يعتمد الأمر على الموقف من «عاصفة الحزم»، أولاً وآخراً، وبمعزل عن أية ملابسات. إذا كان امرؤ ما متعاطفاً مع العملية، ومناهضاً للحوثي وداعميه في إيران، فإنّ قرار البرلمان الباكستاني (الذي يساند «وحدة الأراضي» السعودية، لكنه لا يقرّ إرسال قوات برّية وجوية وبحرية للانخراط في «عاصفة الحزم»)، يظلّ مثل قلّته: إنه غير ملزم، وتصريح رئيس الوزراء الباكستاني، نواز شريف، حول «الوقوف كتفاً إلى كتف» مع السعودية، هو اللازم، والملزم! في المقابل، إذا كان امرؤ آخر متعاطفاً مع الحوثي وإيران، و»ممانعاً» مصفقاً لأمثال بشار الأسد وحسن نصر الله ونوري المالكي وأحمد جبريل وعبد الملك الحوثي… فإنّ قرار البرلمان الباكستاني مُلزم ولازم، وهو انتصار لجبهة الممانعة، وللحوثي، وهزيمة للسعودية وحلفائها، ولتركيا رجب طيب أردوغان، وللرجعية العربية عموماً؛ ثمّ للإمبريالية العالمية، بالطبع، وفي الحصيلة!
بيد أنّ قرار البرلمان الباكستاني ينتمي إلى ميدان تحليلي آخر، عند امرىء ثالث يتحرى الموضوعية، وبعض الرصانة، في قراءة الخلفيات السياسية، ثمّ الاقتصادية والأمنية والعسكرية، فضلاً عن تلك المذهبية، التي تكمن في خلفية القرار؛ أو يتوجب، منطقياً، أن تكون وراء صدوره على هذا النحو: بالإجماع، رغم اختلاف التيارات والكتل داخل هذا البرلمان. ولا يرتاب عاقل في أنّ نوّاب الأمّة الباكستانية كانوا ـ أعلم بكثير من المتعاطف مع «عاصفة الحزم» أو المناهض لها ـ على معرفة بأدقّ تفاصيل العلاقات الباكستانية ـ السعودية؛ أو، بالأحرى، ذلك الجانب الذي يخصّ حجم تبعية إسلام آباد للنفط الخليجي (الذي يأتي، بصفة تامة كما يُقال، من السعودية والإمارات العربية المتحدة)؛ وحجم العمالة الباكستانية في دول مجلس التعاون الخليجي عموماً، والسعودية خصوصاً؛ وأخيراً، مقدار الاستثمارات الباكستانية هناك، وعواقب تعريضها لمخاطر أي تدهور في العلاقات…
لكنّ الديمقراطية الباكستانية، أياً كانت التحفظات على طبيعتها ومصداقيتها، لا تعمل وفقاً لهذه الطرائق في إقامة التوازنات على ركيزة، أو ركائز، أحادية؛ من نوع تفضيل النفط والاقتصاد والتحويلات المالية والاستثمارات، على مزالق إدخال الأمن القومي االباكستاني في أحلاف إقليمية، ثمّ الانخراط في عمليات عسكرية، تستعدي إيران، وقطاعات واسعة من جمهور الشيعة استطراداً، مثلما تمنح إسلاميي الباكستان المتشددين ورقة مناورة إضافية في المشهد السياسي والحزبي الداخلي. وهكذا فإنّ زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، ثمّ زيارة صالح بن عبد العزيز وزير الشؤون الإسلامية السعودي، إلى إسلام آباد؛ أثبتت أنّ ما حمله الأوّل لهواجس الأمن القومي الباكستاني، كان أكثر ترجيحاً مما حمله الثاني لمقتضيات الاقتصاد الباكستاني.
وقبل أشهر قليلة، في سابقة فريدة للمرّة الأولى على امتداد أكثر من ستة عقود من عمر الديمقراطية الباكستانية، كان البرلمان قد أصدر قراراً يطلب اعتقال الرئيس السابق، الجنرال برويز مشرف، بتهم ذات صلة بسوء استخدام سلطاته الدستورية. ولم يكن أمراً مألوفاً أن تتجاسر سلطة مدنية منتخَبة، فتعقد العزم على إحالة قائد أعلى سابق للجيش، إلى القضاء، خاصة وأنّ الرجل كان أيضاً رئيساً سابقاً للجمهورية، والتهمة التي يواجهها هي الخيانة! هذا، إلى ذلك كله، هو الجنرال الذي استولى على السلطة سنة 1999، إثر انقلاب عسكري؛ ثمّ صار رئيساً للبلاد طيلة سنوات 2001 ـ 2008، وفرض الأحكام العرفية في آخر سنة من حكمه. وهذا، أخيراً، جنرال متقاعد يمثل أمام محكمة مدنية، في عهد خصمه نواز شريف؛ الذي كان الجنرال قد تعشّى به، بعد أن ظنّ الأخير ـ وكان رئيساً للوزراء يومذاك أيضاً ـ أنه يستطيع تناول العسكر لقمة سائغة على مائدة الغداء!
ولقد تبيّن سريعاً أنّ الجيش منحاز إلى العشاء العسكري أكثر من الغداء المدني، وأنّ المؤسسة الأمنية (هذه التي اعتمد عليها شريف في قمع الصحافة والأحزاب المعارضة والشارع العريض، وكانت بمثابة سيف مسلط على عنق المؤسسات المدنية)، ليست قادرة على تنفيذ مناورة مضادّة لهجوم الجيش. وهكذا وجد الجنرال ضياء الدين بوط (رئيس الاستخبارات آنذاك، والفرس التي راهن عليها شريف) أنه تحت الإقامة الجبرية أسوة بسيّده رئيس الوزراء، ولم تتحرّك مفرزة واحدة من آلاف مفارز الأمن الموضوعة تحت تصرّفه. تلك كانت تقنيات تنفيذ سلسة، من النوع الذي يفضّله ضباط وكالة الاستخبارات الأمريكية المختصون بهندسة الانقلابات في العالم الثالث، إذْ لم تُطلق طلقة واحدة دفاعاً عن حكومة شريف.
من جانب آخر، كانت مفردات «السياسة» التي استخدمها العسكر ناجمة عن حقيقة كراهية الشارع لحكومة شريف، إلى جانب عشرات الحقائق الأخرى ذات الصلة بالفساد والتقصير والتسلّط والمحسوبية العائلية والقبائلية؛ فضلاً عن حقيقة كبرى، بدت حديثة العهد يومذاك، هي تعريض المؤسسة العسكرية (وربما الوجدان الباكستاني القومي والشعبوي بصفة عامّة) إلى مهانة انسحاب الجيش والميليشيات من سفوح هيملايا لصالح الهند… تحت ضغط أمريكي! وكان طبيعياً أن تهيمن البساطة ذاتها على خطاب مشرّف حين استتبع الانقلاب العسكري بما لزمه من تتمات مدنية ودستورية: حلّ البرلمان ومجلس الشيوخ والمجالس المحلية، إعفاء الرئيس محمد رفيق ترار من مهامّه (بطريقة تخلو تماماً من اللياقة واللباقة!)، وتنصيب الجنرال نفسه رئيساً وقائداً للجيش وزعيماً مطلق الصلاحيات، قبل استفتاء الشعب على بقائه رئيساً للبلاد بصلاحيات خرافية.
وتلك كانت «سياسة» العسكر، التي يمكن أن تكون بسيطة المفردات وشديدة الترهيب في آن، الأمر الذي مارسه الجنرال مشّرف في كلمته المتلفزة الأولى بعد الانقلاب، حين اتهم رئيس الوزراء بتخريب استقرار البلاد. وفي بلد مثل الباكستان عاش 25 سنة تحت حكم العسكر (قرابة نصف سنوات التجربة الديمقراطية منذ الاستقلال)، لا يجادل اثنان في أنّ العبث باستقرار الجيش هو عبث باستقرار البلاد بأسرها، فكيف إذا كانت البلاد غير مستقرّة أصلاً. وهذه هي سياسة العسكر التبسيطية والمبسطة، والتي تقول اليوم إنّ الجنرال مشرّف سوف يعيد السلطة إلى الشعب، فتبدو وكأنها مجرّد ترجيع فيزيائي طبق الأصل لما قاله دكتاتور الباكستان السابق الجنرال ضياء الحقّ: إنه سيمكث سنة واحدة فقط، فبقي ممسكاً بجميع أعنّة السلطة طيلة أحد عشر عاماً!
واليوم، في ضوء قرار البرلمان الباكستاني غير الملزم بشأن عدم الانخراط العسكري في عمليات «عاصفة الحزم»، ليس مستبعداً أن تنقلب حال الشدّ والجذب القديمة، بين إسلام آباد (حيث البرلمان) وروالبندي (حيث مقارّ العسكر والاستخبارات)؛ إلى حال من التوافق على عدم تعريض الجيش الباكستاني إلى مهانة أخرى جديدة، تذكّر بمهانة الانسحاب من هيملايا. وليس تطوراً غير وارد، أيضاً، أن يكون هذا المآل حاضنة جديدة لاستيلاد «سياسة» جديدة، توحّد العسكر والبرلمان في مواجهة شريف، ومجموع الأحزاب المتحالفة معه، الراغبة في الانضمام عسكرياً إلى «عاصفة الحزم». ففي نهاية المطاف، كانت السعودية مقرّ إقامة شريف طيلة سنوات منفاه بعد انقلاب مشرّف؛ وفي آذار (مارس) الماضي، قدّمت السعودية هبة مالية للباكستان، بقيمة 1,5 مليار دولار!
أهمّ من هذه الاعتبارات أنّ «جماعة الدعوة»، المجموعة الإسلامية ذات النفوذ الواسع في أوساط الإسلام الشعبي الباكستاني، هي التي تتبنى اليوم مطلب المشاركة العسكرية في «عاصفة الحزم»؛ تماماً ــ ولا مفارقة في هذا، البتة! ـ على غرار مبدأ «حزب الله» في تبرير القتال إلى جانب نظام الأسد: مقابل حماية مقام السيدة زينب في سوريا، ترفع «جماعة الدعوة» شعار حماية الكعبة وقبر الرسول. وهنا، قبل البرلمان الباكستاني، تستقرّ بيضة القبان… أغلب الظنّ!
٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
صبحي حديدي