الإعلام الأيديولوجي والفضائيات العربية

حجم الخط
2

هل يتحول الكاتب إلى البنية النمطية مع مرور الوقت؟ قمة المأساة أن يصل إلى هذه الصورة أمام قرّائه! ليس هناك من (تابوهات) محظورة على الكاتب. صحيح أن هناك مقدسات بالنسبة إليه كشعارات مثل: تحرير فلسطين، مصلحة الشعوب العربية التي غالبا هي فقيرة ومغلوبة على أمرها، الالتزام الأخلاقي بالمعنى العام بعيدا عن التشهير بأحد أو بظاهرة. ما دون ذلك… فليس محرما على الكاتب نقده!
بالطبع النقد البنّاء الذي يهدف إلى شفاء المريض وليس الإجهاز عليه، وكالعادة لكل كاتب مقدساته، بالتالي في الحصيلة تصبح كل المواضيع مطروحة.
المراقب لمسار الخط البياني للفضائيات العربية الحريصة على المضمون الأيديولوجي، يلحظ وبلا أدنى شك، التصاعد المتدرج لها وصولا إلى القمة، ومن ثم يبدأ النزول الإخفاقي المتدرج، المُعبّر عنه بانحسار نسبة المشاهدين لهذه الفضائية أو تلك. على صعيد ثان، كل الفضائيات العربية حكومية، شبه حكومية، ممولّة من دول.. أو خاصة، تضع شعارا رئيسيا لها هو، نقل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة! شعار آخر تحرص عليه، احترام الرأي والرأي الآخر، رغم أننا في زمن يعزّ فيه الوصول إلى الحقيقة حتى النسبية منها! فهي أيضا خاضعة لقولبة الأيديولوجيا لها، فمثلا حول مجرى الصراع في سوريا، بات المشاهد العربي يدرك ما ستبثه نشرات وبرامج هذه الفضائية العربية أو تلك، فإن كانت مؤيدة لأحد الفريقين، تبدأ في بث إنجازاته (وغالبا ما يتم تضخيمها) وتصوّر الطرف الآخر وكأنه سيعلن استسلامه بعد ساعة! بغض النظر عن أن الصراع هو كرّ وفر وسباق حقيقي، سواء في الإنجازات أو في خسارة المواقع. الفضائيات الحكومية تبدأ نشرات أخبارها بإيراد نشاطات الحاكم ولو استمرت ساعة. وصل المواطن العربي إلى درجة من الرعب في بعض البلدان العربية، حيث بات لا يجرؤ على «فرش» المائدة على صحيفة منشورعليها صورة الحاكم! هذا في القرن الواحد والعشرين! وعمر بن الخطاب الذي شهد في زمنه الإسلام مجدا كبيرا.. كان ينام تحت فيء شجرة كأي مواطن عربي فقير.
أما إن كانت دولة ما تموّل فضائية.. فالأخيرة تدافع حتى عن سلبيات تلك الدولة وتقلبها إلى إيجابيات! ليس معقولا أن دولة ما لا تخطئ في هذه القضية السياسية أو تلك على مدى عقود، أو في هذا التطبيق الاجتماعي أو ذاك.. كاضطهاد إثنية عربية أقلية تعيش في إحدى مقاطعاتها أو هدم آخر مسجد للطائفة السنية في عاصمتها. فضائيات عربية كثيرة طمحت إلى التشبه بـC.N.N غير مدركة أن هذه الفضائية ليست حرّة، بل هي مُنفّذ حقيقي لسياسات مالكيــــها، مع الحرص على إضفاء طابع ليبرالي على ما يُطرح فيــــها من أخبار وبرامـــج وتعليقات.. وبذلك اكتســـبت هذه الشــهرة العالمية.
الفضائيات العربية تصبح بعد مدة من انطلاقتها أميل إلى النمطية! حتى بات المشاهد العربي يدرك ما سيقوله ضيوف برامجها المحدودين والمحصورين في أسماء معينة محددة سلفا، ومع الاحترام الكبير لهؤلاء لكنهم ليسوا الكفاءات الوحيدة في العالم العربي، لذا فإن هناك معايير(لا تعرفها سوى الفضائيات) لدعوة ضيوفها. أشك في أن معدّي ومنفذي بعض البرامج التي حالفها الحظ في نيل بعض الشهرة، يشاهدونها! فالبعض منهم يرى في نفسه إمبراطورا، ولا يمكن أن يتحمّل نقدا لما يقدمه.. باعتباره وصل إلى الدرجة العليا من الكمال! حتى إن تظاهر بغير ذلك، لكل هذا سمعنا بالمقولة الفلسفية الجميلة:»المثقفون هم الأكثر إقداما على الخيانة لأنهم الأقدر على تبريرها».
من واجب الإعلام العمل على خلق الوعي المجتمعي، وهذا هو دوره الرئيسي، لكن الخلفيات الأيديولوجية بتحكمها في الفضائية، توجه هذا الوعي في إطار محدد منسجم مع توجهاتها الأيديولوجية، بالشكل الذي تمسح فيه عمليا.. ما تبقى لدى المشاهد من وعي، وفي النهاية تعمل على تسطيح هذا الوعي.. ما دام سيبقى محصورا في الاتجاه العقائدي النمطي ذاته، المنطق التفكيري العقلاني المُدرِك للفعل هو المطلوب.
انطلقت فضائيات دينية كثيرة وتكاثرت كالفطر؟ كنا سنرحب بهذه الفضائيات لو عملت على مخاطبة العقل وخلق حالة من القيم الدينية الأصيلة كـ: التعايش، الوئام، التسامح، قتال العدو الحقيقي، وليس قتال اهل المذاهب والأديان والطوائف والإثنيات الاخرى.. التي تعتبر منذ ما قبل قيام الدولة العربية.. مكونا رئيسيا من مكونات النسيج الاجتماعي الشعبي العربي.. عاشت تاريخيا في انسجام ووئام مع بعضها بعضا. يُذهل المراقب في مجتمعاتنا العربية لعديدين أصبحوا يرون في «داعش» و»النصرة» وغيرهما… تنظيمات «جهادية»(بدليل أن مقالات وأخبارا كثيرة تتحدث عن… حجم مؤيديها، وكثرة خلاياها النائمة في البلدان العربية وفي دول العالم!)… مع أن آخر طرق التعذيب الداعشي: شواء البشر على النار! السؤال هو.. إلى أي مدى ساهم العديد من الفضائيات الأيديولوجية الدينية في خلق هذه الظاهرة وحجم تأييدها؟ يقول فيلسوف السياسة وعلم الاجتماع جاك إيلول،»إن الرأي العام لا يتقبّل شيئاً على أنه واقعة إلا إذا اتفقت مع ما يفهمه منها (الواقعة) أي مع ما لديه من نماذج وأنماط جاهزة، صَنَعها الإعلام نفسه. بالتالي تكون هذه.. هي نفسها محددات الأدلجة… فالأيديولوجيا لا تزيّف الوقائع فحسب، بل تعمل على صناعتها».
لم تعد الايديولوجيا اعتناقا فكريا ذهنيا فقط، بل غادرت هذه الدائرة وهي المجال الطبيعي لها، المُعبّر عنه في مسلكية متوائمة مع منطلقاتها في ضرورة استيعاب الآخر.. إلى حيّز الوجود الإنساني في مسلكية تؤمن بمطلق الذات حتى درجة التقديس وإقصاء الآخر.
منهجية شمولية بعيدة عن دراسة العلم (الإبستمولوجيا) وبعيدة عن منطق الحوار العقلاني وقواعد السلوك. بالتالي وجدت «داعش» مؤيدين كثرا لها في عالمنا العربي للأسف، من جانب آخر بات عديدون في العالم العربي يمتلكون الاستعداد للتماهي مع «داعش».. بقبول تفكيك البنية الوحدوية المجتمعية في البلدان العربية وتفتيت بناها الفوقية التي تتخذ شكل الدولة السياسية.
بالتأكيد فإن متغيرات كثيرة طرأت وأثرّت على اضمحلال أو ازدهار هذه الأيديولوجيا أو تلك، كالتقدم التكنولوجي والعولمة الإعلامية وغيرهما.. حتى أن البعض يؤرخ حقبة نهايتها (فرانسيس فوكوياما في كتابه «نهاية التاريخ»، المفكر الأمريكي دانيال بيل في كتابه «نهاية عصر الأيديولوجيا» وغيرهما). لا شك أن عصر الايديولوجيات لم ينته… كل الذي حصل هو تهذيب للأيديولوجيات وقد كانت سمته الرئيسية: المثالية البعيدة عن الواقعية، إلى «شبه تحول» في ميل مُكتسب من خلال التجربة الذاتية وتجربة الآخرين لها. كثيرون يفسرون عملية «شبه التحول» هذه بأن حقائق التكنولوجيا أصبحت بديلا للأيديولوجيات.. فمثلا هنتنغتون يرى في مؤلفه» صراع الحضارات»: أن صراع الايديولوجيات انتهى بانتصار الحضارة الغربية على سواها».
هناك الكثير من التعابير الإعلامية المتوجّب العمل عليها من الفضائيات العربية، خاصة أننا نواجه عدوا صهيونيا خطــــط منذ البداية للسيطرة على عصبي الحــــياة: المال والإعلام العالميين.. باعتبار كل منهما شرطا ضروريا لنجـــاحه في إقامــة دولته واستمرارها حتى اللحظة، تعابير مثل تزييف الوعي الجماهيري، التضليل الإعلامي، الحرب النفسية الإعلامــــية، الإعلام ودعم الشعور بالمواطنة… وغيرها! مثلا نحن نتعرض كأمة عربية لنزف هجروي من الاوطان العربية… فهل هناك خطة إعلامية عربية للحد من هذا النزف؟ هل تعرض الفضائيات العربية ما يتعرض له المهاجرون من ظلم في المعسكرات المعدّة للمهاجرين؟
لم تعد الايديولوجيا ذات تاثير تحويلي على المعتقدات والافكار فقط، بل صنعت عوامل عديدة ومنهجا بات يؤثر على إدراك الحدث/الظاهرة، ومن ثم تحديد الأسلوب المنهجي للتعامل مع كل منهما. الوقفات التقييمية الحقيقية ومراجعة ما سبق مسألة مهمة لكل عمل متواصل، سواء تعلق ذلك بالفرد أو المؤسسة… هناك الكثير من الفرق بين إنجاز المهمة كمهمة.. وفي الحالة هذه تتحول إلى روتين ممل، وبين التفاعل مع عناصر ومكونات المهمة وهو الضروري للإبداع فيها. للإعلام مراحل كثيرة مرّ فيها تطوره: منذ مرحلته البدائية.. مرورا في أزمان العصر الفرعوني، حضارة ما بين النهرين، الحضارة اليونانية، العصرالروماني، زمن الحضارة العربية الإسلامية، وصولا إلى الإعلام في العصر الحديث، وبالتالي فإن التطور في الإعلام ووسائله يتوجب أن يُلازم بتطور في الوظيفة الإعلامية بعيدا عن الشكل التقليدي النمطي الذي ملّه المواطن العربي حتى الثمالة.

٭ كاتب فلسطيني

د. فايز رشيد

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية