«الإستعداد لحزب الله»: جوبلان ومالك بن نبي وأوضاعنا

حجم الخط
3

عندما أنهى طالب الدكتوراه الماروني بولس نجيم، وكان يوقّع بإسم «جوبلان»، أطروحته بالفرنسية «مسألة لبنان. دراسة في التاريخ الديبلوماسي والقانون الدولي» عام 1908، خلص إلى إقتراح التالي: الجبل لبنانيّون من أبناء المتصرّفية ناضجون كفاية لإعتماد النظام الديمقراطي، لكن سلبهم السواحل والسهول يجعل كتلتهم تنزف بشكل مخيف على الصعيد الديموغرافي، و»اذا كنا لا نريد تدمير الأمة المسيحية في لبنان وبعثرتها في أطراف العالم ينبغي اعطاءها أراضي جديدة».
تابع جوبلان بأن البقاع وبلاد البشارة بإمكانها إطعام أكثر من خمسة ملايين نفر، ولا تكاد تكفي اليوم لإطعام بضعة مئات من الآلاف، كون الزراعة فيها متخلفة، أما التجارة والصنائع فمعدومة. قال بالحرف:
«بدلاً من الاستيطان في مصر وأمريكا، من الأفضل أن يستوطن اللبنانيون في بلادهم، سوريا، المتروكة اليوم، والتي هي في حاجة كبرى إلى مستوطنين حيويين، مثابرين ومتعلّمين».
كذلك يستخدم بولس نجيم تعبير «انديجين» للكلام عن سكان البقاع وبلاد البشارة التي يطالب بضمّها إلى لبنان، في فترة شاع فيها المصطلح للإشارة إلى أبناء المستعمرات الأوروبية ما وراء البحار. لا يكل عن الترداد بأنّ اللبنانيين (أبناء الجبل) «هم بلا منازع القسم الأكثر إتقاداً وحيوية وعملاً وتحضراً بين سائر المجتمعات السورية»، وأنّهم قادرون وحدهم على «رفع الإنديجيين الآخرين ومنحهم وحدة وطنية وقيادتهم نحو التقدّم». ثم يعود جوبلان ويخفّض من حدّة الإستعارة الإستعمارية، مستنجداً بحركة الوحدة الإيطالية. فكما لعبت البييمونتي الدور القيادي في توحيد ايطاليا، كذلك هم الجبل لبنانيون بالنسبة إلى سوريا، إنّهم بييمونتيو سوريا، وعلى القوى الكبرى أن تعينهم على وظيفتهم التاريخية هذه.
مخيفة المقارنة بين ما اقترحه جوبلان، كمسوّغ لإلحاق البقاع وبلاد البشارة بجبل لبنان، ولقيادة لبنان الموسّع هذا لعموم البلاد السورية في نفس الوقت، وما آلت عليه الحال اليوم. فبدلاً من قابلية لبنانية للاستعمار الداخلي لسوريا، آلت الأمور بعد عقود قليلة على إستقلال البلدين إلى إستتباع سوري للبنان ثم تدخل فئوي من جزء من لبنان لمساندة نظام الجزء في سوريا، وبدلاً من حركة استيطان مارونية في المناطق التي طالب جوبلان بضمّها وإحياء الزراعة فيها، ولأجل ايقاف هجرة المسيحيين إلى مصر والأمريكيتين، تواصلت الهجرة، وانقلبت حال المسيحيين من أكثرية إلى أقلية داخل لبنان الكبير، بل أن نسبتهم تراجعت في بيروت نفسها منذ بدايات الإنتداب الفرنسيّ، وما كادت تضع الحرب اللبنانية أوزارها حتى اكتشفوا تماسهم مع مدينة جديدة لها انضباطها الخاص وتشمل المطار الدولي الوحيد في البلد، ولدت جنوب بيروت، هي مدينة الضاحية الجنوبية، التي دخلت في عقد السلم الأهلي الهشّ والقسريّ والمجتزأ، كعاصمة لـ»الكيان حزب الله».
قابلية الاستعمار التي راهن عليها جوبلان ارتدت على أعقابها، حتى بات السؤال الذي يجري التهرّب منه اليوم، في لبنان، لا ينحصر بمدى السيطرة التي يحققها «حزب الله»، بل عن الاستعدادية لارتضاء هذه السيطرة عند المجموعات اللبنانية الأخرى بأنماط وأشكال ومشاعر مختلفة. عن «القابلية لحزب الله»، المنفصلة إلى حد ما عن ظاهرة «حزب الله» نفسه».
وإذا كان بولس نجيم قد تحدث مطلع القرن العشرين عن ضرورة استيطانية مارونية للبقاع وبلاد البشارة، وضرورة قيادية تحضيرية مارونية للبلاد السورية بالمجمل، فإنّ «القابلية للاستعمار» مفهوم له أرضية أخرى: فهو مرتبط بالمفكر الجزائري، الفرانكوفوني الإسلامي الوجهة، مالك بن نبي، وكتابه «وجهة الإسلام» الذي صدر في الفترة التالية مباشرة لنكبة فلسطين. ميّز مالك بن نبي بين «القابلية للاستعمار» وبين الاستعمار. الاستعمار في نظره يصدر عن تعطّش لنهب الثروات والشعوب «قبل الإبحار» إليها. أما القابلية للاستعمار، فموجودة في العالم الإسلامي، منذ ما يصفه بعصر ما بعد «دولة الموحدين». أسطورة الاستعمار تحجب مرارة «القابلية للاستعمار»، والتحرر من الاستعمار يكون بالتحرر أولاً من قابليته. لا بل يزيد بن نبي بأن الاستعمار هو الأثر السعيد للقابلية للاستعمار، إذ يتيح الاستعمار للقابلين له بأن يتحرّرون من «انديجينيتهم»، من كينونتهم الخاملة المحلية.
يميل بني نبي إلى جوهرة هذه الثنائية (القابلية للاستعمار السابقة عليه بقرون ـ التعطش الإستعماري ما قبل الإبحار)، لكن هذه الثنائية توصف إلى حد كبير شيئاً غير مصرّح به بهذا الإطار، لكنه موجود في نظرات اللبنانيين اليوم إلى بعضهم البعض. القابلية للاستعمار كما فسّرها بن نبي هي قابلية أن يتحوّل قوم إلى قوم فولكلوري بالنسبة إلى قوم آخر. في كتابه، يشير بن نبي، إلى أنّه يمكن للمستعمر أن يجعل من المستعمَر (بفتح الميم) مهرّجاً أو إمبراطوراً لا فرق، ما دام فولكلورياً في الحالتين، والمؤشرات اللبنانية تشي بإتجاه متعاظم من هذا القبيل: قابلية الوجود اللبناني لأن يتحوّل إلى فولكلوري بإزاء «حزب الله».
بقي أنّ هذه «القابلية لحزب الله» لها حدودها أيضاً، ما دام الحزب هو أيضاً لا يستطيع أن يتخلّى، بدوره عن فولكلوريته التي هي أيديولوجيته، ومن خلالها عن «قابليته للاستعمار»، ربطاً بالمحور الأجنبي الذي هو منخرط به.
فنحن أقرب إلى «محاكاة» للآليات الإستعمارية المتواترة في الذاكرة وفي المخيال، أكثر منها «تنشيط لهذه الآليات. فبعد كل شيء، لا يزال كلّ في مكانه، كل مجموعة دينية لبنانية في مكانها، مع تعديل لا يتجاوز نصف الكيلومتر خط تماس بين الضاحيتين الجنوبية والجنوبية الشرقية لبيروت. ليست هذه «القابلية لحزب الله» مجرّد فوبيا، لكنها ليست أيضاً مجرّد واقع. أطروحة جوبلان الاستيطانية لم تطبّق، لكن التوّهم بأنّ الأطروحة المعكوسة قابلة للحياة هو غيض من فيض، فيض الاستلاب بـ»الاستعداد لحزب الله».

٭ كاتب لبناني

«الإستعداد لحزب الله»: جوبلان ومالك بن نبي وأوضاعنا

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية