لو أنّي أبدأ حصّتي الأسبوعية بأن أقول حين تعرض على الشاشة صورة بحر في حالة زجر:
أرأيتم الرّمل الذي يتشرَّبُ الماءَ؟ ..أرأيتُمُ المَاءَ الذي يتسرّبُ في الرمل ؟.. مَنْ يُهيمنُ على مَنْ: الرمل الذي يريد أن يقضي على جبروت الماء وطوفانه أم الماء الذي يريد أن يجعل الرمل سابحا سائحا لا قرار له؟ هكذا الصراع في الدنيا بين الذوات المهيمنة.
أمّا الذوات التي لا ترى في الطبيعة إلا الانسجام فإنّها سترى في التّشرّب وفي التّسرّب بحثا عن التعايش؛ فحتى إن غمرت المياه الرمل فإنّها لن تفتّته وحتّى إنْ ذاب الماء في الرمل فإنّ له مع التبخر فرصة ليتشكّل من جديد ..
ضربة عنيفة من الموج على صخرة عاتية.. رذاذ البحر ذغدغني ..غاصت في الرّمل المبتلّ أصابع.. عاجية .. ماذا يهمّ العاج إن كان يعلم أو لا يعلم أنّ له قصّة نشوئيّة مع الكريستال.. قلت لها وكانت لا تخفي من عاجها إلا قطعا ثمينة ..صباحك زمرّد وياقوت .. ابتسمت ولوّحت بأنامل ملائكيّة .. تابعت سيرها وهي تراني أغرق في أوراقي من جديد..
البحر ههنا شيء آخر .. نسمَات عبِقات تأتيك من جبل التفاح الأصفر المتوسّط .. أرأيتم هذا البحر؟ وراءه بحار خلفها من ناحية الشمال جبال الشّيح والصّعتر والصنوبر والفلّين والزعرور .. تلك بلاد التفاح الأحمر المتوسّط.
اللعنة هذه الجملة أيضا لا تستقيم قد لا يرضيها أن أذكّرها بأصْلهَا الجبليّ.. امرأة مثلها متمدّنة رقيقة حضرية إلى النّخاع قد لا يحلو لها اليوم ريح الصّعتر.
هجم البحر عليّ كأنّه يثور غيرة من جبل التفّاح الأخضر المتوسّط.. صرخت سائحة بجانبي: أرأيت لقد ابتلّت أوراقك .. وأوراقي .. يبدو أنّ هذا البحر لا يحبّ كتابة إلاّ بمداده.. ابتسمت لها لأنّي حقّا لم أعرف ما أقول لها.. ظنّت هي أنّي لم أفهمها .. أين أنت يا أمّي الآن؟ كنت تقولين لي دائما السائحات دائمًا جميلات .. وكان أبي الذي يبيع الياسمين أيّام الصيف يمازحها ويقول: والسّائحون أيضا جميلون إنّهم مَنْ يشترون منّي ويهدون.. مرّ إلى جانبي في العقد الأوّل من عمره صبيٌّ زكيّ المنظر يحمل عقودا من الياسمين ناديته واقتنيت منه طوقا.. أراد أن يضعه في عنقي: مرّرت يدي على لحيتي فابتسم وأشرت إليها .. وضع الطوق في مرمرها وأشار إليّ .. حيّتني وقد كانت تجلس على كرسّي سريريّ مخمليّ .. حيّيتها وأنا على كرسيّي الخشبيّ القابل للطيّ ملوّحا لها بقبلة .. استقلبتْها وخبّأتها في وردة من وردات الطوق المتفتّحة.. وعدت عندها إلى أوراقي المبتلّة.
سأقول قبل أن أقدّمها لمنتظري إطلالتها:
في تلك اللحظة كنتُ بمفردي أنَا وأنت ولمّا وقف الطريق ونحن نمشي تركنا قدمينا عالقة وطرْنا.. في تلك اللحظة كنت وحدي أنا وأنت… لكنْ سيفهم هذا الكلام على أنّه عشق بشري أو صوفيّ .. ما لنا ولهذا.. لكن لم لا أجرّب وقع هذا الكلام على ملاك زبرجدي أنثوي آخر.. كانت تجري تمارس رياضة العبور على الماء دون أن تبتلّ .. ناديتها فلبّت بلا عُقد وكلمتني بلا عِقْد سابق. قالت: يبدو أنّك كاتب.. ما رأيكَ لو تكتبني؟ قلت لها: .. حين أكون وحدي أنا وأنت .. ابتسمت وقالت: إن كنت تتقن الوحدة فلمَ ناديْتني؟ ابتسمتْ وأشارت باتّجاه النزل: مساء نلتقي .. هذا المساء سأكون على الهواء مباشرة .. سأكون واقعيّا وبسيطا سأقول: في بلادي أيّام زمَان عبارات عبقة: هم مثلا يسمّون الجمال «سرّا»: تصوّروا صاحبة جَمال تكْتُم سرّها ولا تذيعه إلاّ حَرفًا حرْفا .. ستظلّ جميلة عبر السنين وكلّما كان سرّها محفوظا كان جمالها حاضرا أبدا.. امرأة كهذه ستعرف ما معنى أن تكتم الأسرار وأن تلاعب الدرّ والمحار. أقدّم تحت تصفيقكم: صاحبة السرّ والجمال .. توقفت عن الكلام حين وقفت بين يديّ جميلة بحريّة تتسمّع كلماتي .. مددت إليها يدي أجلستها إلى جانبي لم تقل شيئا .. قلت لها: أنا أصنع بروفة لتقديم شخص عزيز عليّ إلى أعضاء نادي الزمرّد ..هل عرفته؟ لعلّك من متابعيه.. أنا من سيقدّم الحصّة الليلة .. مددت لها يدي ..تركتني وهي تتمتم كنت أعتقد أنّي أنا الزمرّدة.
علت موجة وضربت الصخرة من جديد .. وصلني رذاذ أكثر .. غاص الكرسي في الرمل أكثر .. حين رأيته غصت بالكرسيّ أكثر .. كان يحمل سلاحًا .. سقط القلم من يدي .. سقط الكرسيّ .. رذاذ الصخرة يتطاير من حولي .. الشظايا في كل مكان .. النّار في كل مكان…. لم أفكّر حتّى في الاختفاء… النار مفتوحة على البحر لا مراكب فأنجو .. الماءَ الماءَ .. حتى الجزر تجمّد في عيني.
في تلكم الليلة رأيتني ضيفا في الجهاز .. كان ينبغي أن أكون أنا من يقدّم ملكة للجمال .. أن أقدّم جوهرة .. أسئلة كثيرة.. رفعت يدي بعلامة النّصر وبكيت .. قلت: ما أربكني أنّ الرذاذ صار نارا والزمرّدة بندقيّة ونسيم البحر عبوة ناسفة.. عرضوا صورا لرجل قالوا إنّه يلبس تبّانا.. وكراسيّ منثورة وبقايا عاج وماس وزمرّد وكلمات على الرمل منثورة ورأيت بعضا من أوراق: بروفتي الأخيرة ماتت على النفاس.. رأيتني هناك مُسَجّى على الرمل ورجل يضع على جثماني شيئا من الياسمين .. أنا لم أكن بعيدا كنت هناك .. أسمع وأشتم وأتكلم.. لكن ما كان لأحد أن يراني .. كيف سيراني وأنا ههنا روح والمسجّى هناك جسدي.
كاتب من تونس
توفيق قريرة