الاِستخفاف بالدّول وزعزعة الاِستقرار العالمي

لم تكن لدى بوش الابن سياسة، بل كان يقوده تصرّف مرحلي لا غير تمثّل في الاستخفاف بالدول الصغيرة وغزوها، الأمر الذي أدّى إلى زعزعة الاستقرار العالمي، والصورة أكثر اتّضاحا في الشرق الأوسط الأقلّ استقرارا في كل أماكن العالم، فهو الرقعة الجغرافية التي نفّذ فيها سيناتور ولاية تكساس عديم التجربة السياسية مغامراته المجنونة.
وآل الأمر بالولايات المتحدة إلى تخرّيب دول ولم توجد البديل الذي يحفظ الاستقرار. وهي التي تعمل من خلال الناتو للهيمنة على أوروبا وتمزيق نسيجها القومي، الأمر الذي ينسحب أيضا على تخريب الاتّحاد الأوروبي، ولا ننسى الضّرر الذي ألحقه الفيتو الأمريكي بمصداقية مجلس الأمن وكافة المنظمات الدولية.
ألم تدرك الولايات المتحدة بعد أنّ لقوّتها المادية حدودا؟ وهل ستتعلّم الدرس ممّا جرى للإمبراطوريات الاستعمارية التي سبقتها؟ أم أنّها تتعنّت في التشبّث بموقع عالمي آخذ في الزوال، عبر اعتمادها على قوّة عسكرية سياسية، ومثل هذه القوّة العسكرية السياسية لا تنشر على الاطلاق نظاما عالميّا يدعم السلام ولكن اضطرابات، ولا أمانا عالميا ولكن نزاعات وإدارة أزمات لصالحها طبعا ولحلفائها، ولا تقدّما للحضارة الإنسانية ولكن بربرية. هي أسئلة لم يبخل في طرحها بشكل مشابه هاملتون وكذلك ايريك هوبزباوم المؤرّخ البريطاني. ولعلّ مردّ هذه التساؤلات يعود إلى أنّ مثل هذه الامبراطورية الخبيثة ساهمت في صنع ما تشهده حقبتنا من عودة إلى البربرية اتّضحت ملامحها بداية الألفية الثالثة مع ما سمّي «الحرب على الإرهاب».
استفادت الولايات المتحدة استفادة عظيمة بعد سنة 1945، وذلك من الناحية الاقتصادية والسياسية والثقافية والايديولوجية، الأمر الذي مكّنها من تجاوز مخلّفات الحرب الباردة والبروز كقوّة مهيمنة على جميع دول العالم إلى وقت ما، وقد بدا واضحا جنون العظمة في حرب الخليج الأولى والثانية، وإثر أحداث 11 سبتمبر، يدعم ذلك ما استنتجه إيريك هوبزباوم من أنّ جنون العظمة الذي أصيبت به سياسة الولايات المتّحدة بعد أحداث 11 سبتمبر الذي أظهر قوّة مركزها ما بعد الاتّحاد السوفييتي، هو الذي كان له الأثر الأكبر في تدمير الأسس السياسية والأيديولوجية لتأثيرها السّابق الذي كان مبنيّا على الهيمنة، وأوصد أمامها أبواب تقوية تراث حقبة الحرب الباردة، ولم يُخلّف لها سوى قوّة عسكرية مخيفة لا تُنكر، وإن لم يكن لها أساس منطقي. فالولايات المتحدة التي تعيش شبه عزلة دولية باتت ربّما للمرّة الأولى في تاريخها موضع بغض معظم الحكومات والشعوب على السواء.
هكذا «سقط الصرح برُمّته حطاما» بعبارة ميكايل غلنون الباحث في القانون الدولي، عندما تتجاهل الولايات المتحدة المواثيق الدولية وتتجاهل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ومن ثمّة تُدمّر العراق البلد الحضاري العظيم غير عابئة بأية قوانين، وغير متقيّدة بأية أحكام في سبيل الحفاظ على تفوّقها المزعوم الذي ارتبط باستخدام القوّة في كلّ زمان ومكان. وهي جرأة امتلكها المحافظون الجدد واستغلّوا غياب التّوازن الدولي في العشريّة الأخيرة، ليفسدوا في الأرض وفق حماسة امبريالية لا مثيل لها، بحثا عن المصالح والمطامع اللامحدودة، وبالطّبع وجد هؤلاء أرضية مواتية للانقسام والتشتّت المذهبي والطائفي في المنطقة العربية، زادوه تأجيجا وتفرقة وتشرذما، وعمّقوا بؤس الحال وفشل الطبقة المثقّفة التي جعلوا جزءا لا يستهان منها وكلاء وحوّلوهم إلى أقلام مأجورة، تدفع باتّجاه مصالح الغرب الاستعماري وتنفّذ الأجندات، وهكذا تمّ تعطيل قدرات الناس التحليلية، وخُدّرت الجماهير وعملت النخب الحاكمة على تصحير ثقافة الشعوب، وتصدير أفق اهتمامها نحو المتاهات وتغييبها عن مكاشفة قضاياها الحقيقية ورهاناتها المصيرية. وقد دأبت الولايات المتحدة على عدم تبرير سياساتها أو توضيح أجنداتها، فهي تخدم مصالحها الخاصّة غير عابئة بهموم الشعوب وحقّها في الحياة الكريمة أو تقرير المصير. واليوم لا أحد ينخدع بمقولات الولايات المتحدة حول الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الشعوب والقانون الدولي إلّا من بلغ درجة عظيمة من الغباء، فحقيقة زيف القيم الديمقراطية التي تدّعيها أمريكا أصبحت مكشوفة أمام العالم، وما المأساة التي تعانيها الشعوب العربية إلّا نتيجة لدعم أمريكا لحكّام المنطقة ضدّ تطلّعات شعوبهم، وما تصفيق الكونغرس للثورة التونسية إلّا ضحك على الذّقون، فالأنظمة الديكتاتورية العربية تلقّت الدّعم التام من قبل أمريكا وهم وُكلاء للغرب وتلامذة نُجباء، وفّروا تكلفة الاستعمار المباشر وخدموا أسيادهم بتفانٍ وإتقان.
لقد انتهى عصر الامبراطوريات بصرف النظر عن مبلغ قوّتها العسكرية ويتعيّن على الجميع ايجاد سبل أخرى لتنظيم العالم والحدّ من النزاعات والدّمار الذي يلحق بالشعوب، وإن كانت السياسة الدولية تفتقد وسيطا دوليا يتّسم بالحياد والقدرة على تجاوز المحن والتعقيدات والنجاح في إدارة الأزمات والعمل على حلّها.
كاتب تونسي

الاِستخفاف بالدّول وزعزعة الاِستقرار العالمي
 
لطفي العبيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية