■ يلاحظ الباحث في حيثيات قضية فلسطين، وموقعها الجيو- سياسي في إستراتيجية الإمبراطوريات الأوروبية الغربية في القرن التاسع عشر ونفوذها المتنامي في الشرق الأدنى، وصلته المباشرة بالتنافس التصادمي للهيمنة على ولايات السلطنة العثمانية العربية والأوروبية، الذي تعود جذوره إلى القرن السادس عشر، مع بدء تعاملات بريطانيا مع السلطنة العثمانية والهند وتجارتها البرية مع الشرقين الأدنى والأقصى، رغم عدم مجاورة انكلترا للدولة العثمانية إقليمياً، أن الدول الأوروبية المتنازعة على مناطق النفوذ في الشرق الإسلامي أولت بلاد فلسطين اهتماماً كبيراً، لاعتبارات جغرافية – سياسية، من غير إهمال البعد الديني والمد التاريخي للأرض المقدسة لدى أتباع الديانات السماوية.
ومن ذاك العهد غدت فلسطين محور مخططات استعمارية على مدى القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين. وعلى الأرض المقدسة، مارس الإرهابيون اليهود وحماتهم قوات الاحتلال الفرنسي والبريطاني والأمريكي، لاحقاً، أصناف القمع السياسي والقهر الديني والاجتماعي، ودفعوا الصهاينة إلى السطو على أملاك الفلسطينيين ومصادرة بيوتهم وأراضيهم ونهب ثرواتهم، والإخلال بتركيبة فلسطين القومية وتدمير معالمها الحضارية والدينية، بغية محو هويتها الوطنية وانتمائها العربي، وتحويلها تدريجياً إلى مستعمرة صهيونية ليهود أوروبا الشرقية وأفريقيا، الذين لا جامع لهم بالأرض المقدسة وشعبها سوى أن زمرة ممن يدعون أنهم من أبناء دينهم (صلبوا السيد المسيح (ع) على أرضها!)، مضافاً إليها تلك الخرافات والأوهام التي روجها المتطرفون اليهود والمسيحيون الصهاينة، المستعمرون الجدد، أصحاب العقيدة الألفية البالية.
وتدريجياً حولوا أرض الرسالات السماوية والحضارات العريقة إلى دار حرب وعدوان على دول المنطقة وإرهاب لا تخمد ناره على الإسلام والمسيحية.
وبهذا ألحق الإرهاب اليهودي الصهيوني وكيانه الشرير (إسرائيل) المدعوم رسمياً من حكومات غربية متطرفة، أشعلت حروباً استعمارية ودينية وعرقية غير عادلة في بقاع واسعة من العالم، ومنظمات دينية وسياسية عنصرية متزمتة، مناهضة للفكر الثوري التنويري السمح وموغلة في كراهيتها المفرطة للإسلام وأتباعه، أضراراً جسيمة بعمليات البناء الاقتصادي والاجتماعي والتحولات السياسية في الدول العربية والإقليمية، وانجاز استقلالها الوطني، بل صدعوا منظومة التعايش السلمي وقيمها العادلة، والتعاون بين الشعوب والأقوام والثقافات والأديان والمذاهب في الشرق الإسلامي والعالم أجمع. ويمكن اعتبار مجريات الأحداث والاعتداءات الخارجية التي تعرضت لها بلدان الشرق الأدنى في القرن العشرين، وما بليت به فلسطين من استعمار استيطاني يهودي، إفرازا مباشرا لتصادم المصالح التجارية البريطانية والفرنسية في ولايات السلطنة العثمانية التي تحولت منذ القرن التاسع عشر إلى مصالح سياسية استعمارية، أخذت طابع التورط والتدخل في شؤون رعايا الدولة العثمانية، وسرى ذلك على أوروبيين ويهود ونصارى وأقليات عرقية وطائفية في فلسطين وسوريا ولبنان. كل هذا تجسد لاحقاً في اتفاقات الحماية التي أبرمتها بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا مع السلطنة العثمانية ورعاياها.
وفي مساعيها للتسرب إلى أملاك السلطنة واقتسام ولاياتها في الشرق الأدنى كانت الدول الاستعمارية تستفيد من التظاهر في الدفاع عن هذه الطائفة أو تلك فقد (وجدت بريطانيا أنها في حاجة إلى طائفة لتواجه روسيا القيصرية وفرنسا، فأرادت أن تتوكأ على اليهود، ولجأت في ما بعد، حين اشتد الصراع بين الدول الإمبريالية، إلى زعماء الدّروز تماماً، كما وجدت فرنسا بغيتها في زعماء الموارنة وروسيا القيصرية في زعماء الروم الأرثوذكس). الأمر الذي سعّر التنافس السياسي والاقتصادي والديني بين تلك الدول في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى الحرب العالمية الأولى، التي كان من نتائجها خضوع فلسطين لقوات الاحتلال البريطاني ومن ثم لحكومة الانتداب التي مهدت مع الدول الغربية الكبرى لقيام الكيان الصهيوني في فلسطين عام (1947).
ولعل من المشين، بل ما يتعارض تماماً مع قيم ومبادئ العدالة الدولية أن تواصل، وإلى اليوم، دول أوروبا وأمريكا مد الكيان الصهيوني الشرير بكل أشكال الدعم، المالي والبشري والعسكري والتقني، للحفاظ على سياسة الإبادة والتمييز العنصري التي تنتهجها حكومات وأحزاب هذا الكيان العدواني ضد الشعب الفلسطيني المحروم، حتى من حق الحياة على ترابه الوطني بأمن وسلام، في الوقت الذي تجند أطراف أوروبية وأمريكية رسمية إمكانيات عسكرية واقتصادية وسياسية ودينية وإعلامية هائلة لتشجع وتمول هجرة المتطرفين اليهود إلى فلسطين المحتلة، وتتجاهل عن عمد حق ملايين اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وفق قرارات الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي.
ولا ريب أن بريطانيا وفرنسا وأمريكا وألمانيا والكيان الصهيوني، بل ومنظمة الأمم المتحدة بجميع أعضائها، تتحمل اليوم مسؤولية تاريخية وقانونية وأخلاقية أمام أجيال الفلسطينيين والعرب الذين أصيبوا، منذ بدء تهجير اليهود من بلدان أوروبا إلى فلسطين أواخر القرن التاسع عشر، بأضرار فادحة ومعاناة إنسانية جسيمة، تبيح لهم مقاضاة تلك الدول وحكوماتها ومنظماتها الصهيونية وسياساتها العنصرية البغيضة تجاه حقوق الشعب الفلسطيني العادلة، التي أقرتها الجمعية العمومية للأمم المتحدة ومحافلها الدولية. وكان من إفرازات تلك السياسات الغربية غير المنصفة أن تمادى الكيان الصهيوني في إبادة وتهجير وتشريد مئات الآلاف الفلسطينيين من وطنهم الشرعي والتاريخي وحرمانهم من العيش في حياة كريمة على ترابهم الوطني، ما تسبب في سلب أرضهم ونهب أملاكهم.
هذا ويَعرف فقهاء القانون الدولي والجنائي أن سياسة الإرهاب والتطهير العرقي التي ينتهجها الكيان الصهيوني تجاه الشعب الفلسطيني، المجسدة في عمليات الغزو والإبادة الجماعية والتهجير واغتصاب الأرض والثروات والموارد، تشرع للفلسطينيين حق المطالبة بالتعويض المادي والروحي عن تلك الآلام والمآسي والمعاناة الإنسانية المروعة التي تتواصل منذ قرن من الزمان على مرأى ومسمع الحكومات والمنظمات الدولية ولجان حقوق الإنسان ودوائر الإعلام.، وفعلاً، كم هو ماض تعبير المفكر إدوار سعيد عن حالة الفلسطيني اليوم وتلك السياسات الظالمة لدول الاستكبار الغربية على أرض يسوع (ع) وأرض الإسراء والمعراج؛ «لقد تبخر من حياتي وحياة الفلسطينيين جميعاً ثبات الجغرافيا وامتداد الأرض. وحتى لو لم يقم أحدهم بإيقافنا على الحدود أو سوقنا إلى مخيمات جديدة أو منعنا من الدخول أو الإقامة أو السفر من مكان إلى آخر، فإنَّ أراضينا يجري احتلالها، ويتدخل الآخرون في حياة كلّ منا بصورة اعتباطية وتمنع أصواتنا من الوصول إلى بعضنا بعضاً إنَّ هويتنا تُقيد وتُحبس وتُحاصر في جزر صغيرة خانقة ضمن محيط غير مضياف تحكمه قوة عسكرية عليا تستخدم رطانة إدارة حكومية تؤمن بالطهارة (العرقية الخاصة).
٭ باحث وأُستاذ جامعي عراقي ـ روسيا
ناظم مجيد حمود