القاهرة ـ «القدس العربي»: تكاثرت الأحداث والأخبار في اليومين الماضيين، بعضها يثبت أن النظام في عنفوان قوته، سواء بزيارة الشيخ محمد بن زايد وإعلانه تقديم وديعة جديدة في البنك المركزي بمبلغ ملياري دولار، وضخ مليارين آخرين استثمارات جديدة، وافتتاح الرئيس السيسي مشروعات عديدة بمناسبة الاحتفالات بعيد تحرير سيناء أهمها، سبع عشرة صومعة جديدة للحبوب من المنحة الإماراتية السابقة، وهي من المشروعات التي ستقلل إلى حد كبير من فاقد الحبوب السنوي البالغ 20 في المئة.
وفي اتجاه مضاد هناك قلق من عودة الهجمات ضد الشرطة، بسبب ما قام به أمين شرطة من قتل بائع شاي لأنه طالبه بثمنه، وإلقاء الشرطة القبض عليه وتسليمه للنيابة، وإصدار وزارة الداخلية بيانا أكدت فيه أنها لن تتساهل مع أي خطأ يقع من أفرادها وما يحدث هو حالات فردية. بينما أكد زميلنا الرسام أنور في مجلة «روز اليوسف» الحكومية في عددها الصادر يوم السبت أنه شاهد أمين شرطة ممسكا بخناق مواطن مسكين ويقول له:
– لا بقولك أيه ده أنا حالة فردية وهطلع… أمك دلوقتي.
وبدأت عاصفة الدولار تزاحم الاهتمام الذي لا يزال واسعا بقضية جزيرتي تيران وصنافير. أما المشكلة الأخطر التي تؤرق النظام وأجهزة الأمن وتثير مخاوفهما فهي الارتفاعات الهائلة والمتواصلة للأسعار، بسبب ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه، لدرجة غير مسبوقة، وهو ما يؤدي لارتفاع أصوات الاحتجاج والغضب، الذي قد يصل عند درجة معينة إلى خروج أعداد بالملايين يصعب على الأمن مواجهتها، بالإضافة إلى أنه لن يواجهها بالقوة إذا خرجت، لإدراكه أنه مهما حاولت أي جماعات سياسية استغلال هذه المظاهرات الضخمة، إذا خرجت، فلن تنجح في اجتذابها إليها أو القيام بعمليات تخريب وتدمير ومهاجمة أقسام الشرطة ومؤسسات الدولة، ولذلك فإن النظام والأمن لا يقيمان أي وزن للتحركات المحدودة التي تحدث، بما فيها التي تجيء كرد فعل على موضوع تيران وصنافير، ويكفي القبض على عشرات تم الإفراج عنهم بعد ساعات أو أيام، إلا إذا كانت من عناصر الإخوان أو السادس من إبريل فلن تتم معاملتهم مثل غيرهم من المتظاهرين، وستتم إحالتهم للمحاكمة، بالإضافة إلى أن النظام واثق تماما من أن السعودية والإمارات والكويت لن تتركه عرضة لهذا الموقف مع الأغلبية إذا تحركت، وكذلك الحال بالنسبة لأمريكا وفرنسا وألمانيا وصندوق النقد والبنك الدوليين، بسبب خطواته الجادة كما يرونها لخفض عجز الميزانية والإصلاح الاقتصادي وانتظارا لعودة حركة السياحة، باختصار من يراهن على شيء آخر في مصر فرهانه خاسر مقدما. ومن الأخبار الأخرى في الصحف المصرية الصادرة يومي السبت والأحد 23 و24 أبريل/نيسان، استمرار اهتمام الأغلبية بالاستعدادات لامتحانات الثانوية العامة ونهاية العام في المدارس والجامعات، التي اقتربت مواعيدها. والتقدم بطلبات للحصول على الشقق الجديدة التي تطرحها الحكومة وإعلانها عن توفير السلع الغذائية في شهر رمضان، وإعداد وزارة التموين وجبات إفطار وسحور بأسعار في متناول الجميع. وإلى تقرير اليوم….
صدمة تيران وصنافير
ونبدأ بالصدمة العنيفة التي أحدثها الإعلان المفاجئ السعودي ـ المصري أثناء زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز لمصر بتحديد الحدود البحرية بين البلدين، التي أكدت أن جزيرتي تيران وصنافير تقع في المياه الإقليمية السعودية، وبالتالي فلابد من إعادتهما إليها، وأسباب الصدمة العنيفة، أن المصريين أحسوا بأن جزءا من أرضهم قاتلوا إسرائيل سنوات عليه وتم تضمينه في اتفاق السلام معها عام 1979، على أنه جزر مصرية، وكذلك شرم الشيخ وتم وضعها في المنطقة (ج) في الملحق العسكري، أي التي لا توجد فيها قوات مسلحة، إنما الشرطة بأسلحة خفيفة. وهي المنطقة التي تشمل حدود مصر الشمالية والشرقية مع إسرائيل وقطاع غزة، وهذه المنطقة الشاسعة لم يكن مسموحا لمصر بغير سبعمئة وخمسين ضابطا وجنديا بأسلحة خفيفة، التمركز فيها.
كما أن الجزيرتين وشرم الشيخ كانت إسرائيل قد احتلتها ضمن المنطقة التي احتلتها في سيناء عام 1956 في مشاركتها بريطانيا وفرنسا الحرب ضد مصر بعد تأميم الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر شركة قناة السويس في السادس والعشرين من يوليو/تموز 1956.
وبدأت إسرائيل في الهجوم على مصر باجتياح قطاع غزة، الذي كان تحت الإدارة المصرية، ثم العريش في أكتوبر/تشرين الأول من السنة نفسها. ودفعت مصر بقواتها إلى شرق قناة السويس للتصدي للقوات الإسرائيلية، وأنزلت إسرائيل قوات المظلات لتغلق الممرات الجبلية في متلا والجدي، وأصبحت بذلك على مقربة أربعين كيلومترا من قناة السويس، وهنا وجهت بريطانيا وفرنسا إنذارهما لقوات البلدين بالانسحاب بعيدا عن قناة السويس، حتى لا تتهدد الملاحة الدولية، وكان ذلك يعني أن تسحب مصر قواتها من سيناء والابتعاد بها عن القناة شرقها وغربها، وقبلت إسرائيل وتوقفت في الأماكن التي وصلت إليها قواتها في سيناء وشرم الشيخ وجزيرتي تيران وصنافير، حيث مدخل خليج العقبة المؤدي إلى مينائي العقبة الأردني وإيلات الإسرائيلي، الذي كان يخضع للحصار من جانب زوارق خفر السواحل المصرية، والمدفعية الموجودة في شرم الشيخ والجزيرتين، لمنع أي سفن من المرور باتجاه ايلات ومصادرة ما عليها من بضائع قد تكون مرسلة لإيلات، وأعلنت عن إنهاء حصار إيلات ومرور سفنها من وإلى إيلات من مدخل خليج العقبة.
بينما رفضت مصر الإنذار البريطاني ـ الفرنسي، وأدركت أن القوات التي عبرت القناة إلى سيناء، ستقع في حصار ما بين القوات الإسرائيلية والبريطانية والفرنسية التي ستنزل غرب القناة، بحجة حماية الملاحة، وكانت الدولتان تنتظران إعلان مصر رفضها للإنذار لتبدأ قواتهما شن الحرب على مصر في نهاية أكتوبر، بضرب المطارات والقواعد بواسطة قاذفات القنابل البريطانية، من طراز كنبيرا، التي انطلقت من قاعدتها في جزيرة قبرص، وكذلك بالطائرات الفرنسية من نوع ميستير، وكانت أحدث ما في الترسانة الجوية للبلدين، ثم بدأت المدمرات البحرية للبلدين بضرب مدينة بورسعيد، وتركيز الطيران على مطار الجميل.
ثم أنزلت السفن الحربية القوات البرية المشتركة للبلدين على ساحل المدينة، فيما تم إسقاط قوات المظلات على المطار، وهكذا تم احتلال المدينة، فيما استمرت المقاومة الشعبية الباسلة وارتكبت القوات البريطانية والفرنسية جرائم بشعة، تجلت فيها روح الحقد والغل من جانب الدولتين ضد الزعيم جمال عبد الناصر، بسبب تحديه وتأميمه قناة السويس وتحريضه ضد احتلال بريطانيا لمدن وإمارات الساحل المتصالح، وضم سلطنة عمان والإمارات الآن وقطر والكويت.
ونفوذها الساحق في العراق ووجودها العسكري في قاعدة الحبانية، وكذلك نفوذها في الأردن، وعلى رأس جيشه الجنرال البريطاني جون باغوت غلوب. وفرنسا وحقدها على عبد الناصر لتأميمه الشركة دعمه لحركات الاستقلال في تونس والمغرب، حتى حصلتا على استقلالهما عام 1956، ثم دعمه اللا محدود للثورة الجزائرية المسلحة.
المهم أن العالم كله وقف ضد مصر وطالب بوقف العدوان. وللأمانة التاريخية لا يمكن نسيان موقف الرئيس الأمريكي الجنرال أيزنهاور، ومطالبته بالانسحاب فورا، بالإضافة إلى وقوف الاتحاد السوفييتي القوي، وانتفاض الشعوب العربية ومظاهراتها وهو ما أدى في النهاية إلى انسحاب القوات البريطانية والفرنسية من بورسعيد، بدون أي شروط وانتقلت قناة السويس إلى ملكية مصر نهائيا.
ولكن المشكلة بقيت في انسحاب إسرائيل، التي بعد الضغوط الأمريكية عليها طالبت بمقابل للانسحاب تبنته أمريكا والأمم المتحدة أيضا، وهو إنهاء الحصار العسكري المصري على سفنها المتجهة من خليج العقبة إلى إيلات، وإقرار مصر بأنه ممر مائي دولي وعدم عودة أي قوات مصرية مسلحة إلى جزيرتي تيران وصنافير، والوجود في شرم الشيخ ووضع قوات طوارئ دولية فيها، ووجود هذه القوات على الحدود المصرية ـ الإسرائيلية وفي قطاع غزة.
ووافقت مصر على هذه الشروط لكن لم يتم الإعلان رسميا عنها، أو بشكل واضح واستمرت السفن الإسرائيلية تعبر رافعة أعلام إسرائيل من المنطقة الصالحة ملاحيا للمرور أمام شرم الشيخ، لأن باقي المنطقة غير صالحة وهي المنطقة المنحصرة بين جزيرتي تيران وصنافير والساحل السعودي.
وعندما انتشر خبر أن إسرائيل عام 1967 تحشد قواتها للهجوم على سوريا، اشتعل الموقف في العالم العربي، وتعرض عبد الناصر إلى ضغوط شديدة لعمل شيء، وحتى لا نتوه مع القارئ في تفاصيل تاريخية لا علاقة لها بموضوعنا، فقد كان الحل الذي ارتآه هو القيام بحركة ضغط سياسي أو مظاهرة عسكرية لتخويف إسرائيل، فقد تم الاتفاق مع القيادة العسكرية، وكان القائد العام هو المشير عبد الحكيم عامر فتم إرسال قوات إلى سيناء والإعلان أنها ستهاجم إسرائيل إذا اعتدت على سوريا، وسط مخاوف شديدة في مصر من خطورة تطور الأمر فعليا إلى حرب سوف تخسرها إذا وقعت، بسبب وجود قوات مصرية كبيرة ومدربة في اليمن وقتها، وصعوبة نقلها من دون اتفاق مع السعودية والملكين اليمنيين على انسحابها، وضمان استمرار النظام الجمهوري في اليمن، بالإضافة إلى مخاوف من تعرض القوات البريطانية في عدن لها أثناء عودتها، إضافة إلى أن الجيش كان يعاني وقتها مشاكل في تسليح ما بقي من قوات.
والمخاوف من الطائرات الأمريكية التي تسلمتها إسرائيل من نوع «سكاي هوك» وميراج الفرنسية الأحدث من ميستير، ولهذا كانت الخطة أن عمليات الحشود هي سياسية، وستتم تسوية لها ومخرج، لكن الأمور بدأت تفلت عندما تعرض عبد الناصر إلى حملات هائلة تتهمه بأنه يقوم بعملية تهويش ولا ينوي دخول حرب حقيقية مع إسرائيل، وأنه يختفي وراء قوات الطوارئ الدولية في سيناء، وأن سفن إسرائيل تمر من أمام شرم الشيخ بأعلامها بحماية هذه القوات، وهنا انفجرت على نطاق واسع شروط إسرائيل التي قبلتها مصر مقابل انسحابها من سيناء 1957 بوساطة أمريكية ودولية.
ومرة أخرى تصرف خالد الذكر تحت ضغط هذه الحملات ضده بأن أرسلت مصر إلى الأمم المتحدة تطلب منها سحب قواتها من حدودها مع إسرائيل، ولم يأت الطلب على ذكر سحب القوات من شرم الشيخ وتيران وصنافير، لكن الأمم المتحدة وكان أمينها العام يو ثانت، رد بأنه أما أن تنسحب القوات بشكل كامل، وليس من مكان دون آخر، أو تبقى كما هي، وكان المأزق الأخطر والأخير في الأزمة كلها، وسحبت الأمم المتحدة.
وطبعا سارعت القوات المصرية بالتوجه إلى شرم الشيخ والجزيرتين، ولم يكن ممكنا بعد كل ما حدث أن تسمح بمرور السفن الإسرائيلية، ولهذا أعلن عبد الناصر أن مصر تعتبر المضيق والجزيرتين أراضي مصرية، ومن حقها أن تمنع سفن إسرائيل من المرور وفقا للقوانين الدولية المطبقة عليها بمنع سفنها من المرور في قناة السويس، لأنها في حالة حرب فعلية معها، وهو الحق الوحيد الذي منحته اتفاقية القسطنطينية لمصر بعد أن اعتبرت قناة السويس ممرا ملاحيا دوليا لا يجوز منع سفن أي دولة من العبور فيها، إذا كانت في حالة حرب مع مصر، وهو ما طبقته على إسرائيل عام 1949، وهو ما قاله في خطاب له أواخر شهر مايو/أيار. وبهذا القرار لم يعد أمام مصر إلا دخول حرب لم تكن مستعدة لها ولا أرادتها ولا خططت لها من الأساس، أو أن تتراجع عما اتخذته من قرارات أقلها سحب قواتها من شرم الشيخ وتيران وصنافير، أو عدم اعتراض السفن الإسرائيلية، وهكذا أصبحت الفرصة متوافرة والحجة الدولية قوية أمام أمريكا أولا وإسرائيل لتسديد الضربة التي تنهي بها النظام، الذي سبب لهما كل المشاكل في العالم العربي وأفريقيا. وهكذا أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي أشكول ووزير خارجيته إبا إيبان أنها الحرب، لأن مصر انتهكت اتفاقها وتعتدي على إسرائيل وشنت هجومها في الخامس من يونيو/حزيران عام 1967، وكان ما كان ثم تجدد الحديث على تيران وصنافير باعتبارهما أراضي مصرية عند التوقيع على اتفاقية السلام، كما أشرنا من قبل.
ولذلك حدثت الصدمة العنيفة عند إعلان الحكومة المصرية أن تحديد الحدود البحرية بين مصر والسعودية أثبتت أنهما في المياه الإقليمية للسعودية، وتأكيدا لذلك تم نشر ما اعتبر وثائق تثبت ملكية المملكة السعودية لهما، منها رسالة الملك عبد العزيز آل سعود إلى الملك فاروق عام 1950، بأن بلاده تخول مصر حق الوجود العسكري لحماية المضيق، وكذلك رسائل وزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل إلى وزير خارجية مصر وقتها المرحوم الدكتور عصمت عبد المجيد، التي طالب فيها بعودة الجزيرتين للسعودية، واعتراف مصر أيام مبارك بهذا الحق، وكذلك وزارتي الدفاع والخارجية. وتوالت الاتهامات ضد النظام بأنه باع الجزيرتين وتنازل عن الأرض مقابل المشروعات التي تم الإعلان عنها أثناء زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز لمصر، ورغم أن أي عاقل يستحيل عليه تصور أن السعودية سوف تحقق ربحا وطنيا على حساب مصر، لأن الجزيرتين ليستا مثل الجزر الضخمة التي يعيش عليها سكان يمارسون أنشطة زراعية وسياحية تحتاجها السعودية، ولا يمكن تصور أن يتخلى أي حاكم مصري عن أرض مملوكة قانونيا وتاريخيا لبلاده لدولة عربية أخرى لا تشكل الجزيرتين أي قيمة اقتصادية أو عسكرية لها، لأنه لا يمكن تصور أن السعودية ستضع فيها قوات عسكرية لمعاكسة الملاحة الإسرائيلية، والأهم أن إحدة هذه الجزر وهي تيران ستكون فيها قواعد للجسر الذي سيربط بين البلدين، وتم الاتفاق على تنفيذه، وهذا الجسر متفق عليه بين الملك فهد والرئيس مبارك ووصل الأمر إلى أنه في عهد الملك عبد الله نشر أنه تم تحديد الأماكن التي سيبدأ منها بناء الجسر من الناحية السعودية، وكانت المفاجأة حالة هياج شديدة في مصر لم أعرف وقتها مصدرها الحقيقي، ثم على أثرها تمت تنحية هذا المشروع جانبا. وكل ما نشر وقتها بأقلام بعض الزملاء أن الجسر تهديد للأمن القومي، لأنه سوف يسهل انتقال الإرهابيين من السعودية إلى مصر، بالإضافة إلى أن الجسر سوف يدمر شرم الشيخ سياحيا، وهو المكان الذي كان مبارك يقضي فيه جانبا كبيرا من وقته بعيدا عن القاهرة، أي أنه لم ينشر لا قبل ولا بعد حرب فلسطين عام 1948 و56 و67 واتفاق السلام 1979 أن الجزيرتين سعوديتان ولهذا جاءت الصدمة والغضب، لأن قرارا كهذا من النظام فجأة عمل خاطئ ويصعب تبريره إلا بأنه إدارة سيئة للغاية، لأنه ليس قرار رفع سعر الوقود أو سلعة معينة ومفاجأة الناس بها.
وعلى العموم فإن التصريحات التي أدلى بها وبالذات كل من صديقنا وأستاذ القانون الدولي ووزير شؤون مجلس الشعب السابق الدكتور مفيد شهاب الدين والمؤرخ الدكتور عاصم الدسوقي تكفي لحسم القضية تاريخيا وسياسيا لأنهما ناصريان ولا يمكن أن ينحازا للجانب السعودي لسبب أو لآخر.
الملك فاروق وحرب 1948
وفي حقيقة الأمر فأثناء مطالعتي طوال عامي 1979 و1980 للصحف المصرية الصادرة من عام 1942 ـ 1952 أثناء إعداد كتابي «عروبة مصر قبل عبد الناصر من 4 فبراير/شباط 1942 إلى 23 يوليو/تموز 1952»، لم أعثر فيها على قضية بين البلدين بسبب الجزيرتين، أو تحديد الحدود البحرية بينهما، لأن العلاقات بينهما كانت قوية للغاية، ونتج عنها تشكيل محور مصري ـ سعودي ضد المحور العراقي ـ الأردني لمنع وقوع سوريا تحت سيطرة الأسرة الهاشمية، سواء من خلال مشروع الهلال الخصيب، أو سوريا الكبرى، أو الاتحاد العراقي السوري، وكانت السعودية وقتها تسير وراء السياسة المصرية، سواء في الصراع على سوريا أو القضية الفلسطينية، خاصة بعد أن ألهبت مصر الموقف بعد صدور قرار الأمم المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني 1948 بتقسيم فلسطين إلى دولتين، وسارعت برفضه وأنها لن تسمح بقيام دولة إسرائيلية على أرض فلسطين العربية، وكانت الدول العربية الأعضاء في جامعة الدول العربية وقتها سبع دول هي، المملكة المتوكلية اليمنية شمال اليمن والسعودية والعراق وإمارة شرق الأردن وسوريا ولبنان ومصر. والدول التي لها جيوش إلى حد ما كانت مصر والعراق والأردن ثم السعودية، وكذلك قادت مصر الحرب بعد إعلان قيام إسرائيل في 15 مايو/أيار 1948 وبدأت قواتها الحرب وأصدرت عدة بلاغات ونص ما نشر عنها في الجزء الأول من الكتاب هو:
بلاغ رقم «1»
1- اجتاز قسم من قواتنا الخفيفة الحركة والمشاة والمدفعية صباح اليوم الحدود واشتبك مع مستعمرة «الدنجور» القوية التحصين وتقوم مدفعيتنا الآن بدك حصونها ولا تزال المعركة مستمرة.
2- تخطي طابور آخر بلدة «خان يونس» في طريقه إلى غزة من دون أي مقاومة.
3- قامت طائراتنا بإلقاء منشورات بدعوة الصهيونية إلى الإخلاء والتسليم في ميعاد حدد لذلك، ولما انقضى الميعاد ولم يستجيبوا إلى النداء ألقت طائراتنا قنابلها على مستعمرة «بيت حانون».
4- قامت طائراتنا المقاتلة وقاذفات القنابل بضرب مطار تل أبيب العسكري بنجاح وهو واقع خارج المدينة.
5- احتلت قوات المتطوعين مرتفعا في منطقة «تل المطار» شرق غزة وهي باقية فيها حتى تصلها مقدمة قواتنا.
بلاغ رقم «2»
تم تطهير مستعمرة «الدنجور» بإبادتها، حيث رفضت التسليم وقد أسر أعرابيان كانا يعملان مع الصهيونيين داخل المستعمرة.
قام السلاح الجوي الملكي بإغارة ثانية صباح اليوم على مطار «تل أبيب» وقد تحقق إتلاف حظيرة الطائرات وحرق طائرة «داكوتا» كانت على الأرض.
أما البلاغ الثالث فقد صدر وفي نهايته «خسائرنا في الأفراد طفيفة».
كما تلقى الملك فاروق رسائل من عدد من الملوك والرؤساء العرب بهذه المناسبة وهذه ردوده على عدد منها: «حضرة صاحب الجلالة الأخ الملك عبد العزيز آل سعود ملك المملكة السعودية ـ الرياض : «أشاطر جلالتكم ما أعربتم عنه من الدعوات الصادقة والابتهال إلى الله لنصر الجيوش العربية المجاهدة، في سبيل الذود عن عرب فلسطين الذين أخرجوا من ديارهم ظلما وعدوانا، وأذيقوا ألوان العذاب والاضطهاد ما يندى له جبين الإنسانية، ولا شك أن المهمة العالية التي تضطلع بها اليوم الجيوش العربية غير باغية ولا عادية تهون معها كل تضحية، وأن من بواعث سروري في هذه الظروف التي فرضها علينا الاعتداء الصهيوني الآثم، أن يقف العرب جميعا صفا واحدا وأن يكون للجيش السعودي المظفر نصيبه الموفق بإذن الله إلى جانب الجيش المصري والجيوش العربية الشقيقة. وفقنا الله جميعا لنصرة الحق والعدل وأمدنا بروح من عنده وأسبغ عليكم نعمة الصحة والعافية».
وكان الملك فاروق قد أرسل ردودا أيضا إلى كل من الملك عبد الله ملك المملكة الهاشمية الأردنية، وشكري القوتلي رئيس الجمهورية السورية والشيخ بشارة الخوري رئيس جمهورية لبنان، أي أن القوات السعودية كانت تقاتل بجانب القوات المصرية وتحت قيادتها.
وفي 24 فبراير/شباط سنة 1949 وقعت مصر وإسرائيل على اتفاقية الهدنة وكانت ذات صيغة عسكرية محضة وبتاريخ 11 إبريل/ نيسان سنة 1980 قابلت إبراهيم عبد الهادي باشا رئيس وزراء مصر وقتها في منزله في القاهرة وسألته عن الظروف التي رافقت توقيع الاتفاق فقال لي: «عندما أصدر مجلس الأمن قراره بوقف القتال جاءني في منزلي القائم بالأعمال الأمريكي واستقبلته في الغرفة المجاورة للغرفة التي نجلس فيها الآن، وأبلغني بالقرار، وطلب معرفة رأيي، فأبلغته على الفور قبولنا وقف إطلاق النار، ونفذ ذلك فعلا.
وبعدها وبغير مقدمات جاءني السيد فاضل الجمالي سفير العراق في مصر يومئذ، وكان من أخص تلاميذ نوري السعيد يحمل إلى رسالة شفهية من نوري باشا عتابا على أن مصر قبلت قرار الهدنة، من دون أخذ رأيه أو الرجوع إليه، فكان ردي أن أحدا لم يكن إلى جانب مصر في تلقي الهجوم الإسرائيلي، ولو كان الجيش العراقي تحرك للاشتراك بأي صورة في دفع الهجوم لما فاتني، ولما فات مجلس الأمن أن يشركه في القرار وإنما صدر القرار بالنسبة للمتحاربين وهما مصر في جانب وإسرائيل في جانب آخر.
أما الجيش العراقي فقد بقي في موقعه يرد على سؤال السائلين لماذا لا تتحركون؟ يرد عليهم بقوله: «ماكو أوامر» فليس لنوري باشا أن يغضب أو يعتب حيث لا محل لغضب ولا لعتاب». وقال لي عن محادثات رودس: «وكان لابد من ترتيب الإجراءات المنفذة لعقد الهدنة عن طريق مندوب الأمم المتحدة رالف بانس، واتفق على أن يكون ذلك بلقاء بينه وبين وفد يمثل مصر، وآخر يمثل إسرائيل واختيرت جزيرة «رودس» مكانا لهذا اللقاء. كل المسائل لم يكن من الصعب على مندوب الأمم المتحدة أن يقرب عليها وجهات النظر، ولكن الإسرائيليين حاولوا أن ينتفعوا بحصار جزء من الجيش المصري في «الفالوجة»، وظنوا أنهم ينجحون في الوصول إلى تجريد هذه القوة من سلاحها قبل رفع الحصار عنها، فرفضنا رفضا باتا وأيقنوا أننا نجد حين الضرورة أن تحارب القوة عن نفسها بسلاحها حتى آخر رجل، ولا نرضى بتسليمها لسلاحها، وانتهى الأمر بالنزول لإرادة مصر وعادت قوة «الفالوجة» بسلاحها وكرامتها إلى أرض الوطن. وكل ما أحب أن استخلصه في اختصار أن هذه الهدنة تمت من دون أن يمس حق من حقوق مصر أو ينقص من موقفها القانوني فقد حرصت على أن يكون واضحا:
ليس لإسرائيل حق المرور في قناة السويس باعتبار أنها في حالة حرب مع مصر.
أنشئت محكمة الغنائم لمباشرة حق مصر في مصادرة كل ما يشحن من بضائع أو أسلحة لإسرائيل عبر القناة…
هذا ومن المعروف أن الأراضي الفلسطينية التي دخلتها القوات المصرية وسلمتها للأردن هي الخليل وبيت لحم. كما تجدر الإشارة أيضا إلى أن عبارة عبد الهادي باشا أشارت في 3- إلى مدخل خليج العقبة بأنه شأن التراب المصري ولم تتم الإشارة إلى الجزيرتين، لأن عرض المدخل كان ضمن المياه الإقليمية لمصر، كما هو ضمن المياه الإقليمية للسعودية ثم نعود في النهاية لنقول إنها الإدارة السيئة للإعلان، بلا تمهيد ولا تفسير مقبولين.
متى ينتهي الحديث عن المؤامرة ليبدأ عمل العقل؟
ثم ننتقل إلى «المصريون» ومقال رئيس تحريرها ورئيس مجلس إدارتها جمال سلطان ومقاله عن المؤامرة ومما جاء فيه: «أصبح هناك إجماع سياسي في مصر الآن على أن النظام يعيش في أزمة شديدة، وأن الرئيس عبد الفتاح السيسي يتعرض لضغوط متزايدة من أكثر من مصدر داخلي وخارجي، سياسي وأمني واقتصادي وحقوقي، وأن البلد بكامله الآن في ورطة، وما التوتر الشديد الذي تشهده البلاد حاليا على وقع التظاهرات المحتملة يوم 25 أبريل/نيسان وحملات الاعتقال التي تتسع ووصلت إلى اقتحام بيوت محامين وصحافيين ، فضلا عن ناشطين سياسيين، هذا كله يشي بحال من القلق والاضطراب وتوقع السيئ، هناك إجماع على ذلك الآن سواء بين أنصار السيسي أو معارضيه، ولكن الخلاف بين الطرفين ينحصر في «تفسير» هذه الأزمة وتفسير خلفياتها، أنصار السيسي اختصروا المسألة في كلمة واحدة: المؤامرة. ومعارضوه اعتبروا أنها حصاد عامين من التخبط والقرارات غير المدروسة وسوء إدارة الملفات الداخلية والخارجية … المشكلة التي يعاني منها في هذه الحالة أي كاتب سياسي أو محلل سياسي يريد أن يقدم نصيحة للقيادة السياسية أو يستخدم عقله وضميره لتقديم رؤية لصالح الوطن، ليس فقط أن يكون معرضا للاتهامات بالمفردات الأربعة الديماغوغية الشهيرة، أو أن يكون معرضا للجرجرة أمام المحاكم باتهامات مصطنعة ولكنها خطيرة، وإنما المشكلة الأهم أنه يشعر بعبثية أي نصيحة، وأنه لا جدوى من الكلام، فقد ماتت السياسة، لأن الآذان سدت عن السماع، والقلوب أغلقت عن الإحساس والإدراك، والعقول تعطلت عن استيعاب أو فهم ما يقال، فتبدو وكأنك صارخ في البرية».
أين مصر مما يجرى في القرن الأفريقي؟
وأخيرا مع زميلنا وصديقنا أحمد المسلماني المتحدث الصحافي باسم الرئاسة أيام الرئيس السابق المستشار عدلي منصور الذي يدافع من مدة عن الجيش لدرجة أنه ينهي مقالاته كل ثلاثاء في «المصري اليوم» بعبارة حمى الله الجيش حمى الله مصر، فإنه يوم الثلاثاء الماضي اقترح على الرئيس والجيش اقتراحا في حالة قبوله يمكن أن يُحدِث للنظام زلزال داخلي ودولي قال المسلماني بالنص: «من المناسب جدًّا أن تطلب مصر ـ رسميًّا ـ من دولة جيبوتي الشقيقة إقامة قاعدة عسكرية مصرية على أراضيها. تقع جيبوتي على باب المندب وعبر باب المندب يمّر جانب كبير من التجارة العالمية من بينها أربعة ملايين برميل من النفط يوميا، وبالنسبة لنا ـ في مصر ـ فإن باب المندب يشكل أهمية قصوى، حيث إنه المدخل إلى قناة السويس.. ومن دونه فإنه ببساطة لا وجود لقناة السويس، وقد أصبح باب المندب في خطرٍ شديد، حين بدأت ظاهرة القراصنة الصوماليين، ثم حين تمكن تنظيم «القاعدة» من أجزاء من الصومال حين تمدد الحوثيون على الجانب الآخر من المضيق، لهذه الأسباب الثلاثة، القراصنة و«القاعدة» الحوثيين، ولأسباب أخرى أصبحت جيبوتي موقعاً أساسياً لبناء القواعد العسكرية الأجنبية. وحسب دراسة مهمة للمركز الإقليمي للدراسات في القاهرة.. فإن ثُلث إيرادات الحكومة يأتي من إيجار القواعد العسكرية الأجنبية، تدفع اليابان ثلاثين مليون دولار سنويا وتدفع الولايات المتحدة واحدا وثلاثين مليون دولار سنويا، وتدفع فرنسا ثلاثة وثلاثين مليون دولار سنويا، وتدفع الصين أعلى رقم مئة مليون دولار سنويا. السؤال إذن: وماذا عن مصر؟ أين مصر مما يجرى في القرن الأفريقي؟ وأين بلادنا من سباق القواعد العسكرية على باب المندب؟ الإجابة ببساطة: علينا أن نبدأ ـ وفورا ـ في مخاطبة السلطات الجيبوتيّة، وهي تُكِنُّ لبلادنا كل التقدير والصداقة من أجل إنشاء قاعدة عسكرية مصرية لتكون القاعدة الأجنبية الخامسة في جيبوتي. من المناسب جدًّا أن ندفع إيجارا سنويا مثل الولايات المتحدة، واحدا وثلاثين مليون دولار سنويا. إن تأسيس قاعدة مصرية في جيبوتي كأول ـ وليس آخر ـ قاعدة عسكرية مصرية في الخارج.. هو أمرٌ أساسي في بناء «مصر الكبرى»، وفي حماية أمن بلادنا القومي خارج حدودنا، كما كان يفعل أجدادنا العِظام عبر تاريخ بلادنا المجيد. إن العصر الذي نعيش فيه ليس عصر «الإمبريالية» والتوسع بالغزو، ولكنه عصر الدهاء والتوسّع بالعقل، وإذا لم تذهب مصر إلى خارج حدودها سيأتي الآخرون إلى داخل حدودنا حفظ الله الجيش حفظ الله مصر».
حسنين كروم