البترون لؤلؤة فريدة على خدّ الساحل اللبناني

حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي»: مما لا شكّ فيه أنّ مدينة البترون اللبنانيّة تبقى على الدوام نافذة مشّرعة على الحقب التاريخيّة الغابرة التي طبعت تاريخها الأثرّي الغنيّ بالحضارات الفينيقيّة والرومانيّة، وهذه معطيات دامغة تؤّكد عراقة المدينة التاريخيّة التي تعّد من أقدم المدن اللبنانيّة وتعتبر معلماً سياحيّاً مهمّاً في لبنان اذ يقصدها عشرات الآلاف من السيّاح من مختلف أنحاء العالم للإطلاع على فرادتها التاريخية والأثريّة والتمتّع بمعالمها السياحيّة.
ومن يقصد مدينة البترون لا يمكن إلاّ ان تطالعه وتسحره عظمة هذه المدينة الحافلة بالآثار العريقة من السور الفينيقي الضخم على الشاطئ الذي هو من الكثبان الرمليّة التي تحجّرت في الطور الجيولوجي الرابع والى جانب هذا السور يوجد «مقعد المير» وهو عبارة عن صخرة مجّوفة يرّجح انها كانت مقعداً للحاكم في الحقبة الفينيقيّة، وهناك قلعة البترون الأثرية التي كانت عرضة للزلزال في العام 551 وأعاد الأهالي تأهليها، فضلاً عن المدرج الروماني المحفور في الصخر وهو فريد من نوعه في العالم ناهيك عن كاتدرائيّة مار اسطفان الأثريّة التي تمــتاز بطـــرازها المعماري الذي يجمع بين الـــطــراز الــبــيزنطي والروماني وشيّدها المهندس الايطالي (Juiseppe Maggiore) وكنيسة مارجرجس الأثرية.
ومن الآثار العديدة والفريدة التي تطالع السائح في مدينة البترون أيضاً، النفق القديم المعروف بنفق «سان لويس» والذي يؤّكد الأدلاء السياحيون انه كان يستــعمل كمــخزن للمواد المستوردة آنذاك من أوروبا، هذا من دون إغفال النواويس والأضرحة التي تعود الى العهد الروماني.
وتحتضن المدينة معالم تاريخيّة وآثاراً لحضارات متعاقبة في مراحل مختلفة من تاريخ لبنان وهي تشهد حالياً ازدهاراً اقتصاديّاً وسياحيّاً نظراً لغناها التراثي العريق ولأسواقها ومقاهيها وفنادقها التي باتت قبلة أنظار السيّاح والزوار حيث يتواعدون على الإلتقاء في مطاعمها التي تستهوي اذواق الفئات العمرية المختلفة لما تقّدمه من أصناف منوّعة من الأطباق المكسيكية الى الفرنسية والايطالية وتحتدم المنافسة بين هذه المطاعم لتقديم أشهى والّذ الأطباق والبرامج الاسبوعية إضافة الى التسوّق والأماكن التي يقصدها عشّاق السهر.

السوق المبني بالحجر البتروني

يجعله أحد أجمل

الأسواق في لبنان

والبترون تشتهر بصناعة الليمونادة نظراً لإنتشار بساتين الحمضيات فيها وتمتاز أيضاً بشوارعها القديمة التي تكون السوق الحالي المبني بالحجر البتروني الرملي والعقود المتصالبة ّ والسريرية، والتي جعلت منه أحد أجمل الأسواق في لبنان وقد بني بأموال الطبقة ّ البورجوازية من ّ التجار والصناعيين. وما زالت بعض الحرف القديمة موجودة في هذا السوق كالخياطة والسكافة والحدادة.
ولا يمكن للزائر أو السائح أن يغفل عن بحر البترون الذي تتكسّر على رماله الأمواج العاتيّة. هذا البحر الذي يمتاز بنظافته وشاطئه الرمليّ الساحر وهو الذي يعجب ويستمتع به كلّ من يزوره، كيف لا والمدينة أطلق عليها اسم»لؤلؤة البحار» نظراً لسحر شاطئها الذي بات مقصّدًا صيفيّا لجميع عشّاق البحر والسباحة حيث يأتونه من كلّ حدب وصوب للاستمتاع والاستجمام بالسباحة والغوص وممارسة أنواع الرياضات البحرية من ركوب اللوح الشراعي الى لوح التجذيف فضلاً عن التمتّع بمشاهدة المغيب مساء والاستفادة من منتجعاته السياحيّة الفخمة المزروعة على طول الشاطئ الذهبيّ.
وتستوقف الزوّار أيضاً مشاهد اللوحات الطبيعية الفريدة من نوعها والتي هي جّنات على «مدّ العين والنظر» في منطقة جرد البترون وهي مميّزة للغاية وغنيّة بطبيعتها السياحية البيئيّة الخلاّبة التي تضّطلع بها ولاسيّما منها «بالوع بلعا»ومحمية «أرز تنورين» و»شلالات كفرحلدا» السياحية التي تستهوي السائح بمشاهدة رونقها الطبيعي.

البقايا الصّوانيّة تثبت

أن الإنسان سكنها منذ العصر

الحجري القديم الأوسط

ولمن يرغب في التعرف أكثر وأكثر على تاريخ مدينة البترون وعلى جغرافيتها نورد المعلومات التالية عنها:
تقع المدينة في محافظة الشمال على الساحل اللبناني على بعد 54 كيلومتراً من العاصمة بيروت ويحّدها شاطىء البحر الأبيض المتوسط من جهة الغرب وبلدة عبرين من الناحية الشرقيّة وسلعاتا وجبل حامات من الشمال وبلدة كفرعبيدا من الجنوب، ويجد أصحاب الشأن صعوبة في تحديد تاريخ تأسيس المدينة في الألف الثالث قبل الميلاد على الرغم من تمّكن علماء الآثار من العثور على بعض البقايا الصّوانيّة التي تثبت أن الإنسان سكن في محيط المدينة منذ العصر الحجري القديم الأوسط حتى عصر البرونز القديم.
أمّا النصوص التي تأتي على ذكر البترون فهي المعروفة برسائل تل العمارنة التي كان يرسلها ملوك الدويلات الكنعانيّة ومجالسها الى الفرعونين «أمنحوتب الثالث» و»أمنحوتب الرابع- إخناتون» طلباً للمساعدة وإتقّاء شرّ هجمات الأموريين، وفي هذا السياق علم أنه تمّ ذكر البترون فيها بصيغة «بطرونا» حوالي العشر مّرات. وتفيد المعلومات أيضاً أنه من بين هذه الرسائل تلك التي ارسلها قائمقام جبيل «ربّ عديّ»التي كانت البترون تعتبر جزءاً من إقطاعه وأمضى فيها وقتاً طويلا.
ومدينة البترون كان دورها متواضعاً في أحداث الألف الأولى فلم يرد اسم «بيترومي» الاّ مرّة واحدة في حوليّة الملك الآشوري اسرحدّ، ومن بين أسماء المدن الفينيقيّة التي أخضعها في أثناء حملته على صيدا سنة 677 ق.م. وتفيد المعلومات التاريخيّة أنّه ورد ذكر البترون في العصر المتأغرق في سياق سرد أخبار الحرب التي نشبت بين عامي 223 و217 ق.م. بين خليفتي الإسكندر، بطليموس الرابع محب أبيه ملك مصر وأنطيوخوس الثالث ملك سوريا. وعندما عمّت الفوضى في أواخر عهد السلالة السلوقيّة، انتهز العرب الإيطوريون الفرصة واقتطعوا لهم مناطق نفوذ في سهل البقاع وسيطروا على معظم الطرقات والممرّات التي كانت تصل البقاع بالساحل المتوسطي، وجعلوا من مدينة خلقيس في السلسلة الشرقيّة شرقي بعلبك عاصمةً سياسيّةً لهم فيما كان ملوكهم يُمسكون برئاسة الكهنوت البعلبكّي واجتازوا جبال لبنان ووصلوا إلى البحر وأقاموا لهم قلاعاً من بينها البترون، إذ كانوا ينطلقون منها في غزواتهم على مدن الساحل، وعندما احتلّ القائد الروماني بومبيوس المنطقة عام 63-64 وأعدم متسلّطي طرابلس وجبيل، أعاد تنظيمها وسلخ البترون عن الإمارة الإيطوريّة.
في عهد الإمبراطوريّة الرومانيّة لم تأت المصادر على ذكر البترون التي بات اسمها «بوتريس» أي عنقود العنب وللترويج لهذه التسميّة الجديدة تمّ نُقش عنقود العنب ورموز أخرى لها علاقة بالعنب والخمرة على نقود المدينة للدلالة عليها.
وفي السرد التاريخي لمدينة البترون، أفيد أنه في أيّام الفترة الساويريّة بوشر العمل في بناء مسرح صغير ما زالت آثار مدرّجه المحفورة في صخور تلّة مشرفة على المدينة من جهة الشرق في محلّة مراح الشيخ تدلّ على عدم إنجاز العمل فيه، أمّا في العصر البيزنطي فقد كانت البترون مركزاً أسقفياً تابعاً لمطرانية صور عاصمة ولاية فينيقيا الأولى. ومن المعالم التاريخيّة في البترون والتي لا تزال ماثلة الى أيامنا هذه، جدار البحر الشهير ومرفأ البترون فضلاً عن إنشاء قلعة المسيلحة التي أقيمت عليها في بعض الأحيان تجهيزات عسكريّة مهّمتها مراقبة قوافل العابرين، وتعتبر من المعالم الأثريّة المهمة في لبنان ويتجاوز ارتفاعها الـ50 متراً ومساحتها تبلغ نحو 500 م وهي مكونة من ثلاث طبقات، ويقدّر أن البناء تمّ على مرحلتين استناداً الى تكوينها وقد عرفها اللبنانيون من خلال طبع صورتها على العملة اللبنانيّة على ورقة الـ25 ليرة والتي لم تعد قيد التداول حالياً.

مهرجانات الصيف

على مسرح السور الفينيقي

وسنويّاً تخصّص مدينة البترون شهر آب/اغسطس لإقامة أضخم وأوسع المهرجانات على مسرح السور الفينيقي الذي يعود تاريخه الى 800 سنة وعلى المدرج الروماني الذي يستوعب حوالي 3000 آلاف شخص وذلك لتنشيط الحركة السياحيّة والموسم الصيفيّ.
والى المهرجانات السياحية التي تستقطب العديد من السيّاح العرب والأجانب ومحبي السهر من اللبنانيين، فإن البترون تفتح أبوابها كل أيام الآحاد من شهر آب/اغسطس أمام الزوار للتجول في أزقّة المدينة والقيام برفقة مرشد سياحي بجولة على المدرج الروماني حيث يتناول الجميع «ترويقة» مجانية، وتتضمّن الجولة السياحية وقفات مع ليمونادة أو قهوة بحسب ما يختار الزائر، كما يمكنه ان يختار الإنضمام الى فريق في البحر ليشاهد المدينة من هناك، وبعد الظهر يتوجه الجميع الى البحر حيث يسبحون ويمارسون رياضات مائية ويشاهدون بين الـ7 و8 مساء مغيب الشمس مع سماع موسيقى كلاسيكية.
ويفتخر أهالي البترون بمدينتهم التي يقولون عنها ليس البحر النظيف هو الدافع الوحيد لزيارة هذه المدينة، بل الأسواق التي تشرّع أبوابها ومنها سوق الطيب والأسواق القديمة التي كانت مغلقة وأعيد فتحها بعد ترميمها.
ويذهب البعض الى حد تشبيه البترون بـ «سوليدير» الشمال لما تشهد من حياة ليلية وصخب، ولما تضيء ليلاً كلؤلؤة يشعّ منها النور، ولما تنبض به أرصفتها من كثرة الحيوية، وما تعجّ به أماكنها بالساهرين الذين يتراقصون على انغام الموسيقى الصاخبة تارة والهادئة تارة أخرى وسط أجواء من الحماسة.
والحركة التي تعيشها المطاعم والملاهي في عطلة الأسبوع في البترون تنعكس على الفنادق التي يعمد كثيرون من السياح والمغتربين الى حجز غرف لهم للإقامة فيها أثناء وجودهم في المنطقة. وقد تمّ افتتاح عدد من الفنادق الفخمة في المنطقة وأماكن الترفيه والسباحة. كل هذه العوامل جعلت الحركة الاقتصادية في البترون ناشطة جداً، ما إنعكس ايجاباً على الكثير من القطاعات، إذ زادت فرص العمل وانطلقت الدورة الاقتصادية جراء الأموال التي توظّف في المدينة الساحلية. وبعد ترميم الأبنية الأثرية القديمة من أجل استثمارها زادت بدلات الإيجار بحسب سكان المدينة ما انعكس ايجاباً على مالك العقار وايرادات البلدية التي تمنح رخصاً للترميم ورخصاً استثمارية مع زيادة القيمة التأجيرية للابنية وبالتالي زيادة إيرادات الدولة. لكن على الرغم من حركة الإستثمار في المؤسسات والمصارف فإن أسعار العقارات وإن إرتفعت تبقى مقبولة نسبياً مقارنة بغيرها من المناطق ما يشجع المستثمر على شراء قطعة أرض لإقامة مشروع سياحي.
قد يكون في قراءة كتب التاريخ وإستذكار الآثار مصدر غنى للمعلومات وإحياء الذاكرة، وبالتأكيد إن الإطلاع على تاريخ البترون وتراثها وأجواء السهر والمهرجانات فيها سيغني الذاكرة والمعلومات ويفتح الآفاق على مدينة ساحلية لا تبعد أكثر من بضعة كيلومترات عن مدينة جبيل التي عرفت عبر التاريخ ببيبلوس والتي صُنّفت أخيراً كاقدم مدينة في العالم، ولا شك أن البترون جارة جبيل لا تقل أهمية عن بيبلوس.

ناديا الياس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية