وأخيراً حسم مجلس صيانة الدستور في إيران الجدال الانتخابي حول ترشح الرئيس محمود أحمدي نجاد ومساعده حميد بقائي ورفض الاعتراف بأهليتهما لخوض السباق الانتخابي المـــقــرر يوم 19 من الشهر المقبل لتبدأ معها في اليوم التالي الحــملة الانتخابية، إذ سمح المجلس المؤلف من ستة فقهاء ومثلهم من القانونيين، لستة فقط من مجموع 1636 ممن تقدموا لخوض الانتخابات بينهم ثمان سيدات.
المجلس الذي يثير في كل انتخابات تجري في إيران، نقاشاً حول ما يسميه المعترضون على دوره، بالتعسف في استخدام صلاحياته خصوصاً وهو الوحيد المسؤول عن تفسير الدستور، ويمنح لنفسه الحق في رفض من يراه أعضاؤه، غير ملتزم عملياً بالإسلام ونظام ولاية الفقيه، رفض أيضاً جميع النساء المتقدمات للترشيح، بالرغم من أن وزارة الداخلية تسمح لهن بالتقدم، وسط نقاش مستمر لم يحسم بعد حول تفسير المادة الخامسة عشر بعد المئة وهي «ينتخب رئيس الجمهورية من بين الرجال المتدينين السياسيين …».
وإذ يرفض مجلس صيانة الدستور حسم تفسير (الرجال السياسيين) ويظل يمارس رفض النساء للترشيح حتى دون أن يطلع على ملفاتهن، ولا يسمح أيضاً بغير المسلمين بل وغير الشيعة بل وغير الشيعة الإمامية الإثني عشرية، بالتقدم للترشيح، يطرح الكثيرون فكرة إعادة النظر في الدستور لتعديل هذه المادة على أساس المواطنة، واعتبار أن المواطن الايراني ما دام ملتزماً بقوانين البلاد ودستورها وإن كان قائماً على التبعية لنظام ولاية الفقيه، فهو قادر على أن يصبح رئيساً لسلطة تنفذ تشريعات وقوانين البلاد.
ويحتدم الجدل هذه الأيام أكثر في ضوء رفض مجلس صيانة الدستور (ويهيمن عليه المتشددون) السماح لمرشحي الأقليات الدينية خوض انتخابات المجالس البلدية التي تتزامن مع الانتخابات الرئاسية.
ومع أن الأقليات الدينية ممثلة بشكل مباشر في البرلمان، إلا أن أحمد جنتي أمين مجلس صيانة الدستور أصدر تعميماً طالب خلاله منع تأييد أهلية مرشحي الاقليات الدينية في انتخابات المجالس. واستند جنتي في التعميم إلى المادة الرابعة للدستور ويطالب برفض أهلية مرشحي الأقليات غير المسلمة في مناطق نسبة سكانها تشكل الأكثرية. وأيد عباسعلي كدخدايي الناطق باسم مجلس صيانة الدستور هذه الرسالة.
يذكر ان هذا الإجراء أثار غضب ممثلي الأقليات الدينية في البرلمان، الذين طالبوا بالغائه خصوصاً أن النواب ومرشحي الأقليات لانتخابات المجالس منتقون وملتزمون بنظام الجمهورية الإسلامية.
الحملة الانتخابية
ومع إعلان ستة فقط من المؤهلين لخوض السباق الانتخابي انطلقت الجمعة الحملة الانتخابية وتستمر حتى مساء يوم 18 أيار/مايو حيث الصمت الانتخابي لتبدأ عملية التصويت في اليوم التالي. وسيغيب عن الحملة الانتخابية أحمدي نجاد ومساعده ومحمد هاشمي شقيق رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام الراحل الشيخ أكبر هاشمي رفسنجاني الذي قال إنّ «قراره بالمشاركة بالانتخابات قرار جماعي تم مناقشته مع عائلة الراحل رفسنجاني» مشيراً إلى أنه كان يريد مواصلة طريق الأخير الذي أوصى أن تكون «الانتخابات تنافسية».
وأقصى مجلس «صيانة الدستور» المرشحين الإصلاحيين، مصطفى كواكبيان ومحسن رهامي، ورفض قبول ترشح النائب المحافظ السابق، علي رضا زاكاني، رغم أنه واحد ممن رشحتهم «الجبهة الشعبية لقوى الثورة الإسلامية جمنا» التي اختارت خمسة أسماء محافظة أولها رئيسي، لتنافس روحاني والمحسوبين على خطه.
والمقبولون الذين قبل ترشيحهم من بين مئات المرشحين هم: الرئيس حسن روحاني وهو معتدل مدعوم من الاصلاحيين ومعتدلي التيار الاصولي. ونائب الرئيس اسحاق جهانغيري وهو من الإصلاحيين وترشح كمرشح ظل للرئيس روحاني.
ومصطفى هاشمي طبا وزير سابق إصلاحي من كوادر البناء معتدل .وإبراهيم رئيسي، سادن الروضة الرضوية محافظ اصولي. ومصطفى مير سليم،عضو مجمع تشخیص مصلحت النظام، اصولي محافظ متشدد. ومحمد باقر قاليباف، عمدة طهران اصولي محافظ.
الشيخ والسيد
وفي أول تصريح له عقب تقديم أوراق ترشيحه للانتخابات الرئاسية الإيرانية المقبلة لولاية ثانية قال الرئيس حسن روحاني إن «حفظ الاتفاق النووي سیعد من الیوم فصاعداً أحد أهم القضایا السیاسیة الداخلیة والخارجیة للشعب الإیراني».
وقال إبراهيم رئيسي، مرشح الجبهة الجماهيرية لقوى الثورة الإسلامية إن «التقيد بسلطة القانون هو حصيلة العمل لاسيما للذين ينفذون القانون». مضيفاً أن «الفساد أحد المشاكل التي تعاني منها إيران» ويمكن «توحيد طاقات جميع قوى الثورة الإسلامية في إيران لتغيير الأوضاع الحالية، وفتح أقفال المشاكل التي يعاني منها الشعب الإيراني خاصة الاقتصادية».
وقال رئيسي إنه «من خلال إدارة جيدة تتجاوز التيارات والتقسيمات السياسية، يمكن حل مشكلات إيران الاقتصادية»، وأضاف إن «مصلحة وعزة إيران تستدعي التعامل مع مختلف دول العالم إلا إسرائيل، خاصة اقتصادياً». وأكد العضو السابق في الهيئة الرئاسية لمجلس خبراء القيادة أن لديه «تجربة إدارية ومسؤولية لثلاثة عقود» ويعتقد أنه «يمكن إصلاح بعض الهيكليات لإصلاح الأوضاع الاقتصادية» وبيّن أنه يسعى لتشكيل «حكومة العمل والكرامة».
وعن الشأن السوري صرح رئيسي أن «الشعب السوري هو من يجب أن يقرر مصيره بنفسه وحضور الدول الأجنبية وتدخلاتها لا تحل الأزمة بل تعقدها».
وقبل أن تنطلق الحملة الانتخابية لم يتحدث أي من المرشحين عن القضايا الخارجية التي تشغل بال المواطن، عدا إشارات عابرة إلى الاتفاق النووي وأمريكا في عهد دونالد ترامب، مع التركيز على الأزمة السورية كونها باتت في الواجهة.
وإذ غاب التطرق مباشرة إلى العراق، خصوصاً في أحاديث أبرز المرشحين وعلى رأسهم الرئيس حسن روحاني الذي ذكّر بدعم واشنطن لنظام صدام في استخدامه الأسلحة الكيميائية ضد إيران، فان ما يهم العراق من هذه الانتخابات، هو عدم حصول أي تغيير كبير في طريقة التعاطي الإيراني مع التطورات في العراق وسوريا في عهد ترامب.
ومن الواضح من السياقات الرسمية في إيران أن الملف العراقي وكذلك السوري، هما في عهدة المجلس الأعلى للأمن القومي الذي يرأسه الرئيس دستورياً ويتولى الأمانة العامة فيه حالياً اللواء علي شمخاني (التميمي)، وهو من التيار المعتدل الذي يرغب في إقامة علاقات متوازنة مع جميع الدول العربية خصوصاً المملكة العربية السعودية، وما يترك ذلك من تأثيرات إيجابية على استقرار العراق، وضبط صراعات قواه الداخلية، والتعجيل في القضاء على الإرهاب، ومنع تكراره.
أحمدي نجاد
كان متوقعاً جداً أن يرفض مجلس صيانة الدستور ترشيح محمود أحمدي نجاد الذي أثار غضب المؤسسة الثورية التي دعمته في الانتخابات قبل الماضية، حيث فقد تأييد داعميه من التيار الاصولي الذي حذره من المشاركة في الانتخابات لأنه خالف توصية من المرشد آية الله علي خامنئي الذي يرى أن ترشيحه سيؤدي إلى تقسيم البلاد إلى قطبين، وربما تندلع فتنة داخلية يقودها أنصاره وأشار لها بوضوح حيدر مصلحي وزير الاستخبارات في عهد أحمدي نجاد .
وبينما دعا أنصاره إلى «ضبط النفس وسعة الصدر» وحذرهم من أي ردة فعل غير مناسبة، بعد استبعاده من الانتخابات الرئاسية، حسب مصادر مقربة منه، لوحظ انتشار واسع لقوات مكافحة الشغب في المنطقة التي تضم منزل محمود أحمدي نجاد تأهباً لردود فعل أنصاره، وسط أنباء تتحدث عن نية النظام اعتقاله بتهم منها الفساد.
رسائل
وتأتي الانتخابات في وقت تمر فيه علاقات إيران بعدد من الدول العربية خصوصاً السعودية والأردن بمرحلة سيئة من التوتر، ومع الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً بتصعيد لافت يجعل واشنطن إضافة إلى تركيا، الحاضر الأكبر في هذه الانتخابات من حيث الرسائل التي يراد تمريرها قبل وبعد فرز الأصوات. من هنا تشير تصريحات المرشد الأعلى علي خامنئي إلى رغبته لجعل نتيجة الانتخابات فرصة جديدة للتصويت على قوة نظام ولاية الفقيه وتماسكه وشرعيته، وعلى سياساته التي ينتقد بسببها سواء في سوريا أو العراق أو اليمن.
نجاح محمد علي