الانتفاضة والتقصير العربي… بلير والعراق

حجم الخط
2

لا أدري لماذا يفرض الانقسام الفلسطين نفسه حتى على التعبير اللغوي في وصف المقاومة الشعبية الفلسطينية في الوطن المحتل. البعض يصفها «هبّة» وآخرون يصفونها وصفا صحيحا بـ»الانتفاضة».
الهبّة وصف يُطلق على مقاومة شعبية لا تستمر طويلا، وغالبا ما تكون منحصرة في بقعة جغرافية صغيرة، أو تقوم بها شريحة مجتمعية معينة. أما الانتفاضة فتكتسب صفة الاستمرارية بمشاركة كل شرائح المجتمع فيها.
الهبّة تكون لمطالب بسيطة، بينما الانتفاضة تندلع لأهداف كبيرة، قد يأتي تحديدها (إن لم تحدد قبلا) في سياق نشاطاتها اليومية، كما قيادتها الموحدة وبرنامج نضالها اليومي. وصفوا نضالات الفلسطينيين وانتفاضــتهم بـ «اليأس» و»الإحباط»، واصبحوا حمامات سلام في الدعوة إلى السكينة والهدوء، لأن «الكف لا تقاوم المخرز» وعلى ذلك قس.
يجري التركيز إعلاميا على أحداث الاقصى، نعم القدس درّة فلسطين، ولكن كلّ فلسطين محتلّة، لذا يتوجب أن يكون التركيز على الاحتلال لكل الأرض والأقصى ضمنها هذا هو المطلوب. لا تزال نابلس وقلقيلية وطولكرم وجنين محتلّة كما رام الله والخليل وغيرها، ننحني إجلالا للأقصى، ولكن كل شبر في أرضنا الفلسطينية مقدّس. أستغرب أيضا للإعلام الذي يصف الانتفاضة كالتالي: «لليوم الخامس والعشرين تجري أعمال العنف المتبادل بين الفلسطينيين وإسرائيل» أنقُلُ وصفا في صحيفة إلكترونية عربية كبيرة، لو قرأنا هذا الوصف في صحيفة أوروبية لانتقدناها أيضا لما فيها من استهتار وتجنّ ومقارنة ظالمة، فلا تجوز المقاربة بين جلّاد وضحيّة، بين مقاومة مشروعة بقرارات من الامم المتحدة، لشعب احتُلّت ارضه ومحتلّ مابعد فاشي، يمارس إعداماته الميدانية، وحرب إبادته الجماعية للشعب المغتصبة إرادته بفعل الاحتلال. لا تجوز المقاربة بين عدوّ يمتلك أحدث أنواع الأسلحة وفلسطينيين يعانون قهر الاحتلال ويقاومون بحجر، سكين، مفكّ وعجل سيارة.
جاء كيري في جولة خاصة للمنطقة من أجل وأد الانتفاضة، يدعو كلا الطرفين إلى التهدئة. وكأنهما طرفان في دولتين متجاورتين متوازيتين في القوة، مختلفتين على قضية حدودية. هذا هو وزير خارجية ما تدّعيه دولته «أنها راعية حقوق الإنسان في العالم»، هذا هو الكيل بمكيالين، والنظر من خلال منظار لا يرى إلا بعين واحدة، ليس ذلك فحسب، وإنما الناطق باسم الخارجية الامريكية يقول في مؤتمر صحافي «إن طعن الفلسطينيين للجنود وغلاة المستوطنين هو إرهاب، بينما الناطق ذاته وصف الإجرام الصهيوني بحق شبابنا من الجنسين بأنه حق مشروع للدفاع عن النفس». كنت أتمنى ألا يجري استقبال كيري، وأن يرفض عباس الاجتماع به في عمان، لأنه مشارك للكيان في جرائمه ضد شعبنا، ولو بطريقة غير مباشرة، سواء بإمداده بالسلاح الذي يمارس من خلاله ذبح شعبنا وحرق أطفالنا أو لأنه يغطي هذه الجرائم سياسيا. هل سيصدق أحد أن نتنياهو سيقوم بتنفيذ تعهداته للاردن بالحفاظ على طابع الأقصى، وها هو ينقض تعهده بنصب كاميرات تراقب ما يجري في الاقصى، هذا الذي وصفه حتى الرئيس المصري المعزول حسني مبارك بالكذّاب، وبالمناسبة لماذا يغيب تماما دور مصر العربي في هذه المرحلة؟ إنه تغييب مقصود.
النقد ظاهرة غير مقبولة لدى معظم الجماعات والأحزاب العربية بمختلف اتجاهاتها، وما على الكاتب إلا أن يقوم بنقد الخطأ لا أن يكون مدّاحا، لذا فحول التقصير الرسمي والشعبي المعبّر عنه في صيغ قومية، قومية ـ إسلامية وأخرى إسلامية نقول: حدّث ولا حرج، فباستثناء المغرب (في مظاهراته الحاشدة يوم الجمعة الماضي 23 أكتوبر) وتحركات الفلسطينيين واصدقائهم العرب في مخيمات البلدان العربية التي يوجدون فيها، فإن صمت الحركات الوطنية والقومية والإسلامية العربية والعالمية هو صمت القبور، إذا كانت هذه الحركات اللا منتخبة من جماهير امتنا،هي ممثلة للواقع العربي، فبئس هذا الواقع، لكن واقعنا الشعبي العربي هو أنقى مما يتصور البعض، مسكينة أمتنا العربية المقموعة، المطحونة والمغلوبة على أمرها، واللاهثة دوما وراء لقمة العيش، وهي تدور في عجلة الحياة اليومية.. لا تجد من يدعوها إلى مظاهرة تعبّر من خلالها عن تماهيها مع النضال الفلسطيني، باعتبار فلسطين قضيتها المركزية الدائمة. أحزاب إسلامية تدعو إلى الجهاد وتقاتل في غير فلسطين، أما في أرض الرباط المقدّسة، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين… فدع الفلسطينيين يقاتلون وفقا لمقولة «أهل مكة أدرى بشعابها». أحزاب أخرى تحشد مئات الألوف في مناسبات دينية نحترمها ولكن لماذا لا تحشد لدعم الانتفاضة مع تقديرنا لإحيائها يوم القدس في كل عام.
أذكر في خمسينيات وستينيات وحتى سبعينيات القرن الماضي، المظاهرات الجماهيرية الحاشدة لجماهير الأمة العربية على كل حدث وطني تحرري عربي في إحدى العواصم العربية، كان ذلك رغم القمع القاسي لكل الجماهير العربية في بلدانها. صحيح أن الزمن غير الزمن وكل ذلك جرى بتخطيط أمريكي ـ غربي ـ صهيوني، محاولة لحرف أنظار الجماهير العربية عن الصراع التناحري الأهم، مع العدو الصهيوني إلى جهة أخرى هي الصراعات المذهبية، الطائفية والإثنية، حيث تكون محاربة الشيعي للسني أهم من مقاومة الكيان، هل نظل نلقي بالمسؤولية على المؤامرة وندبج المقالات في تقريعها وفضحها؟ السؤال هو: ثم ماذا بعد؟ نتفنن في بيانات استنكارنا للعدو الصهيوني ومساندة الفلسطينيين، أعيد ما كتبته سابقا حول رد فعل رابين عندما أخبروه مرة عن ردود الفعل العربية ببيانات استنكارعلى جرائم كيانه، فقال «إنها لا تستأهل الحبر الذي تكتب به»، ومصيرها سلّة المهملات. أين هو إبداع استشراف المؤامرة قبل وقوعها؟ في الطب هناك مبدأ اسمه الوقاية، ألا يمكن تطبيقه في الساحة السياسية العربية؟ باجتراح الصيغ العملية القابلة للتطبيق لتحصين الجسد العربي أمام ما يخطط له. قريبا سيتم عقد مؤتمرات لصيغ قومية، قومية- إسلامية، وإسلامية لنصرة الانتفاضة، لن أكون متشائما وارجو أن تتجاوز هذه دائرة بيانات الاستنكار «لمؤامرة العدو الصهيوني المؤيد من الولايات المتحدة… الخ» و»التضامن مع الشعب العربي الفلسطيني»، لما هو ابعد، خطوات عملية، فمثلا تنظيم مظاهرات، حملات تبرعات مادية لدعم عروبة القدس، زيارات تضامنية للمخيمات الفلسطينية، الضغط على حكوماتها لتسمية شوارع باسم شهداء الانتفاضة الثالثة، حملات توعية جماهيرية بالانتفاضة الثالثة، وطبيعة الإجرام الصهيوني، ندوات قانونية، فكرية استراتيجية لطبيعة الصراع مع العدو الصهيوني… الخ. إذا كانت نتائج هذه المؤتمرات ستقتصر على ما كانت عليه سابقا من آليات عمل، فمن الافضل أن يجري التبرع بثمن تذاكر سفر الحضور لدعم عروبة القدس. للعلم تكاليف السفر لحضور أحد هذه المؤتمرات يتم على حساب الذي يحضر، غير أن الدعوات لا يجري توجيهها لمن ينتقد، وإثباتات كثيرة لديّ ولدى كثيرين. فمن المستغرب أن تكون عضوا ولا تُدعى لحضور المؤتمر، لتكتشف أن اسمك أيضا غير موجود في قائمة العضوية.
حول اعتذار بلير عمّا سببه وحكومته للعراق.. يذكّرنا هذا بالرئيس بوش الابن، فقد أقرّ رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير في مقابلة صحافية، بأن غزو العراق عام 2003 كان له دور في ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية»، معتذرا عن بعض الأخطاء في التخطيط لتلك الحرب. ولا يزال قرار بلير، إرسال جنود لدعم الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على العراق موضع جدل سياسي في بريطانيا، حيث لم تُنشر نتائج تحقيق مستمر منذ ست سنوات في المسألة.
ولدى سؤاله عما إذا كان الغزو هو السبب الرئيسي لظهور «داعش» الذي يسيطر في الوقت الحالي على مناطق واسعة في العراق وسوريا المجاورة، أجاب بأن هناك «جوانب من الحقيقة» في هذا الأمر.
وقال لمحطة «سي.أن.أن» الأمريكية الإخبارية «بالطبع لا يمكن القول إن من أطاح منا بصدام (حسين) عام 2003 لا يتحمل مسؤولية عن الوضع في عام 2015».
قبل سنوات قدمت لجنة مستقلة، أمر بتشكيلها الرئيس الأمريكي جورج بوش برئاسة القاضي في محكمة الاستئناف لورانس سيلبرمان، والسيناتور الجمهوري السابق تشارلز روب، تقريرها النهائي حول امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، هذه الحجة استعملت كمبرر للغزو الأمريكي للعراق قبل عامين. جاء هذا التقرير بعد عشرات الشهادات والاستجوابات التي قامت بها لجان من الكونغرس، ولجان أخرى دولية، ذهبت للعراق وفتشته بالبوصة لعلها تجد ولو دليلا واحدا مهما كان ضعيفا على صحة ادعاءات إدارة بوش ومبرراته لغزو العراق. لكن التقرير النهائي لكل ذلك جاء ليقول، إن كل ما قدمته الاستخبارات الأمريكية، على كثرة إمكانيات أجهزتها، كان افتراء وكذبا (وأغلب ما جمعته إما بلا قيمة أو مضلل) وقالت اللجنة التي وضعت التقرير: «نستنتج أن الأوساط الاستخبارية كانت مخطئة تماما في كل تقديراتها، تقريبا، التي سبقت الحرب حول أسلحة الدمار الشامل العراقية». بهذا التقرير تكون كل مبررات إدارة بوش لغزو العراق قد تكرست باعتبارها مجرد افتراءات لا أساس لها من الصحة. ولأن ما ترتب على هذه الافتراءات يعتبر من أوله إلى آخره جرائم حرب كبرى يعاقب عليها القانون الدولي، الذي داست عليه إدارة بوش عندما ذهبت لغزو العراق، وارتكاب جرائمها فيه، فإن من السخرية الشديدة أن يوصف ما وقعت فيه الاستخبارات الأمريكية بأنه مجرد (أخطاء)، وهو أيضا استغفال كبير لكل العقول واحتقار لكل المؤسسات الدولية الحريصة على احترام الشرعية الدولية والقانون الدولي. وقال بوش في كتاب مذكراته بعنوان «Decision Points» إنه «لم يكن هناك شخص أكثر صدمة وغضبا عما كنتُ عليه عندما لم نجد الأسلحة». ما نقوله للزعيمين الغربيين: كنتما متأكّدين من عدم وجود أسلحة دمار شامل في العراق. لقد أعلنها بوش صراحة أنه سيعيد العراق إلى العصر الحجري، كان المطلوب تدمير قوات العراق كعقبة أمام الكيان الصهيوني. كان المطلوب تدمير حضارة العراق، لذا تمت سرقة ونهب المتحف الوطني العراقي، تحت سمع وبصر قوات الغزو الأمريكية. كان المطلوب نهب ثروات العراق وتقسيمه إلى دويلات متحاربة، وافتقاد مواطنيه العرب إلى الامن. كان المطـــلوب قتل العلماء العراقيين وتهجير الكفاءات العـــراقية من وطنها. كان المطلوب إزاحة العـــــراق كعمــــق استراتيجي للامة العربية في الصراع العربي ـ الصهيوني. كان المطلوب إنشاء منظمات التــــطرف الإسلامي لحرف الصراع عن وجهته الأساسية وبوصلته الحقيقية مع العدو الصهــــيوني. كان المطلوبا تدمير العراق لهذه الأسباب غزوتموه… نقول نعيما؟ تعتذرون بعد خراب البصرة خسئتم… فمنذ اليوم الاول كان الشعب العربي يدرك أهدافكم الاستعمارية ـ الصهيونية الخبيثة، ما أنتما إلا برغيين في عجلة الطغمة الأوليغاركية – العسكرية الحاكمة فعليا.

٭ كاتب فلسطيني

د. فايز رشيد

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية