبَل أشخاص يتمتعون بقوة اقتصادية خاصة كبيرة. ولأن الجمهوريين يسيطرون أيضاً على مجلسي الكونغرس الأمريكي، بالتالي، تكاد السلطة التنفيذية تتحرر من أي قيود فعلية تقريباً. من جانب آخر، ووفقا لخبراء الاقتصاد، فإن السياسات الاقتصادية التي تقترحها الإدارة المقبلة ليست مشجعة. ويبدو أن المبدأ التنظيمي يتمثل في التخلص من الحس العملي الواقعي تماماً، والدفع إلى الأمام بالإيديولوجية المتطرفة والفاقدة للرؤية الاستراتيجية وللمصداقية. وهذا ما لا يناسب الخطوط السياسية العامة للوبي الأساسي.
إذا ما سار الرئيس ترامب في سياساته الشعبوية والانقلابية قدُما، فإن ذلك يعني السير نحو نظام عالمي جديد، لا يستند إلى أي قرارات دولية، كما أنها ستخل بمبادئ الحرية والديمقراطية والاستقلال السياسي، وعدم الاعتداء على الدول الأخرى، وهذه الأسس تشكل القواعد العامة التي استند إليها النظام السياسي الأمريكي، ووفقا لخبراء القانون، فهي أسس الدستور الأمريكي أيضا. بالتالي، هل سيسمح لترامب بإكمال ولايته؟ سؤال من الصعب الإجابة عليه، لكن البوادر تشير بـ «لا» كبيرة بدأت منذ فترة قريبة: كشف وثائق عن دور تجسسي روسي في مسار الانتخابات الأمريكية، ذكرت صحيفة «الغارديان» 11 يناير 2017 أن العميل السابق للمخابرات البريطانية، كريستوفر ستيل سرّب وثائق وشريط فيديو يصور ترامب مع مومسات في روسيا (للعلم، هذه طريقة روسية معروفة استخدمتها كي. جي . بي. منذ أيام الاتحاد السوفييتي)، الأمر الذي أنكره وينكره ترامب. هذه القضية تتماهى مع جملة الاتهامات التي وجهتها فتيات ونساء أمريكيات لترامب، أثناء عملهن في شركاته. بالمعنى الطبي النفسي، فإن الإنكار العنيف ورد الاتهام باتهام مضاد، يعني صحة ودقة المعلومة الاتهامية. أيضا القلق العالمي من غموض ترامب وسياساته، خاصة الأوروبي. عدم رضا المنظمات والهيئات القانونية، والمنظمات الاقتصادية والتجارية العالمية وغيرها. كل ذلك من الأسباب الكثر، التي تجعلنا نحكم، بأن فترة ترامب في الحكم ستكون قصيرة. الرئيس ترامب يذكّر بالرئيس الروسي السّكير بوريس يلتسين، مع إدراك طبيعة الاختلاف بين شخصيتيهما.
من ناحية أخرى، فإن المتتبع لما يجري في الكيان الصهيوني، يكتشف أن معظم المسؤولين الإسرائيليين غارقون في الفساد حتى آذانهم، فضائح الفساد تعود في معظمها إلى أسباب اقتصادية، اجتماعية وحتى نفسية، عنوان الأخيرة الأبرز هو عدم التجانس والانسجام بين الفئات الإثنية المكونة للشارع الإسرائيلي، وما يفرضه ذلك من اختلاف في العادات والتقاليد والقيم الإنسانية للتشكل المجتمعي المختلف، إضافة إلى الشعور الداخلي بعدم وجود ارتباط حقيقي بين الفرد والأرض التي أقيمت عليها الدولة. من بين من وجهت إليهم تهم مختلفة، رشاوى، فضائح جنسية، تلقي هدايا، اختلاس واستغلال للمنصب، موشيه ديان، اسحق رابين، الوزير ابراهام أوفير، آرييل شارون، أفيغدور ليبرمان، يعقوب نئمان، إيهود باراك، عيزرا وايزمان، موشيه كاتساف، إيهود أولمرت وغيرهم.
يسجّل للكيان الصهيوني (هذا ليس مدحا بالطبع، وإنما ترديد لحقيقة) أن أي زعيم أو مسؤول فيه، يمكن محاسبته ومحاكمته، بينما دول كثيرة في العالم الثالث، تجري فيها السرقات ومليئة الفساد المستشري والنهب والسلب ..الخ دون الكشف عمّن يمارسها، إلا من أريد له أن يكون كبش فداء عن الآخرين من الفاسدين والمرتشين الكثر. نقول إن ملاحقة الكيان لمسؤوليه الفاسدين لا تعني أن كل مسؤول تجري ملاحقته، فمثلا المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية مناحيم مندلبليت تلكأ وقتا طويلا في إصدار الامر ببدء التحقيق مع نتنياهو حول ملفين: الأول الصفقة التي عقدها مع رجل الأعمال الإسرائيلي أرنون ميلتسين، حيث يشتبه في إطارها أن نتنياهو حصل على هدايا تصل قيمتها، إلى مئات الآلاف من الشواكل من رجل الأعمال، بينها السيجار الكوبي الفاخر والشمبانيا الثمينة، وأن نتنياهو ساعده في الحصول على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة لـمدة 10 سنوات. الملف الثاني، تسريب شريط تسجيل يثبت عقد صفقة بين نتنياهو، وارنون موزيس صاحب جريدة «يديعوت احرونوت»، يتعهد فيها الثاني بالوقوف الى جانب نتنياهو، فيما يقوم الأول بسن قوانين تجبر الصحيفة المجانية، التي أنشأها من اجله، صديقه الملياردير الصهيوني الأمريكي شيلدون أديلسون على بيع نسخها كالصحف الأخرى، وهو ما زاد من نسبة مبيعات «يديعوت احرونوت»، التي تتصدر كافة الصحف الاسرائيلية منذ صدورها وحتى اليوم.
الاتهامات ستؤثر بالضرورة على نتنياهو، بغض النظر أأدين فيها أم لم يُدن بالشكل الذي سيؤثر حتما على أفول قريب لنجمه السياسي.
كاتب فلسطيني
د. فايز رشيد