الإرهاب العنفي والعنف الإرهابي

«إنّه زمن ينهار فيه كلّ شيء ويبدأ بالتشكّل من جديد» قولة أطلقها الكاتب الروسي الفذّ تولستوي في مطلع القرن العشرين، ويبدو أنّها تتحقّق في نهاياته وبدايات الألفية الثالثة، كما لو أنّ الذي حدث في التاريخ المعاصر ونشهده في عنفه الكوني الذي لم يسلم منه إنسان ولا طائر ولا حجر قد جاء من خارج التاريخ، أو أنّ مصدره القوى الطبيعية التي كان الإنسان البدائي يستمدّ منها مفهوم الألوهية، حيث كان يراها تتحكّم به في أشكال مختلفة، أعاصير ونار وبراكين ومياه، فعبدها وقدّم لها القرابين تقرّبا منها واسترضاء لها لعجزه في مجابهتها أو الحدّ من  تأثيراتها.
إنّه زمن التّيه والتخبّط والضلال الذي يُدخل البشر من كلّ الأجناس وفي كلّ مكان في حلبة العنف والعنف المضاد، ولا أحد يملك الاختيار في مرحلة ما، فالعنف  في السياق المعاصر أصبح سيّد الأحكام وكأنّنا في زمن البدايات والإنسان الأوّل حيث الصراع الدموي وتعدّد الآلهة، وكأنّنا لم نُبلّغ بعد ونحن في القرن الواحد والعشرين حقائق التوحيد والأخلاق المثلى، ولم تتوال علينا قافلة الرسل من إدريس إلى نوح إلى عاد إلى لوط إلى صالح وشعيب وأيّوب إلى سليمان إلى اسحاق ويعقوب إلى يوسف وداوود إلى موسى وعيسى ومحمّد صلوات الله عليهم أجمعين.
ولعلّه  الانهيار الذي جاء في غفلة من التاريخ المحروس والجغرافيا المراقبة، بتعبير ابراهيم محمود، حيث عولمة العنف والتعبير عن العنف تتبدّى بجلاء مشعّ.
لقد امتزج مفهوم العنف بالثقافات وتداخل مع أشكال القيم الاجتماعية والتربوية والجمالية، وتسلّل إلى قلب الحضارات ويسعنا والحال كذلك التّمييز بين العنف الذي دشّن تاريخ الإنسان من لحظة خروجه من الجنّة وهبوطه إلى الأرض وأصبح علامة أزلية ضمن ترسيمة العداوة، ذلك الهبوط من عالم الفردوس إلى عالم «الكون والفساد» كما كان يسمّيه الفلاسفة المسلمون، وبين العنف الممأسس الذي تديره قوى الإمبريالية والطغيان العالمي، وفي مقدّمتها أمريكا وإسرائيل. فلا أحد ينكر على أمريكا احتكارها العنف إلى زمن قريب، فهي صاحبة الفضل في تخريب الشرق الأوسط بعد احتلالها العراق، فكلّ ما يحدث في المنطقة منذ تلك اللّحظة إنّما هو استتباع لكارثة غزو العراق، ومنذ ذلك الحين تتزايد وتيرة العنف يوما بعد يوم، من خلال مفردة اكتسبت طابعا كونيّا هي «الإرهاب» حتّى أنّ العقل المميّز اليوم بمفاهيمه لم يعد قادرا على ملاحقة المستجدّات، مثلما عبّر الأمريكي ريتشارد رورتي في كتابه «الإنسان المرآوي أو المنعكس».
ولا يمكن أن نغفل الحديث عن الاختلافات والصّراعات القيمية وكيفية تجسيدها أو التعبير عنها ومن هم ممثّلوها، ومن هم ضحاياها في عالم اليوم الذي يُشعل فيه انسان الأزمات ليشغل الآخر بالبحث في كيفية تجاوزها. ثمّة نزع للقداسة عن العالم، فأمريكا من موقع القوّة والنفوذ باتت الدولة الوحيدة التي لا تلتزم مفهوم الدولة بالمعنى الحدودي، وهي إلى جانب وليدتها إسرائيل أو كيانها الوظيفي في الشرق الأوسط لا تلتزم قداسة القيم الحدودية للدول وشرعيتها، وبالنظر إلى العنف الممأسس والمدار والمحتكر أمريكيا والذي يتمظهر في مقولة الإرهاب، حيث لا حدود محصّنة أمام هذه الصناعة الأمريكية المتقدّمة جدّا في التخريب الممنهج يعبّر الإرهاب بكامل قيافته ورهبة المدلولات الممزوجة فيه أصدق تعبير عن تجاوز الحدود وتخطّيها كونيّا، فلا توجد دولة ما اليوم بمنأى عن جاهلية القرن الواحد والعشرين بما تعنيه من تفجير وسفك للدّماء.
ثمّة بلبلة في الإنشاء الحدثي وسرديات مختلطة يظنّ كثيرون فيها أنّ مقولة الارهاب وحّدت العالم الذي ينشغل فيه إنسان اليوم بسؤال الأمس – السؤال الأزلي المتجدّد: كيف يمكن تجاوز أزمة البشرية؟ ويتناسى دور الدول المارقة في صناعة الإرهاب، هذا الوحش المتمدّد الذي يتبدّى كالفيروس، فنسترجع حينها قول ماركس: طثمّة شبح يلاحق أوروبا اليوم هو شبح الشيوعية»، لنقول ثمّة شبح يلاحق النظام العالمي في أيّامنا هو شبح الإرهاب، ماثل في كلّ مكان، كأنّ هناك حقنا عالميا متواصلا للإرهاب يجعله حاضرا على صُعد شتّى وفي المكان الواحد أحيانا. والأمر كذلك عندما يتحوّل الإرهاب كالظلّ الملازم لكلّ نظام سيطرة أو خلط للأوراق ومحاولة تغيير الجغرافيا السياسية.
إنّهم حرّاس المشهد السرّي ومؤلّفوه باستعارة تعبير لجون بودريارد، وهم يعلمون حركة اللعبة ولكن بدون إمكانية الإحاطة بالنتائج، وبالفعل من صنع الإرهاب لا يستطيع اليوم أن يتحكّم فه ، فهو يرتدّ على الجميع، فصانع الإرهاب ومهندسه يمكن أن يدرك البدايات ويوجّه المسارات الأولى، ولكن النتائج عادة ما تنفلت من بين الأيدي، ومثال ذلك «داعش» صناعة المخابرات الغربية.
إنّ الإرهاب لا يتحدّد إلّا بتحديد القاعدة الدّاعمة له، فهو لا ينعزل عن جملة مقوّمات اجتماعية وسياسية واقتصادية هي خطّ سيره، وهو اليوم في قلب الصراع الذي يطال بنية الثقافة وبنية الحضارة في تجلّياتها الاجتماعية والسياسية والتربوية والقيمية، ويتجاوز المفهوم الضيّق لصراع الحضارات الذي نظّر له اليمين الأمريكي من أمثال برنارد لويس وصموئيل هنتنغتون.
يتبدّى حينئذ الحاضر المقلق للعالم العربي والإسلامي ويتجلّى إلحاح التساؤل عن الطريقة للخلاص من شبح الهيمنة والإقصاء والتخريب، الذي انقسمت بفعل تأثيراته المباشرة الأمّة الإسلامية وتفرّقت إلى دول قُطرية، ورسم الغرب حدودها بعد أن استعمرها واستنزف ثرواتها ثم تركها تعيش تبعية العلوم والتكنولوجيا والفنون والمعارف، وزادت أشكال الاحتواء الغربي للمنطقة مع نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة بفعل العولمة والهيمنة بواسطة السوق، ثم تظهر موجة الاسلاموفوبيا واستعداء المسلمين، ومن ثمّة مقولة الإرهاب التي تهدف إلى تشويه الإسلام وحضارته، فالقنابل التي تفجّر هنا وهناك إنّما يفجّرها ارهابيون مأجورون سلفا يردّدون شعارات اسلامية، وهو المطلوب لتشويه صورة الإسلام الدين الحنيف في الوقت الذي تأتيهم الأموال من بنوك أمريكا وأنكلترا وسويسرا وفرنسا وغيرها وتقيم لهم مثل هذه الدول المؤتمرات، وتوفّر لهم الإقامة والحماية علنا أو تحت بند اللّجوء السياسي، وكلّ شيء ممكن فعله وهو مستباح إذا ما كان اغتيال الإسلام هو البرنامج الذي عملت عليه الولايات المتحدة وبريطانيا واسرائيل.  

٭ كاتب تونسي

الإرهاب العنفي والعنف الإرهابي

لطفي العبيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية