«الإتجاه المعاكس» على «فتافيت» وفضائيات العرب تخترع وظيفة محلل سياسي

■ بين كل هذا الكم الهائل من القنوات الفضائية العربية، المتخصص منها والشامل، الجاد والهامل، النشيط والخامل، أجدني دوما مدمنا على أكثرها مصداقية في نقل الخبر الخاص بها، وأعني هنا قناة «فتافــــيت»، التي لا تنطـــق عن «هـــوى ســــياسي» ولا مزاج قائم على أجندات.. ومتابعتها بلا شك لا ترفع ضغــط الدم، ومعلوماتها غير خاضعة للجدل الحاد أو النقاش إلا في ما يتعلق بطرق ومنهجيات متفاوتة قد يكون أكبرها ترتيب مكونات المقلوبة بالباذنجان مثلا!!
القناة، شعارها.. «الحياة..حلوة»، وهو شعار بحد ذاته تفاؤلي، وخارج عن سياق واقع شرق أوسطي عنوانه «الحياة.. ستنتهي الآن».
لكن.. وكعادتي ضمن فانتازيا تخيلية مفترضة، أفترض أن القائمين على قناة فتافيت، أصيبوا بخلل في المخ، وقرروا تعييني مديرا لتلك القناة، لغايات تطويرها البرامجي، فإنني – وحسب خيالي المجنح والخصب – تصورت أني أتعاقد مع الدكتور فيصل القاسم بعد مفاوضات شاقة في الإقناع ومآدب يشرف عليها طباخو القناة وتبرير مقنع أنك يا دكتور قد تكون تعبت من الرأي والرأي الآخر في عالم عربي لا رأي له أصلا.. ولصحتك وحماية لقلبك وضغطك، أنقل «اتجاهك المعاكس» إلى «فتافيت».
وهكذا يقتنع الدكتور فيصل، وينتقل بطاولته الشهيرة، مع إضافات جديدة، مثل طنجرة أو مقلاة معلقة في الوسط بين الضيفين، وخلفية صور خضراوات وفواكه.. ويصبح «الإتجاه المعاكس» برنامج «فتافيت» الأول، وتبدأ أولى الحلقات بمقلوبة الباذنجان ما غيرها.. ويتحدث أحد الضيفين عن أصولها ليحتد الضيف على الآخر ليؤكد أن أصولها مختلفة عما تحدث به الضيف الأول، فيغضب الأول لمقاطعة الثاني له، ويحاول الدكتور فيصل تسخين النقاش في هذه المرحلة المفصلية الهامة فيخاطب الضيفين بقوله «هناك من يقول إن إيران تسللت إلى المقلوبة عبر الباذنجان، الذي تشتهر به»، فيتصاعد النقاش حول التدخل الإيراني في المقلوبة، ليؤكد الضيف الثاني أن عروبة المقلــــوبة تكمن في مقـــلوبة القرنبيط، مما يزعج الضيف الأول فيشتم.. وتنهي المقلاة المعلقة بين الضيفين الحوار، ويستقيل الدكتور فيصل القاسم من «فتافيت»!! قبل أن يصبح ضيوف برنامجه فتافيت.

اختراع الفضائيات العربية لوظيفة محلل

والبرامج الحوارية في فضائياتنا العربية دوما مليئة بالدهشة وكل شيء إلا الحوار. و لعل أكثر ما يميز فضائياتنا العربية أنها استطاعت خلق وظيفة جديدة في العالم العربي، اسمها «محلل استراتيجي» أو «مختص في شؤون كذا وكذا»!!
هذا المحلل أو المختص في شؤون «كذا و كذا»..قد يكون مختصا بالفعل، لكن مع ازدياد الأزمات في العالم العربي، وتنافس الفضائيات في البحث عن نجم فضائي قادر على استقطاب المشاهدين لأقصى حد ممكن، أصبحت عملية الإعداد التلفزيوني خاضعة لمنطق العرض والطلب، وسوق الفضائيات.
هذا جعل فرق الإعداد في بعض الفضائيات، تركز على «كذا و كذا» دون التدقيق في ضيوفهم على الهواء، والمتخصصين حسب ما يفترض في شؤون كذا وكذا، فانتهينا إلى منجمين تلتقطهم فرق إعداد من على قارعة الطرق، أهم صفاتهم حب الظهور، والقدرة على «البعبعة» في إطار زمني تلفزيوني ضيق.
واقعيا، لا توجد وظيفة في العالم اسمها «خبير استراتيجي»، لكن الإعلام بسطوته وسحره استطاع خلق اسم بدون مسمى حقيقي على أرض الواقع، وإعلامنا العربي خصوصا نجح في تحويل صيدلي إلى خبير استراتيجي علمي، أو استشاري نفسي في مدرسة ابتدائية مثلا إلى خبير استراتيجي نفسي، كما استطاع أن يضع عسكريا متقاعدا بلا أي انتصارات تذكر على أرض أي ميدان معركة ولا تمرين حتى، خبيرا عسكريا يمكن له من خلال تقنيات معينة وشاشة خلفية مرسومة عليها الدبابات بعناية أن يدير معركة افتراضية كاملة المقاييس من خلال كبســـة زر، ويتلقفه المشاهدون نجما عسكريا لامعا!
هذا يذكرنا ببعض «فهلوية» الإعلام الفضائي العربي، نجوم الرأي العام ، وغالبا هم صحافيون أو إعلاميون لكنهم وفي لحظة فارقة على الهواء تم اكتشاف قدراتهم على استقطاب الجماهير عبر الصراخ الهادر والموهبة الخرافية في عدم التلعثم بالمطلق، وصف المفردات ضمن منظومة تجييش عاطفي تتوافق مع ما يطلبه الجمهور.
وتتجلى تلك الفهلوة حين يكون أحد هؤلاء ضيفا على محطة عربية يتحدث عن الشرق الأوسط وسياسات أمريكا ويلبي حاجات المتلقي العربي العاطفية من شتائم وسباب، ثم يكون ضيفا في اليوم نفسه وللموضوع نفسه على محطة أجنبية متلقيها أجنبي ليدهشنا بموقفه المهادن والمسالم على هواء فضائيات الغرب وعلى هواهم أيضا.
في المحصلة، إعلامنا العربي عبر فضائياته غالبا، استطاع خلق مساحات واسعة ليس لمن لا منبر لهم وحسب، بل أيضا لمن لا وظيفة لهم إلا الفهلوة الفضائية وحسب الطلب.
وسبحان الباري في ما برى والمعطي بما أعطى.

«الكاميرا الخفية» و «زوجي تزوج عليا»!

وكلما شاهدت إبداعات برامج «الكاميرا الخفية» ومشتقاتها بالنسخة العربية، تيقنت أكثر بأننا شعوب غير مهيأة ثقافيا للمزاح. فلا الأفكار البرامجية بأغلبها قادرة على ابتكار مزاح حضاري لطيف، ولا ضحايا الفكرة بكل سماجتها.
في الإعلام الغربي عادة ما تكون برامج «الكاميرا الخفية» ملحقة بإنتاج ضخم قادر على احتساب كل الاحتمالات الممكنة وردود الفعل، لكن في فضائياتنا العربية فهناك أفكار غريبة على صيغة مقالب، لا أرى فيها إلا ترسيخا لقيم سلبية، ومن ذلك برنامج مصري اسمه «الزفة» بحيث يستضيف البرنـــامج ضيفة متزوجة وأثناء الحوار وفي مكان التصـــوير نفسه تشهد الضيفة زفة زوجها على امرأة أخرى ويضحك الجمهور على ردة فعل امرأة غاضبة من زواج زوجها عليها!!
لا أفهم أين المزحة في هذا المقلب؟ ولا خفة الدم فيه.. وأترحم على الراحل آلان فونت مبدع فكرة هذاالبرنامج الأمريكي، الذي لو قيض له رؤية إبداع فضاءنا العربي فيه لأعاد النظر في مهنته والتحق بصفوف الدراسات المسائية للأعمال المهنية ليبدع في مجال السمكرة مثلا.. لا حصرا.

٭ إعلامي أردني مقيم في بروكسل

مالك العثامنة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية