القاهرة ـ «القدس العربي»: رغم التغطية الواسعة لمنتدى أفريقيا في شرم الشيخ، الذي حضره عدد كبير من رؤساء الدول، وتصريحات الرئيس السيسي التي نشرتها الصحف المصرية الصادرة أمس الاثنين 22 فبراير/شباط، وأهمية الحدث الذي أعاد التأكيد على عودة مصر لتسلم المركز القيادي والمؤثر في أفريقيا، والاطمئنان إلى حد كبير على أن الاتفاق بين مصر وإثيوبيا والسودان لن يلحق أي ضرر بحصة مصر من مياه نهر النيل، فإن الاهتمام الأكبر بالنسبة لرجال الأعمال كان تأكيدات محافظ البنك المركزي طارق عامر على أن موقف الاقتصاد قوي جدا وأنه لا أزمة حقيقية في الدولار.
أما بالنسبة للرجل العادي فلا تزال تشغله أزمة أمناء الشرطة، خاصة بعد استقبال وزير الداخلية اللواء مجدي عبد الغفار والد السائق القتيل، والاعتذار له وتقبيل رأسه، ثم إعلان وزارة الداخلية إلقاء القبض على سبعة من الأمناء قبل دخولهم مدينة الإنتاج الإعلامي للقاء مع إحدى القنوات الفضائية، واتهامهم بالتحريض ضد الدولة والوزارة، وضبط شريط ونصف شريط «ترامادول» معهم، وإحالتهم إلى محكمة الجنايات مثلما أحيل زميلهم الذي قتل سائق السيارة السوزوكي إلى الجنايات، ولوحظ أن عشرات من الأمناء تظاهروا أمام مبنى مديرية أمن محافظة الشرقية احتجاجا على القبض على زملائهم، والتهديد بالتصعيد، وهو ما سيضع الوزارة أمام اختبار آخر، في ما إذا كانت كانت سترد عليهم، خاصة أن القضية انتقلت إلى مجلس النواب لإصدار تشريعات جديدة ضدهم.
وإن كان زميلنا وصديقنا الرسام الموهوب عمرو سليم قد أخبرنا أمس في «المصري اليوم» أنه شاهد اثنين من الأمناء يرفعان لافتة تحد للجميع مكتوبا عليها أمناء الشرطة في خدمة الشغب.
والموضوع الآخر الذي اجتذب اهتمامات الصحافيين والمثقفين كان حكم محكمة استئناف بحبس الزميل الصحافي في جريدة «أخبار الأدب» أحمد ناجي سنتين، ورئيس تحريرها طارق الطاهر بالغرامة المالية، بتهمة نشر رواية لناجي فيها خدش للحياء، رغم أن جنح أول درجة كانت قد حكمت بالبراءة، لكن النيابة العامة استأنفته وصدر حكم الاستئناف.
ومن الآن فصاعدا سيتركز الاهتمام الأكبر على المناقشات في مجلس النواب، التي بدأها العضو توفيق عكاشة بداية ساخنة بتوجيهه سؤالا لرئيس الوزراء عن أسباب عدم السماح بعودة الفريق أحمد شفيق لمصر، وسيضطر رئيس الوزراء للإجابة عنه كما أن المجلس يناقش القوانين التي سيصدرها بالنسبة لأمناء الشرطة. وإلى شيء من أشياء كثيرة لدينا….
الماء تعكر من جديد بين الشرطة والشعب
ونبدأ بأبرز ما نشر عن قضية أمناء الشرطة، حيث أبدى زميلنا وصديقنا في «المصري اليوم» محمد أمين وهو مجرد تشابه أسماء أي لا صلة قرابة بين أمين وأمين الشرطة وقوله يوم الأحد في عموده اليومي «على فين»: «السيسي صعبان عليّ جداً، هذا الموقف يستحق الشفقة فعلاً ولا يدخل في باب النفاق أبداً، عمرنا ما نافقنا. القضية الآن قضية وطن يتعرض للخطر للأسف، ممن ينبغي أن يحفظوا استقرار الوطن، فإذا هم يهددون الاستقرار ويضربون دولة الرئيس المنتخب! الطعنة هذه المرة ليست من الإخوان، لكنها من دولة الأمناء، فقد كان من المنطقي أن تتجه أنظارنا إلى شرم الشيخ، حيث جاءت أفريقيا باستثماراتها وسوقها الكبيرة، للأسف هناك شيء غطى على مؤتمر الكوميسا، وعلى فكرة لا أشفق عليه مجاملة له أبداً، وإنما من باب الخوف أن تذهب جهوده سُدى، مصر تحتاج إلى جهد السيسي، مصر في وضع يجعلنا نقف خلف كل من يعمل، المشكلة ليست في حادثة الدرب الأحمر ومقتل سائق بريء، المشكلة في «التراكم»، الذي حدث كل يوم مصيبة. من هنا استشعرت الرئاسة الخطر وتحركت بكل حسم وحزم، معناه أن الرئاسة لا تنام، ومعناه أن الرئاسة لا تنتظر التقارير والمكاتبات، العكس هو الصحيح، وربما كان تحرك الرئاسة هو السبب في امتصاص طاقة الغضب وبالتالي منعت عبث أصحاب الهوى من الصيد في الماء العكر! دعونا نعترف بأن الماء تعكر من جديد بين الشرطة والشعب، ولكن ليس إلى درجة «الانفجار الثاني» السؤال: ما الفرق بين ما يجرى الآن وما كان يجرى زمان؟ أولاً: كل شيء على المكشوف. ثانياً لا يوجد من يبرر الخطأ أو يطرمخ عليه. ثالثاً الشرطة نفسها تعترف به من الوزير وانتهاء بأندية الشرطة نفسها. رابعاً تحيله للمحاكمات وتطلب حساب المخطئ حساباً عسيراً، يعني أن الشرطة تسعى لتطهير ثيابها فعلاً، كما تخشى من تعكر علاقتها بالشعب وتعرف أن «هناك» من يتصيد الأخطاء!».
«شهيد لقمة العيش»
لكن محبا آخر للسيسي وهو زميلنا محمود الكردوسي رئيس التحرير التنفيذي لـ«الوطن» كان غاضبا وقال في بروازه «كرباج»: «الناس الذين حاصروا مبنى مديرية أمن القاهرة وقلوبهم ملتهبة على سائق قتله أمين شرطة هم الذين رفعوا (ضمن ملايين البسطاء) صور الرئيس السيسي واحتموا فيه واعتبروه «مخلصاً». بعد أقل من عامين رفعوا – هم أنفسهم – صورة ابنهم محمد عادل إسماعيل الشهير بـ«دربكة»، وكتبوا فوق الصورة شعاراً وجعني: «شهيد لقمة العيش». كَثُرَ الشهداء يا سيادة الرئيس وكل من له «شهيد» يصلي عليه وينتظر ثأره، فمن يثأر لـ»دربكة»؟ إنهم رفقاء لقمة العيش «أغلبيتك» التي تحميك وتحتمي بك، واحدهم بمليون، ودماؤهم طوفان، وكبرياؤهم ليس مسيَّساً فاحذرهم!».
دولة أمناء الشرطة
وإذا تركنا «الوطن» وتوجهنا إلى «اليوم السابع» عدد يوم الأحد سنجد زميلنا دندراوي الهواري الكاره لثورة يناير/كانون الثاني يصيح قائلا: «أمناء الشرطة سلموا مفتاح إسقاط الدولة لكل أعداء مصر ونظامها، ومكنوهم من اكتساب مساحات لم يكن يحلمون بها، وحققوا مقولة ممدوح حمزة، في تصريحات له مسجلة صوتا وصورة، من أمام نقابة الأطباء عندما قال: «نحن في معركة مع النظام تشبه لعبة الملاكمة يتم حسمها بالنقاط وليس بالقاضية»، نعم دولة أمناء الشرطة تمنح يوميا النقاط لجماعات وتنظيمات الفوضى والتخريب والتدمير ليحققوا نصرا في نهاية المباراة، من خلال إشعال النار في الميادين. دولة أمناء الشرطة تقف وحيدة منبوذة مكروهة من الشعب والنظام، وإذا قررت الدولة التدخل لتضرب بقوة هذه الفئة الضالة قانونيا، حسب الوقائع والشكاوى والمحاضر الرسمية، فإنها ستجد مساندة ودعما شعبيا كاسحا يمكنها من استحداث أدوات تقليم أظافر هذه الفئة التي تعمل ضد أمن وأمان الوطن».
الاستقواء بالوظيفة والسلاح الميري
أما زميله كريم عبد السلام فقد حذر من الاندفاع وراء هذه القضية كثيرا انتظارا لما سيفعله مجلس النواب وقال: «نعم الغضب في الصدور تجاه بلطجية أمناء وأفراد الشرطة، وبينهم الآلاف يستحقون المحاكمات العسكرية وخلع البدلة الميري، نعم الداخلية متباطئة في تطهير صفوفها من العناصر المسيئة، ومنهم من أغلق أقسام الشرطة بالجنازير، واقتحم مديريات الأمن واعتدى على كبار الضباط، ولكن يجب ألا ينسينا الغضب الفخاخ المنصوبة في كل مكان حتى ينفجر بركان الغضب في «التراك» الخطأ، الذي رسمه الأعداء والمتربصون بعد 25 يناير/كانون الثاني، عندما امتدت أيدى المتآمرين ووراءهم السذج والأغبياء لتحرق وتدمر أقسام ومنشآت الشرطة. خلال خمسة عشر يوما سيصدر البرلمان تشريعات وافية كفيلة بضمان محاكمة وعقاب كل من يخطئ من أمناء الشرطة، وبعدها لن يعود لوزير الداخلية ولقيادات الوزارة أي عذر لتأخير تطهير صفوف أجهزة الشرطة من كل فرد بلطجي أو فاسد أو مشاغب أو يستقوى بوظيفته وسلاحه الميري».
ثقافة نشر الخوف لا نشر الأمن
وقال زميلهما محمود سعد الدين في العدد نفسه من «اليوم السابع» محذرا وزير الداخلية: «الوزير قطع على نفسه العهد بأن يجري عددا من الإصلاحات الداخلية في الوزارة، وهو أمر مهم، ولكن الأهم هو إعلان تلك الإجراءات أولا بأول، وألا تكون مسكنات للرأي العام لاحتواء الأزمة فقط، إن أراد الوزير ذلك فهو يعد أيامه المحدودة في الوزارة، وإن بدأ في الإصلاح فسيكتب اسمه في تاريخ الوزارة، لأن الحل معلوم للجميع، القيادات المتجاوزة لا بد أن تخرج بعيدا عن الجهاز الأمني، لأنه في كل خطأ ترتكبه يزداد الجهاز الأمني سوءا في عين المواطن المصري، في الوقت ذاته الذي يقدم الجهاز يوميا الشهداء على أرض الوطن. الوزير لا يتحدث إلا بالقانون والقانون يقف عائقا أمام محاكمة أمناء وأفراد الشرطة، إذن ما العمل؟ وهل تصريحات الرئيس عن التشريعات هي أيضا حديث للتهدئة لا للإصلاح الحقيقي؟ المسؤولية الآن تقتضي من الجميع البدء الفوري في مراقبة أداء الوزارة مراقبة ليس معناها تقليص صلاحياتها في ضبط الأمن العام للبلاد، ولكن مراقبة الغرض منها ضبط الأداء لكل قياداتها وأفرادها من دون إخلال بالقانون، أو مخالفة للدستور، لماذا أقول هذا؟ لأننا أمام وقائع فساد حقيقية في عهود سابقة لوزارة الداخلية أمام واقعة عساكر السخرة في عهد حبيب العادلي، الذين استخدمهم لبناء فيلته في السادس من أكتوبر، نحن أمام فساد في وزارة الداخلية، وهي القضية التي تضم عشرات المتهمين من قيادات سابقين في الوزارة تلقوا الملايين بالمخالفة للقانون، نحن أمام جرائم كانت ترتكب باسم الحفاظ على الأمن ومن قبل هذا نحن أمام ثقافة خطأ يتم بناء شخصية رجال الشرطة عليها ثقافة نشر الخوف لا نشر الأمن».
السيد البابلي: عالجوا الأخطاء بالقانون
وسننتقل من «اليوم السابع» إلى «جمهورية» اليوم نفسه لنكون مع زميلنا السيد البابلي وهو يحذر قائلا: «ونعيد التأكيد على ضرورة حماية الشرطة في هذه الأوقات الحرجة، ولا ينبغي استخدام كل حادث للنيل من رجالات الشرطة، وتشويه صورتهم وتدمير معنوياتهم، نحن أحوج ما نكون إلى تعزيز واسترجاع الأمن، والهجوم على الشرطة يعني عودة الفراغ الأمني وسيطرة البلطجية وخروج الشارع عن نطاق السيطرة، لقد شعر رجال الأمن في أعقاب ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 بأنهم أصبحوا هدفا سهلا للانتقادات، فانسحبوا وتركونا نعاني فوضى هائلة مخيفة، ما زالت بقاياها قائمة، ولا نريد أن نكرر هذا الموقف مرة أخرى فانكسار الشرطة ليس في صالحنا ولا مطلوبا منا، عالجوا الأخطاء بالقانون، ولكن حافظوا على هيئة الشرطة ولا تدعوا الأمناء يختبئون خوفا من بطش الناس بهم».
إحذروا تراكم الغضب
وإلى «وفد» الأحد وزميلنا محمود غلاب وقوله: « تدخل الرئيس السيسي المستمر في كل صغيرة وكبيرة، رغم المهام الثقيلة الملقاة على كتفيه، يؤكد تقاعس أجهزة الدولة عن القيام بواجباتها، فلو كانت وزارة الداخلية تصدت للقلة غير المسؤولة من أمناء الشرطة التي أساءت إلى جهاز الشرطة بالكامل، من وراء تجاوزاتها مع المواطنين، ما كان الرئيس استدعى وزير الداخلية ليذكره بأن مهمة الشرطة هي الحفاظ على أرواح المواطنين ويطالبه بضبط الأداء الأمني. طبعًا جاء تدخل الرئيس السيسي بعد أن اتسعت جرائم الأمناء على الراتق، وكادت الأمور تفلت من يد وزارة الداخلية، في ظل تعاملها مع هذه الجرائم على أنها فردية، حتى تراكمت وأصبحت آلاف الجرائم الفردية، التي تنوعت من الاعتداء على شرف النساء إلى قتل الرجال وممارسة البلطجة وفرض الأتاوات والتعذيب وإجبار الشهود على تغيير أقوالهم. وكان يجب على وزارة الداخلية أن تعلم أن تصديها للأخطاء الفردية التي تقع من بعض أفراد دولة الأمناء الذين تعدوا الـ350 ألف أمين، هو حماية لجهاز الشرطة نفسه، ولكنها تركت الأمناء يضربون القانون بعرض الحائط وتحولوا من حماية أرواح المواطنين إلى قبض أرواحهم، ومن تأمين السيدات في الشارع إلى التحرش بهن…. إن حلم إقامة دولة ديمقراطية مدنية حديثة كما تعهد الرئيس أمام مجلس النواب لن يتحقق إلا باحترام كرامة وآدمية المواطنين، لأن إهدار كرامة المواطن يؤدي بنا إلى دولة الخوف، التي يتعالى فيها رجال الشرطة على المواطنين، ويتحولون إلى ذراع الدولة في البطش.
لا ينكر الشعب الجهود التي يقوم بها رجال الشرطة في الحفاظ على الأمن، ولا ينكر تضحياتهم من أجل الوطن، وسقوط حوالى 750 شهيدًا ما بين ضباط وأفراد برصاص الإرهاب، كل هؤلاء لهم التقدير، وستظل ذكراهم خالدة في ضمير الشعب المصري، ولكن ليس ذلك مبررًا للتجاوز على كرامة وحقوق المواطن المصري، لأن الذين يسيئون إلى المصريين عن طريق إساءة استخدام السلطة، يسيئون إلى ذكرى الشهداء أيضًا. إن طلب الرئيس السيسي من وزير الداخلية إعداد تشريعات لضبط الأداء الأمني وعرضها على البرلمان خلال 15 يومًا لعقاب المتجاوزين وإنصاف المظلومين من المواطنين، يؤكد أن هناك إرادة سياسية للحفاظ على الأمن في إطار قانوني ودستوري، وربما يكون التشريع الذي يحتاج إلى تفعيل هو إعادة قانون المحاكمات العسكرية، الذي تحول إلى محاكمات تأديبية فقط، وأن يكون العزل وجوبيًا وليس جوازيًا، ومساواة الضباط والأمناء في حركة التنقلات، وإلغاء التوطين، واستبعاد المشبوهين، وعدم الاحتفاظ بالسلاح بعد الخدمة… الوقت الحالي هو الوقت المناسب، حتى لا يتراكم الغضب وتكون عقباه فادحة، وثمنه باهظًا».
أحمد جلال: نريد أن يحكمنا قانون العدل
وآخر محطة في قضية أمناء الشرطة ستكون جريدة «الأخبار» يوم الأحد، ذلك أن زميلنا أحمد جلال في بروزاه اليومي «صباح جديد» قال: «تجاوزات رجال الشرطة كانت السبب الرئيسي في اندلاع ثورة يناير/كانون الثاني، ورغم تضحيات العديد من أفراد هذا الجهاز، إلا أنها تذهب هباء أمام كل سقطة من ضابط أو أمين، أو أي شخص ينتسب لوزارة الداخلية، وللأسف ما يحدث لم يعد مجرد حوادث فردية من أشخاص مرضى يعتقدون أن السلطات المخولة لهم تجعلهم يستعبدون المواطنين ويستغلونهم، لكنها تحولت لواقع مؤلم نعيشه كل يوم، وهو ما صنع فجوة كبيرة بين الشعب والشرطة تحولت لاحتجاجات في أكثر من محافظة، وأخيراً انتفاضة الأطباء ثم مظاهرات أهالي قتيل الدرب الأحمر، ولا نعرف أين المكان المقبل، وكل ما نريده أن يحكمنا قانون العدل وليس قانون حاتم! هي مش فوضى».
«حاميها حراميها»
أما زميله حازم الحديدي فقال في بروازه «لمبة حمرا»: «لا أعتقد أن وزارة الداخلية تملك حقوق السيطرة على أمناء الشرطة، العكس هو الصحيح الأمناء هم الذين يسيطرون على الوزارة ويحركونها على مزاجهم، والوزارة تخشى غضبهم وثورتهم ولا تعرف كيف تحمي نفسها منهم، ولا كيف تؤدي مهامها بدونهم، وفي ظل قلة الحيلة وشعار «لا بحبك ولا قادر على بعدك»، اختلت موازين السيادة، وبات حاميها حراميها، وباتت أسلحتهم مصوبة نحو المواطن والوزارة، والحل الوحيد لاتقاء شرهم والشفاء من أمراضهم لا يكمن في القوانين ولا في القوة، وإنما يكمن في حملة شعارها «مقاطعة أمناء الشرطة»، فلا يتعامل معهم المجتمع إلا في حدود ما تقتضيه الضرورة، وإذا عادوا عدنا وإذا لم يعودوا، فهم من طريق وأحنا من طريق».
غياب ملحوظ لفكرة الانتماء
وإلى المعارك والردود المتنوعة التي لا رابط بينها ولا ضابط لها، وبدأها يوم السبت زميلنا في «أخبار اليوم» نبيل عطا وقوله عما يشاهده من تطورات في المجتمع: «مشكلة الأطباء المشتعلة حالياً أو هكذا يُراد لها أن تكون، تعبر تعبيراً دقيقاً عن أن المجتمع المصري يعيش أزمة حقيقية، وهي أزمة يمكن أن نطلق عليها «صراع إرادات»، فكل فئة قررت أن تنتصر لإرادتها المطلقة، وتستغل أي حادث صغيرا كان أم كبيرا، لإشعال الحرائق في مجتمع يئن من غياب ملحوظ لفكرة الانتماء، التي كانت السمة الأساسية المميزة للمصريين بين شعوب الأرض، ولكن المحامين ينتصرون لإرادتهم والأطباء ينتصرون لإرادتهم وكذلك المهندسين وأمناء الشرطة وغيرهم وليذهب الوطن والمواطنون والمجتمع الذي يوشك أن يخرج من عنق الزجاجة إلى الجحيم. وللأسف أصبح كل شخص «يقيس» مصلحة الوطن وانتماءه له على قدر منفعته الشخصية، وإذا سألته اليوم عن الدولة بعد 30 يونيو/حزيران، فإذا كان يشغل منصبا مميزا ويحصل على راتب جيد فسيخبرك بأن الدولة حققت إنجازا، والسيسي رئيس من طراز فريد. أما إذا كان في أزمة شخصية أو مالية فسيخبرك بأن الدولة منهارة والرئيس لم يفعل شيئاً والحكومة فاسدة».
الاختباء وراء جدران الصمت
لا.. لا بل هناك رجال في الدولة، رغم أن الرجال قليل، ومنهم رئيس جامعة القاهرة الدكتور جابر نصار، الذي يجتذب إعجاب صديقنا الإعلامي السيد الغضبان بسبب قراراته الجريئة، التي منعت أعضاء هيئة التدريس المنتقبات من إلقاء المحاضرات بالنقاب، ثم قراره الأخير بمنع الطبيبات والممرضات في المستشفيات الجامعية من ارتداء النقاب أثناء التعامل مع المرضى وقال في مقاله يوم السبت في «الوفد»: «اتخذ الرجل قرارا شجاعا ومستنيرا بمنع المنتقبات من التدريس مع الاحتفاظ بحقوقهن المادية والوظيفية، وانهالت على الرجل سهام التخلف المسمومة، فلم يتقدم زملاؤه مديرو الجامعات المصرية لمؤازرته، بل لزموا الصمت وآثروا الهروب من ساحة الصراع. وأنصف القضاء المصري الرجل وصدر الحكم مؤيدا قرار الدكتور نصار، وتواصلت هجمات قوى التخلف والتعصب، وظل رؤساء الجامعات الأخرى على موقفهم السلبي؟ لم يتوقف الرجل عند حدود هذه الخطوة الهائلة، لكنه واصل السير في الاتجاه نفسه، ليعمق مساحة الاستنارة والحداثة في الجامعة. أصدر الرجل قراره بمنع الطبيبات والممرضات من ارتداء النقاب أثناء أداء عملهن في المستشفيات التابعة لجامعة القاهرة، وفي هذه الخطوة أيضا واصل مديرو الجامعات المصرية صمتهم غير البليغ! ترك مسؤولو الجامعات المصرية والمسؤولون الحكوميون المعنيون بالتعليم الدكتور نصار وحده ليواجه جحافل الظلام والتعصب، التي تشن حربا بالغة الشراسة على الرجل. أطالبهم بأن يعلن كل منهم موقفه بكل وضوح من القضية المتعلقة بارتداء النقاب لمن تتولى مهمة التدريس في الجامعات، ولمن تتولى تطبيب أو تمريض المرضى في المستشفيات الجامعية. الإفصاح الواضح عن المواقف في هذه الظروف ضرورة لا لمؤازرة الدكتور نصار، ولكن ليعرف المواطنون مواقف كل مدير جامعة من هذا الموضوع، الاختباء وراء جدران الصمت لا يعني إلا أحد أمرين الأول: اقتناع الصامت بمواقف الشيخ برهامي وأتباعه. والثاني: أن الممتنع عن إبداء الرأي أضعف من أن يفصح عن رأيه لأنه لم يتعود أن يكون من أصحاب المواقف!».
«مافيا» نهب أراضي الدولة
وفي اليوم التالي الأحد أشار زميلنا وصديقنا في «الأخبار» رئيس المجلس الأعلى للصحافة جلال عارف إلى رجل آخر قوي هو رئيس الوزراء السابق إبراهيم محلب الذي عينه الرئيس رئيسا للجنة استرداد حقوق الدولة فقال جلال: «الآن تدخل المعركة ضد «مافيا» نهب أراض الدولة منعطفا جديدا مع صدور القرار الجمهوري بتشكيل اللجنة التي يرأسها المهندس إبراهيم محلب، لحصر أراضي الدولة التي تم الاستيلاء عليها واستردادها بجميع الطرق القانونية، وكذلك لحصر الديون المستحقة لصالح الجهات الحكومية صاحبة الأراضي المنهوبة واسترداد كل أموال الدولة، ومع تمنياتنا بالنجاح لهذه اللجنة في أداء مهمتها، فإننا نؤكد أن القضية هنا أكبر من استرداد المال المنهوب، الذي يصل إلى عدة مئات من المليارات، إنها قضية أمن قومي لأن القضاء على الفساد أصبح شرطا للتقدم وللحفاظ على الدولة، وهي قضية أمن قومي لأن استمرار نهب المال العام لا يعني إلا أن تصل الأزمة الاقتصادية بالدولة لحدود الكارثة».
إساءة استخدام السلطة
ونظل في «الأخبار» لنكون مع رجل الأعمال خفيف الظل ومؤسس حزب «المصريين الأحرار» نجيب ساويرس وقوله في مقاله الأسبوعي: «قد يظن القارئ أنني أكتب عن صديقي المرحوم أحمد فؤاد نجم وقصيدته الشهيرة، ولكنني في الحقيقة أكتب عن إجراء المنع من السفر، وعن القانون الذي يجب تطبيقه في حالات المنع من السفر، لقد أتتني فكرة هذا المقال عندما علمت بالسماح لنجل الكاتب الكبير المرحوم حسنين هيكل بالرجوع إلى مصر لحضور جنازة والده، وأردت أن اشكر صاحب هذا القرار الإنساني وفي الوقت نفسه أدعو إلى مراجعة القانون والإجراءات التي تحكم منع السفر، لقد استرعي انتباهي أن مسألة المنع من السفر أصبحت تستخدم بكثرة من قبل جهات عديدة، من دون احترام القانون الذي ينظمها، بل إنني علمت أخيرا أن هناك ممثلين لجهات رقابية وأمنية في المطار يسمحون بسفر ويمنعون سفر أي راكب بتعليمات غير مؤيدة بقرار قضائي، وهو ما يفتح الباب للتعسف وإساءة استخدام السلطة، وغالبا ما يصدر قرار المنع من السفر وتظل القضية، من دون أن تنظر لسنوات أو تتأخر سنة بعد سنة، وأنا أعرف أكثر من شخص ممنوع من السفر منذ أكثر من سنتين، من دون أن تحسم قضيته. مرة أخرى كل ما أطلبه هو ألا نفتح الباب للتعسف وإساءة استخدام السلطة. فقليل جدا من يستطيع العيش خارج بلده وترك أهله وأصدقائه وأملاكه، لكي يسافر ويهرب… وكثير من الممنوعين من السفر يستدعي عملهم السفر، وبالتالي فالمنع يؤثر على مصالحهم وأعمالهم وهو ما قد يؤدي إلى تأثر معيشتهم من جراء ذلك. والسؤال هنا هو من يعوضهم عن هذه الأضرار لو حكم ببراءتهم؟ وأليس تطبيق العدالة يخضع للمبدأ القانوني الذي أقرته القوانين الوضعية في العالم كله وهو، أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وأنه خير للعدالة أن يفلت مجرم من العقاب على أن يظلم بريء؟».
إبراهيم عيسى: أين هي الدولة المدنية يا سيادة الرئيس؟
وقد شن زميلنا وصديقنا إبراهيم عيسى رئيس تحرير «المقال» يوم الأحد هجوما عنيفا ضد الرئيس شخصيا قال فيه: «قل كما شئت يا سيادة الرئيس وتحدث في مؤتمراتك وخطاباتك كما تريد، لكن واقع دولتك شيء آخر. دولتك تهدر الدستور وتطارد المفكرين والمبدعين وتحبس الكتاب والأدباء وأصحاب الفكر، وأنت تتحدث طول الوقت عن دولة مدنية حديثة أين هذه الدولة المدنية؟ أين تراها؟ إنها الدولة التي تشهد مطاردات قانونية للأدباء، أكثر مما شهدته في عام الإخوان نفسه، وأكثر بالتأكيد مما لقيه أصحاب الرأي والفكر وأهل الإبداع في عصر مبارك. بعد ثلاثين يونيو/حزيران دولتك تسجن الناس من أجل إبداعهم ورواياتهم يا سيادة الرئيس، ما الذي جرى وماذا حدث بالضبط، ليجعل وطنا يستدير معك إلى عصر تفتيش الضمائر والقلوب ومحاكمة الفكر والعقل وسجن الكتاب والأدباء وملاحقة الأحرار؟ من جعل فترة حكمك مرتعا للمطوعين وجماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كأنها ترعى في شوارع جدة والرياض؟ إذا لم تكن تعلم فتلك مصيبة أعظم، دولتك وأجهزتك كما دولة سلفك وأجهزة سلفك تكره المثقفين وتكره الفكر وتكره الإبداع، وتهوى فقط المنافقين والمتزلفين وناظمي قصائد المديح والمبايعة، هي الدولة التي تستأنف ضد براءة مؤلف. ما كل هذا البؤس الذي تزرعه دولتك في طريقنا يا سيادة الرئيس؟ دولتك تتجاهل الدستور، بل وتحاربه، أنت لم تقرأ الدستور يجوز، لنقرأه لك ولتقرأه دولتك، لا حبس لكاتب إطلاقا إلا في الجرائم المتعلقة بالأعراض والتمييز بين المواطنين والعنف، فمن أين يستمد هذا القانون الكريه شرعية حبس كاتب؟ بعد إسلام بحيري كانت فاطمة ناعوت، وبعد فاطمة ها هو أحمد ناجي يصدر حكم ضده بالسجن عامين بتهمة خدش الحياء في روايته، لقد خدشتم أنتم حياء مصر وهي تغني عن نفسها بأنها بلد الإبداع والفكر والقوى الناعمة قوة دولتك الخشنة تدوس قوة البلد الناعمة يا سيادة الرئيس».
للبطالة مخاطر اجتماعية وأمنية ونفسية
وآخر معارك اليوم ستكون من نصيب مصطفى السعيد في «أهرام» الأحد وكانت ضد الحكومة بقوله عنها: «من الصعب تصديق ما يقال حول أن الإجراءات القاسية لن تمس محدودي الدخل، فهم الطرف الأضعف والشريحة الأكبر، وكان يمكن أن يتحملوا المزيد من القسوة بكل جسارة وصبر لو أنهم رأوا ملامح مختلفة عن سياسات مبارك الاقتصادية، التي عانوا منها طويلا، وتوقعوا أن تتحسن أوضاعهم بعد ثورتي25 يناير/كانون الثاني و30 يونيو/حزيران، لكنهم وجدوا أن الأوضاع تزداد سوءا، وكل إجراءات قاسية يأتي بعدها الأكثر قسوة، سواء بتقليص الدعم ورفع الأسعار أو بيع المزيد من الأصول المملوكة للدولة، ثم جاء قانون الخدمة المدنية ومعه التبشير بطرد ملايين الموظفين من عملهم، من دون إدراك لمدى خطورة البطالة، وأنها ليست فقط إجراء اقتصاديا، بل للبطالة مخاطر اجتماعية وأمنية ونفسية. ليست المشكلة في حجم الفاتورة التي يتعين سدادها والتي تضخمت بفعل التركة الثقيلة لسياسات امتدت نحو 40 عاما دمرت التعليم والصحة والصناعة والزراعة، لكن المشكلة تكمن في أي اتجاه سوف نسير ومن سيتحمل العبء الأكبر؟ لقد تحمل الشعب المصري بكل رضا وصبر نتائج هزيمة 5 يونيو/حزيران 1967، ودفع ثمن إعادة بناء قواتنا المسلحة وحرب الاستنزاف التي كانت من أنصع صفحات العطاء والتلاحم الشعبي، لكنه كان في ذلك الوقت يجد درجة كبيرة من العدالة في توزيع الأعباء، وابن الوزير يجلس في المدرسة نفسها مع ابن الغفير ويتلقيان العلاج في المستشفى نفسه والكفاءة هي المعيار الرئيسي».
هل شاخت مصر ووصلت إلى سن اليأس
أييه.. أييه وهكذا ذكرنا مصطفى السعيد بالذي كنا عليه أيام كان يا ما كان من عهد خالد الذكر في سالف العصر والأوان وما أصبحنا عليه الآن، حيث فقدنا قوتنا الناعمة التي بكى عليها زميلنا في «الأخبار» علاء عبد الهادي يوم الأحد ومسح دموعه وأنشد بالقول: «هل انقضى زمان قوة مصر الناعمة إلى غير رجعة؟ هل انتهى زمان تسيدت فيه الصحافة المصرية الواقع الإعلامي العربي، وكانت مقالات هيكل ومصطفى وعلي أمين وموسى صبري وأحمد بهاء الدين تقرأ من المحيط إلى الخليج؟ هل لن تلد مصر هيكل آخر تقرأ مقالاته ويختلف حولها الرؤساء والملوك العرب، تماما كما يختلف الرأي العام في عدن ودمشق والرباط وبغداد وبيروت والقاهرة؟ هل ذهب زمن طه حسين والعقاد واحمد شوقي؟ هل عقرت مصر وشاخت ووصلت إلى سن اليأس؟ مصر بلد العشرين مليونا حكمت العالم العربي بفنها وثقافتها، فكيف لبلد التسعين مليونا أن تفشل في أن تأتي بأمثال هؤلاء؟ لا أريد أن أتورط في جلد الذات ولكن بداخلي إحساس باليتم، رحل بطرس غالي عميد الدبلوماسية المصرية وأحد أركانها، ورحل بعده بساعات هيكل وقبله بشهور رحل تلميذه جمال الغيطاني والأبنودي كلهم رحلوا ونحن سنرحل ولكن من يذهب لا يأتي من هو بمثل قامته، أم أنهم موجودون ونحن لا نعطيهم الفرصة؟ قد يكون مصر أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وشادية ووردة لا يمكن أن تستقيم مع مصر السبع بلطات واللمة في الحارات».
سبحان من له الدوام وحده
أييه.. أييه مرة أخرى ذكرني علاء ببرنامج تلفزيوني أذاعته مساء الخميس الماضي قناة «دريم» وكانت قد أذاعته من ثلاثة عشر عاما مضت وقدمه زميل وصديق العمر جمال الغيطاني، وكان بمناسبة بلوغ أستاذنا الكبير محمد حسنين هيكل عامه الثمانين وتحدث فيه كثيرون والظاهرة التي لفتت انتباهي هي أن كلهم ماتوا قبل وفاة هيكل باستثناء أطال الله ربك عمرهما، الأول صديقنا وزير الثقافة الأسبق الدكتور جابر عصفور والثاني صديقنا نجم النجوم عادل إمام وسبحان من له الدوام وحده.
حسنين كروم