الاحتجاجات الإيرانية: مظاهرات مطلبية وتأثيرات خارجية

حجم الخط
0

نجاح محمد علي: في تصريح خاص لـ «القدس العربي» أعلن قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني، إن ما سماها «الفتنة» وهي التظاهرات العامة التي اندلعت على مدى أكثر من أسبوع وتحولت إلى أعمال عنف ومصادمات، في مشهد وطهران وأصفهان ومدن إيرانية أخرى، باتت في خواتيمها، «وقد وجّه شعبنا صفعة على وجه كل من راهن على هذه الفتنة من الخارج» في إشارة إلى دول معينة تتهمها طهران بالتدخل في الاحتجاجات المطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية. وأضاف سليماني «تجاوزنا الفخ واستوعبناه وتحملناه وعالجناه بوعي وعناية. وسنقوم بتصحيح الأخطاء وإصلاح الفساد بجد، ومن ثم سنرد…».
وبعد أن اتسعت رقعة الاحتجاجات وخروجها عن سقف أنها احتجاجات على سوء الأوضاع الاقتصادية، دخلت القوى الخارجية على الخط، وأعلن ترامب تأييده لها وصرح أن الوقت حان لتغيير النظام، تدخلت روسيا وتلتها تركيا وأعلنتا معارضتهما أي تدخل أجنبي في الأحداث الإيرانية، ليعلن بعدها الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الأميرال علي شمخاني أن السعودية أيضاً ضالعة في هذه الأحداث.
وعُلم من مصدر في المجلس الأعلى للأمن القومي الذي يرأسه الرئيس حسن روحاني أن شمخاني وهو أيضاً ممثل المرشد الأعلى في هذا المجلس الذي يتخذ القرارات الاستراتيجية في مثل هذه الأحداث، أنه استدعى علم الهدى من مشهد بحضور المسؤول البارز والقوي في بيت المرشد أصغر حجازي، وأغلظ عليه بالقول وحمله مسؤولية منح «العدو الذريعة لينفذ مخططه مستغلاً الاحتجاجات» التي انطلقت شرارتها من مشهد ضد حكومة روحاني.
وأَشار اسحق جهانغيري، النائب الأول للرئيس وحليفه المقرب، إلى أن معارضي روحاني المحافظين (علم الهدى ورئيسي وأئمة جمعة آخرين منهم أحمد خاتمي) قد يكونون من أثاروا الاحتجاجات لكنهم فقدوا السيطرة عليها.
ونقل الإعلام الرسمي عن جهانغيري قوله «من يقفون وراء على سبيل المثال، تلك الأحداث سيحترقون بنارها».

مثلث الخارج

وبعد تطور الأحداث كان لافتاً استخدام وسائل التواصل الاجتماعي خصوصاً انستغرام وتليغرام، في تحويل المظاهرات المطلبية إلى مواجهات دموية، واعتبر أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي شمخاني ان «ما يحصل على الانترنت حول إيران حرب بالوكالة ضد شعبنا» مشيراً إلى أن «27 في المئة من المشاركين في الحملة على إيران عبر الانترنت يتبعون لحكومة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان». ولفت إلى أن «العناصر التنفيذية للحرب على إيران عبر الانترنت إسرائيلية وغربية»، مشيراً إلى أن «السعودية تنفق الأموال وأنشأت أجهزة ووظفت خبراء ووجهتهم ضمن خطة سياسية ضد إيران». وأشار إلى أن «المنافقين (ويقصد بهم أعضاء منظمة مجاهدي خلق) هم بيادق هذه الخطة السعودية وسوف يتلقون الرد المناسب من إيران من حيث لا يشعرون»، لافتاً إلى أن «السعودية لا تستطيع التغطية على خسارتها في اليمن بالتدخل في إيران وتحريض الشعب الإيراني الواعي». وأفاد أن «الشعب الإيراني حساس تجاه التدخل السعودي أكثر من حساسيته تجاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب»، مشيراً إلى «أننا لم نكن نريد أن يكنّ الشعب الإيراني كل هذا العداء للعائلة الحاكمة في السعودية ولكن عداء الشعب الإيراني للعائلة الحاكمة السعودية ناتج عن سلوكها والعائلة الحاكمة في السعودية تعلم خطورة ردنا». وأضاف شمخاني الذي كان العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله منحه أرفع وسام في المملكة عندما كان وزيراً للدفاع في حكومة الرئيس الاصلاحي محمد خاتمي أن «الهاشتاغات المتعلقة بالوضع في إيران تأتي من أمريكا وبريطانيا والسعودية وأماكن أخرى». وحسب إحصائيات لموقع تويتر فإن أكثر من 31،500 تغريدة عن إيران تحت هاشتاغ
واعتبر شمخاني أن «عداوة الغرب لإيران هي عداوة حمقاء وبعض الدول فهمت أن لديها مصالح في الخليج الفارسي». وتابع «الأسباب الداخلية هي عدم رضا جزء من الشعب الإيراني عن الوضع»، مشيراً إلى أن «من أسباب عدم رضا الشعب، السلوك السيء للإعلام الداخلي الإيراني» وهي إشارة هامة إلى مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التابعة مباشرة لإشراف المرشد الأعلى علي خامنئي التي يتهمها المحتجون وقيادات إصلاحية ومعتدلة والكثير من النخب بالكذب والاقصاء حتى مع الرئيس وخطبه وبرامجه وأنها تعمل لصالح تيار متشدد من المحافظين. لكن شمخاني الذي تقول مصادر مقربة منه أنه قدم مشروعاً لمعالجة الفساد وضرب المتورطين فيه بقوة مهما كانت سطوة رجاله، اعتبر أن «التدخل الخارجي المنظم يهدف لمنع إيران من النهوض وهم ينوون تحطيمها من الداخل لأنها لا تتراجع»، مؤكداً أن «ما يحصل في إيران سينتهي خلال أيام وليس لدي أي قلق من ذلك».
لكنْ بالرغم من هذه الاتهامات الواضحة والصريحة من شمخاني ومسؤولين أمنيين آخرين للمحور الأمريكي الإسرائيلي السعودي، بالتدخل في التظاهرات الإيرانية، لم يثبت حتى الآن لدى المعارضين في الخارج أن واشنطن وتل أبيب والرياض ضالعة بالفعل في الاحتجاجات الأخيرة، بالرغم من أن هناك ما يؤكد تدخل هذه الدول في هذه الاحتجاجات من خلال التصريحات الرسمية للمسؤولين فيها، والتأييد الإعلامي الواسع الذي حظيت به، والتصريح علناً بالنسبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه ومندوبة واشنطن في الأمم المتحدة، بتأييد التغيير وتأكيد ترامب أنه حان وقت التغيير في إيران. كما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وجه رسالة متلفزة للشعب الإيراني بالرغم من أن كبار المسؤولين الأمنيين والمحللين الإسرائيليين حذروا من ذلك لكي لا يمنح ذلك الذريعة لإيران لقمع الاحتجاجات سريعاً، إلا أن ذلك لم يمنع صحيفة «معاريف» الإسرائيلية من كتابة مقال مفصل عن إيران يوم الثاني من كانون الثاني/يناير جاء فيه بالنص أن «نجاح مثل هذا الانقلاب الذي سيؤدي في النهاية إلى انتهاء نظام آيات الله، سيجعل دولة إسرائيل الرابح الأكبر من الخطوة»!.
‏وكان الأمير السعودي محمد بن سلمان هدد بنقل الحرب إلى داخل إيران وأطلق قناة دولية تبث باللغة بالفارسية من لندن، ساهمت بقوة في تحريض الشارع الإيراني على النظام، إلا أن الكثير من الناشطين الإيرانيين المعترضين على سياسات نظام ولاية الفقيه، والمعارضين له والمطالبين بتغييره، يرفضون مجرد اتهام الشارع الإيراني بتلقي التعليمات من الخارج، خصوصاً من السعودية، ويعتقد المؤمن منهم بتدخلات الخارج، أن مثل هذه الدول لا يمكن أن تجد لها منفذاً إلى الشارع الإيراني لولا الأخطاء الكبيرة التي ارتكبها النظام.
نعم، فان الاحتجاجات المطلبية المشروعة والتي أقر بها النظام، أظهرت ما سماها البعض حالة واضحة من المواقف الانفعالية في الموقف (الأمريكي الإسرائيلي) والسعودي، المبنية على تقديرات عاطفية أو تمنيات بشأن أن تتحول تلك الاحتجاجات إلى عملية تغيير واسعة تجتث النظام من جذوره، وما رآها المؤيدون بأنها مواقف كشفت عن «غباء» وجهل بحقيقة ما يجري بسبب الخطأ في تقدير الموقف، وشح أو خطأ المعلومات الاستخباراتية الأمريكية لما يجري حقيقة في إيران.

المؤامرة داخلية!

وفِي قراءة أولية لتلك الاحتجاجات التي حسمت في النهاية لصالح نظام ولاية الفقيه دون أن يعني ذلك أن نار ما سماها الايرانيون بـ «فتنة 96» وهي السنة الشمسية الإيرانية أخمدت نهائياً، فهي ستظل تحت الرماد في ضوء تصريحات لمعارضين إيرانيين ‏ في قنوات تبث بالفارسية تحرض باستمرار ضد النظام في إيران، بأنهم سيواصلون العمل حتى تغيير نظام الجمهورية الإسلامية. ودعت في هذا السياق الحائزة على جائزة نوبل للسلام شيرين عبادي، المحتجين للبقاء في الشارع والامتناع عن دفع فواتير الماء والكهرباء وسحب أموالهم من البنوك المحلية لتنهار إيران اقتصادياً.
‏وقال جواد أبو القاسم خادم، وهو وزير الإسكان السابق في حكومة شاهبور بختيار آخر رئيس وزراء في عهد الشاه السابق، وأحد الضالعين في انقلاب نوجا لإسقاط الجمهورية الاسلامية عام 1981»إن غرفة عمليات خاصةً أسست في مشهد منذ ثلاثة شهور ونجحت في ركوب مظاهرات إيران المطلبية».
وفِي هذا الواقع قال قيادي منشق عن منظمة مجاهدي خلق المعارضة إن أمريكا سلمت المنظمة معسكراً قديماً لها في شاطئ البانيا وفيه مهبط طائرات. وهي تدرب أعضاء من هذه المنظمة على عمليات إرهابية داخل إيران.‏ وقال القيادي الذي طلب عدم ذكر اسمه، إن واشنطن تقوم حالياً بتدريب مجاميع من أعضاء منظمة مجاهدي خلق كانت نقلتهم من تيرانا في ألبانيا إلى قاعدة عسكرية على الشاطئ أطلق عليها أشرف3.

‏أخيراً

لابد من الإشارة إلى أن الاحتجاجات الاقتصادية التي انطلقت في مدينة مشهد، التي كان سكانها من أكثر المتضررين من المؤسسات الائتمانية التي سلبت الإيرانيين ملايين الدولارات، نبهت النظام في إيران إلى أن التغيير قادم لا محالة ما لم يلتفت قادة البلاد إلى شريحة الفتيان والشبان الذين شاركوا بفاعلية في تنفيذ معظم أعمال العنف الدموية استجابة لدعوة من رئيس فرقة «ريستارت» المقيم في كاليفورنيا، الذي يدعوهم لقتل عناصر الشرطة وزوجاتهم وأبنائهم وإحراق المساجد والمراقد الدينية بشكل خاص، ما يطرح الكثير من الأسئلة عن سبب ازدياد نسبة الإلحاد والتحول عن الإسلام في أوساط الفتيان والشبان الذين ولدوا بعد الثورة الإسلامية وفشلت المؤسسة الدينية الرسمية في الحفاظ عليهم… مسلمين!
فهل انتبه قادة إيران إلى الأسباب الحقيقة لهذه الاحتجاجات وهي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، أم أن هذه الاحتجاجات كما يقول المعارض الإيراني ناصر إعتمادي دقت المسمار الأخير في نعش نظام ولاية الفقيه، وقُضي الأمر الذي فيه تستفتيان؟!.

الاحتجاجات الإيرانية: مظاهرات مطلبية وتأثيرات خارجية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية