الإسهال المائي يفتك بآلاف السودانيين في العاصمة والولايات

حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»: توفي في السودان مئات المواطنين جراء الداء الذي تسميه السلطات الرسمية (إسهال مائي) في الفترة من آب/أغسطس من العام الماضي وحتى هذا الشهر وفقا لإحصائيات رسمية، وأصيب آلاف المواطنين، بينما تقول مصادر طبية إنه وباء الكوليرا.
وانتشر المرض في معظم ولايات السودان وسُجلت حالات وفيات وإصابات في ولايات النيل الأبيض والجزيرة والخرطوم ونهر النيل وسنار والنيل الأزرق والقضارف والبحر الأحمر والشمالية وشمال كردفان.

تشكيك في الأرقام الرسمية

وحسب الإحصائيات الرسمية تجاوز عدد المصابين بالمرض 16 ألف حالة منذ آب/أغسطس من العام الماضي وارتفع عدد الوفيات لأكثر من 285 خلال تلك الفترة وشككت منظمات المجتمع المدني في هذه الأرقام مشيرة إلى أن العدد أكبر من مما ذكر.
وأوردت النشرة الدورية لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في السودان «أوشا» أن نسبة الأطفال بين المصابين بلغت 87 في المئة في 11 ولاية بما فيها العاصمة الخرطوم من أصل 18 ولاية يتألف منها السودان.

الحكومة ترفض تسمية المرض بالكوليرا

ورفض وزير الصحة السوداني بحر إدريس أبو قردة تسمية الإسهالات المائية المنتشرة حاليا في السودان بالكوليرا، وأقر أن وزارته تحتاج إلى إمكانيات وخطة استراتيجية لمحاصرة المرض.
وأضاف في حديث داخل خيمة الصحافيين الرمضانية، أنهم أبلغوا منظمة الصحة العالمية بالوضع الموجود في السودان، وأقر أن مواطني ولاية النيل الأبيض، وهي أكثر المناطق إصابة بالمرض كانوا يشربون مياه غير صحية (بدون كلور).
وأوضح الوزير أن العلاج الجذري يكمن في حل مشكلة تلوث المياه وتردي البيئة، واشتكى من تقاعس جهات عديدة وعدم قيامها بمسؤوليتها تجاه المجتمع، معتبرا أن الوضع الصحي في البلاد يحتاج إلى جهود كبيرة.
وأوضح مدير إدارة الطوارئ، صلاح المبارك أنهم سيطروا على الوباء في المناطق التي انتشر فيها، مؤكدا أن ظاهرة الإسهالات المائية ليست جديدة على السودان، ونوه إلى أن هناك 9 ولايات توقف فيها الإسهال المائي منذ العام الماضي، نافيا حاجة السودان لعون خارجي خاصة في مجال الكوادر البشرية وأكد توفر الدواء والمعينات الطبية.
وعزا مدير إدارة صحة البيئة د. أحمد الكامش، تردي الأوضاع الصحية لهشاشة البنى التحتية في مجال البيئة، مؤكدا ضآلة نسبة الحصول على مياه شرب نقية من حيث الجودة والكمية.

مياه ملوثة

ويعاني ملايين المواطنين في السودان من عدم حصولهم على مياه شرب صالحة. وقالت منظمة اليونيسيف أن 13مليون مواطن يستخدمون مصادر شرب غير محسنة.
وأشار تقرير نشرته منظمة الأمم المتحدة لحماية الطفولة قبل شهرين، أن ثلث عدد الأسر يحصلون على المیاه المأمونة في ولایات البحر الأحمر والنیل الأبیض والقضارف مقارنة بنسبة 90 في المئة في ولایتي الخرطوم والشمالیة.
وأكدت المنظمة الدولية أن نقص المياه المأمونة بالنسبة للأطفال یشكل أمرا كارثیا، مشيرة إلى أن الأسباب الرئیسیة لسوء التغذیة ووفیات الأطفال بالاسهالات مرتبطة بمیاه الشرب غیر المأمونة، وفقر الصرف الصحي.

النيل الأبيض تتصدر

ووقعت في ولاية النيل الأبيض النسبة الأعلى في عدد الوفيات والإصابات. حيث ذكرت الإحصائيات الرسمية وفاة 70مواطنا واصابة 2755 بالكوليرا، وشككت منظمات المجتمع المدني في هذه الأرقام مشيرة إلى أن العدد أكبر من ما ذكر.
وقال عبد الرحمن الصديق رئيس منظمات المجتمع المدني في الولاية، إن الأرقام الحقيقية أكبر بكثير مما يذكره موظفو الحكومة، مشيرا إلى عدم وجود أطباء ومعينات ومسؤولين نظرا لحل حكومة الولاية وعدم تعيين الحكومة الجديدة. وأكد عبد الرحمن انتشار المرض في كوستي وربك والجزيرة أبا وأم جر والشكابة وعسلاية والكنوز والقرى التي تقع بين هذه المناطق.
وأشار إلى إخلاء بعض المدارس وتحويلها لمستشفيات لاستقبال المرضى وأرجع سبب تفشي المرض لتلوث مياه النيل الأبيض وعدم توفر مياه الشرب الآمنة وغياب الرعاية الصحية والتوعية بخطورة وسرعة انتقال المرض، موضحا اختلاط المرضى بذويهم دون عزل ونفى أي دور للاجئي جنوب السودان في نقل الوباء.
واعتبر رئيس منظمات المجتمع المدني التلوث الذي تحدثه مصانع السكر الموجودة في المنطقة سببا مباشرا في هذه الكارثة، مضيفا أن مخلفات هذه المصانع تصب مباشرة في النيل دون حسيب أو رقيب، واتهم جهات لم يسمها بممارسة الفساد الإداري والإهمال وطالب رئاسة الجمهورية بالتدخل وحماية أرواح المواطنين.

معسكرات اللاجئين

ولم تنج معسكرات اللاجئين من هذا المرض، وذكر ناشطون أن معسكر أم قرقور للاجئين الإرتريين في ولاية القضارف شهد أكثر من مئة إصابة في اسبوع واحد نتجت عنها ثماني وفيات وتم إخلاء غرف المستشفى بالمعسكر وتخصيصها لإصابات الإسهال المائي ونصبت خيام إضافية لاستقبال المرضى.
وفي 8 حزيران/يونيو، أطلقت وزارة الصحة الاتحادية حملة تلقيح ضد الكوليرا عن طريق الفم بدعم من منظمة الصحة العالمية استهدفت خمسة آلاف مواطن في المخيمات التي تستضيف لاجئين من جنوب السودان في ولايات جنوب كردفان، وتجري الحملة في خمسة مخيمات للاجئين في مناطق الليري، واستهدفت 28 271 شخصا، وفي أبو جبيهة واستهدفت 23 274 شخصا.
وقالت لجنة أطباء السودان إن الوضع الصحي في البلاد بصورة عامة كارثي ومعدل الإصابة بالمرض متصاعد وتزيد دائرة انتشار المرض بصورة يومية، وطالبت وزارة الصحة أن تعترف السلطة بأن هنالك وباء وتتخذ التدابير اللازمة بكل مهنية، وأن توفر المحاليل الوريدية والعقاقير والتحاليل المخبرية وأملاح الكلور وإجراءات السلامة للمرافقين والعاملين بصورة عاجلة في كل مناطق انتشار المرض.
وبيّنت أن انهيار النظام الصحي في البلاد وافتقار الطوارئ لأبسط المقومات الأساسية هو الذي أدخل الأطباء في إضرابي تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي، وذكرت أن وزير الصحة الاتحادي ونائب رئيس الجمهورية لم يفيا بوعدهما بتهيئة طوارئ (22) مستشفى في الولايات وأشارت إلى أنه «لم يتم تجهيز أي مجمع للحوادث من مجمل ما تم الاتفاق علية في المصفوفة لتكشف الكوليرا مجددا سوء النظام الصحي المتهالك وهي تفتك بأبناء الوطن بالمئات وفي أكبر المؤسسات العلاجية الحكومية في البلاد».
وقالت نقابة أطباء السودان الشرعية وهي التي لم تعترف بالنقابة الحكومية الحالية إنها «تتابع بقلق بالغ الوضع الصحي المتدهور الذي تعيشه ولاية النيل الأبيض هذه الأيام جراء الانتشار الوبائي للإسهالات المائية الحادة المشتبه في كونها كوليرا وما يصاحب ذلك من ضعف استجابة الدولة».
وانتقدت استمرار وزارة الصحة في نهجها الذي ظلت تلتزمه من عدم مهنية وعدم شفافية بإعلانه والكشف عن مسبباته والتصدي له بالجدية والمسؤولية التي يتطلبها، مضيفة أن هذا الوضع يعكس بوضوح مدى تدهور صحة البيئة وضعف البنيات الأساسية للرعاية الصحية في البلاد ورداءة خدمات المياه وتدني الحالة المعيشية للمواطنين وذلك كانعكاس طبيعي لسياسات النظام التي ليس من أولوياتها حياة المواطنين وسلامتهم.

ادانات

وتفاعلت منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية مع الوضع الصحي، وطالب ناشطون الحكومة بالاعتراف بأن الوباء المنتشر هو الكوليرا. وأدان الحزب الشيوعي السوداني موقف الحكومة وحملها تفاقم الأوضاع الصحية للمواطنين وأرواح الموتى، وقال إن اعترافها جاء متأخرا عبر وزير الصحة الاتحادي نتيجة ازدياد الضغط الشعبي عليه، وانتقد تملص وزراء الصحة في الولايات من مهامهم.
وانتقد الحزب الشيوعي الحكومة لعدم اعترافها بالمرض وعقد مؤتمر صحافيا تم من خلاله تكوين لجنة قومية للحد من انتشار المرض، وأوضح الحزب أن ولاية الخرطوم شهدت ظهور حالات من الوباء نفسه، وتزداد الوفيات فيها بوتائر متسارعة في أحياء الولاية المختلفة. وأضاف أن مستشفيات العاصمة القومية تشهد تكدسا، وارتفاعا في عدد المرضى الذين يحتاجون للعلاج والرعاية الصحية في بيئة تخلو من الإجراءات الطبية والصحية المتعلقة بمكافحة الأوبئة والأمراض.

تفكيك وتجفيف المستشفيات

وعزا الحزب انتشار الأمراض الوبائية لتفكيك وتجفيف المستشفيات، واغلاق وتهديم غرف وعنابر العزل (الكرنتينات) فضلا عن تخلي الدولة عن كل واجباتها الخدمية تجاه المواطن، وعلى رأسها توفير مياه الشرب النقية، والصالحة للشرب والتردي البيئي جراء عدم إزالة ونقل النفايات من الأحياء، وعدم التخطيط، وغياب معالجة مياه الصرف الصحي في الأحياء، وتراكم الأوساخ وفوضى بيع للأغذية، والمأكولات.
وطرح الحزب مبادرته السابقة في العام الماضي والمتمثلة في اصحاح البيئة، في الأحياء، والأسواق، وفتح المجاري، وردم البرك، مشيرا إلى أن هذا لن يتأتى إلا بالضغط على المحليات، والمعتمديات عبر المذكرات، والوقفات الاحتجاجية، وبكل الاشكال التي تبتكرها الجماهير.

حزب الأمة يدعو لإعلان الطوارئ

وفي السياق ذاته، طالب حزب الأمة، الحكومة بتحمل مسؤوليتها في عدم وضع التدابير اللازمة لوقف انتشار الوباء سواء بفشلها ابتداءً في التعرف عليه، وتضليلها للرأي العام بعد التأكد والتقليل من شأن الإصابات المتزايدة والاستهانة بحياة المواطن وصحته، والإصرار على التعتيم. ودعا لإعلان حالة الطوارئ الصحية فورا لمواجهة هذا الوباء الفتاك، وتوفير الأدوية المُعالجة مجانا، وتهيئة المراكز الصحية المتنقلة والمستشفيات وغرف الحجر الصحي والإسعاف والكوادر الطبية.
وقدم حزب المؤتمر الشعبي، بواسطة رئيسه الدكتور علي الحاج، مذكرة لرئيس مجلس الوزراء بكري حسن صالح، وأكد فيها أنه أجرى دراسة علمية أثبتت أن المرض المنتشر حاليا هو كوليرا وأنها وصلت مرحلة الوباء.
ورفضت مبادرة المجتمع المدني السوداني وكونفدرالية منظمات المجتمع المدني تسمية الكوليرا بالإسهال المائي وقالتا في بيان مشترك: «لم يعد سراً الانتشار التصاعدي المخيف لوباء الكوليرا وهو يجتاح معظم ولايات البلاد، وقد فشلت مؤسسات الدولة المعنية في السيطرة عليه وحاولت تخفيف وقع الكارثة وإخفاء الفشل باستخدام مسمى (الإسهالات المائية) في محاولة يائسة للجانب الحكومي في مواجهة الأزمة المتفشية في البلاد».
ودعت المنظمتان، الجهات المعنية بالأمر القيام بمسؤوليتها وعلى رأسها المؤسسات الرسمية الحكومية المتمثلة أولاً في الاعتراف بوجود الوباء وانتشاره على مساحة واسعة من القطر، ثانياً العمل على توفير الموارد اللازمة لمحاربته ودعوة الوكالات الدولية المعنية والمنظمات الإنسانية لمساعدة الضحايا والمساهمة في وقف انتشار المرض الوبائي.

جهود لمكافحة المرض

ومع الزيادة اليومية في حالات الاشتباه في الإسهال المائي الحاد، تواصل وزارة الصحة السودانية ويونيسيف سودان ومنظمة الصحة العالمية والشركاء في المجال الإنساني الاستجابة للخدمات المنقذة للحياة إلى المناطق المتضررة.
وفي ولاية النيل الأبيض وهي واحدة من أكثر المناطق تضررا، تساعد اليونيسيف السلطات المحلية في توفير إمدادات المياه والصرف الصحي التي تحتاج إليها بشدة، فضلا عن الدعم الفني. ودعمت اليونيسيف أيضا أنشطة الكلورة في 619 نقطة استيعاب المياه خارج شبكات المياه، وشاحنات نقل المياه، وتركيب 15 دبابة وثلاث وحدات لمعالجة المياه في حالات الطوارئ. وتم توزيع أكثر من 000 306 من الصابون على أكثر من 000،38 أسرة في المناطق المتضررة. وحسب اليونيسيف، تمت زيارة أكثر من 000 4 أسرة تعيش في المناطق المتضررة وتوعيتهم من خلال جلسات التوعية، والمحاضرات، والمناقشات الجماعية المركزة، وتوزيع مواد الإعلام والتعليم والاتصال، و35 وسائط متنقلة، و 60 رسالة إذاعية بلغات محلية مختلفة.
كما يصل المؤثرون المجتمعيون الرئيسيون، بمن فيهم الزعماء الدينيون، إلى عشرات الآلاف من الناس من خلال الوعظ بالرسائل.
وتطالب جهات متعددة، الحكومة السودانية بإعلان البلاد منطقة وباء لتتم المساعدة بشكل واضح وسريع من قبل المجتمع الدولي والمنظمات التي تعمل في هذا المجال ونفذ ناشطون الأسبوع الماضي أكثر من وقفة احتجاجية في الخرطوم، مطالبين الحكومة بإعلان وباء الكوليرا في السودان.

الإسهال المائي يفتك بآلاف السودانيين في العاصمة والولايات
مصادر طبية ومنظمات قالت إنه كوليرا
صلاح الدين مصطفى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية