تنتعش صحافة المواطن اليوم بكثافة عزّ نظيرها في دول الخليج العربي باتجاه البحث عن الثقوب في فاكهة البطيخ المستوردة من إيران، فبعد تقرير تلفزيوني عرضته قناة «الجزيرة»، تحدث عن خشية أن تلك الثقوب ما هي إلا دليل على حقن البطيخ الإيراني بمواد ضارة، تلاحقت فيديوهات لمواطنين في الإمارات والكويت وقطر، وأخيراً في السعودية، لمواطنين يحددون مواقعهم، في أي مدينة، وفي أي سوق، بالإضافة إلى تاريخ الواقعة، ثم يعرضون سلع البطيخ المثقبة.
يبدو الأمر وكأنه بداية مقاطعة للبضائع الإيرانية، مقاطعة تبحث عن ذرائع غير سياسية، خصوصاً أن الحديث بدأ يجري عن مدى سلامة سلع الفاكهة المستوردة من إيران. اللافت هو الإستجابة الشعبية مع كاميرا جاهزة للتجول في السوق وللنشر عبر الـ»يوتيوب». وليس من المستبعد أن تتوسع الحملة لتصل إلى عموم البضائع المستوردة من إيران.
شيء ما يذكر بتلك الحرب «الثقافية» التي جرت بين الولايات المتحدة وفرنسا إثر خلاف البلدين بعد حرب العراق العام 2003، وكيف حاول الأمريكيون إلغاء إسم «الفرنش فرايز» الذي يعطي إنطباعاً بأن البطاطا المقلية من أصول فرنسية، وكيف حاولوا التخلي عن بضائع فرنسية كانت تروق لهم في السابق، مثل النبيذ الفرنسي.
من سوء حظ السلع الإيرانية أن للبطيخ بالذات نكهة كوميدية في المخيلة الشعبية العربية، وهو يتيح إمكانيات واسعة لعناوين حملات دعائية خفيفة الظل يمكن أن تنتشر بسرعة، من قبيل «بلا استيراد بلا بطيخ».
باولا يعقوبيان في الفخ
لا يبدو أن منتقدي باولا يعقوبيان، مقدمة البرامج السياسية على شاشة «المستقبل» اللبنانية، تسامحوا معها، حتى بعد اعتذارها الصريح عن جوابها على سؤال «بين أردوغان والأسد، من تختارين؟»، وهي اختارت بشار الأسد من غير تردد. ربما جاء عدم التسامح بسبب نقاشها الذي يثبت أن موقفها لم يكن مجرد زلة لسان، بل نابع من موقفها كأرمينية تجاه كل ما هو تركي، الأمر الذي يجعلها عرضة لإنتقاد أشد، أي أن يأتي موقفها متناغماً مع موقف عصبي ضيق، لا إنطلاقاً من نقاش مقنع.
يعقوبيان، في لقائها ذاك لقناة «او تي في»، حيث كانت في موقع الضيفة لا المذيعة هذه المرة، طالبت الأرمن أن يكونوا على الحياد بخصوص المسألة السورية، فهي ترى أن «الكل عم يتاجر بالناس، وعم يتاجر بالدم».
مذيعة «المستقبل» وقعت في فخ التلفزيون العوني (قناة «أو تي في» ناطقة باسم تيار ميشيل عون) وهي المتمرسة في تقديم برنامج سياسي. زلقت، فحاولت الإستدراك بالقول «كان لازم قول ما بدي فضّل مجرم ع آخر! خانتني البديهة وتسرعت». غير أن الناس تتذكر دائماً الصفعة الأولى، تلك التي يصعب إمّحاء أثرها.
مصر تفتخر بعروبتها
ما زال إعلام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يعتذر ويعيد بعد التسريب الشهير بخصوص دول الخليج، الذي رأى فيها مجرد «فلوس زي الرز» وكفى. بعد توضيحات سياسية تولى الإعلام والمؤسسات الثقافية أمر الترميم. بات الفيديو الشهير، المسمى أوبريت «مصر قريّبة» عنواناً لمرحلة ولخطط في الاقتصاد والسياحة.
في السياق ذاته نحن أمام تكريمات وشهادات دكتوراه بالجملة لفناني الخليج، حيث منحت «أكاديمية الفنون المصرية» درجة الدكتوراه الفخرية للفنان الإماراتي حسين الجسمي، والكويتي عبد الله الرويشد، والسعودي عبادى الجوهر، وذلك في احتفالية كبرى أقيمت تحت عنوان «مصر تفتخر بعروبتها».
إنه أمر رائع طبعا أن تفتخر مصر بعروبتها، ولكن ألا تشمل «عروبتها» فنانين آخرين عرباً إلى جانب فناني الخليج؟ خصوصاً من دول عربية لا تلوي على «فلوس زي الرز» إنما لديها من الفن والفنانين ما يستحق التفاتة من الأخ المصري الأكبر؟ التفاتة ليست بحجم شهادة دكتوراة، بل بحجم فيزا سياحية لأم الدنيا؟!
الموسيقى تقاوم
أكثر من خمسة وأربعين ألف مشاهدة حظي بها فيديو عازف التشيلو العراقي كريم وصفي على «يوتيوب» وهو يعزف متحدياً في مكان انفجار سيارة مفخخة في بغداد. التشيلو عزف في مكان متفحم، في شارع لم يلحق أن يتخلص تماماً من مخلفات الإنفجار، وفوق ذلك لم يجد عدداً كبيراً من المارة ليتحلّقوا حوله.
الفيديو يعيد إلى الأذهان مقاطع فيديو عديدة لموسيقى عزفت في الشارع فباتت مثالاً ولا أجمل لفنون الأداء الراقية تذهب إلى الناس، حيث هم، خصوصاً حين جرى تسجيل إستجابات الناس العفوية لتصبح هي الحدث.
هنا لا إستجابات تذكر، من بعيد فقط راح البعض يراقب.لا ندري أي مصادفة تلك التي دفعت شاباً وحيداً على كرسي الإعاقة ليتجرأ على الإقتراب من التشيلو، كما لو أنه جزء من الأوركسترا.
عازف تشيلو وحيد، في أرض متفحمة، إنها بطولة الموسيقى تحفر إسمها بقوة في هذه البلاد الحزينة، تماماً كما يفعل بيانو مخيم اليرموك الفلسطيني في دمشق. موسيقى تحاول أن تؤدي واجبها في أن تمنع السماء من السقوط على رؤوس الناس.
ما يحق لأليسا
سقط حرف الطاء من أغنية المطربة اللبنانية أليسا «موطني» فقامت الدنيا ولم تقعد حتى الساعة. تحول الطاء إلى تاء في لغة المغنية الرقيقة حين لفظتْها «موتني» فقامت قيامة الممانعة، وهم كانوا أغلب مهاجميها.
لم يعرف عن المغنية اللبنانية التزامها بالأغنية السياسية، ولكن كثيراً ما جرى الحديث عن مواقفها، خصوصاً تضامنها الصريح مع ثورة الشعب السوري. ليست مغنية سياسية أليسا، ولذلك لم يكن مستغرباً أن تغني قصيدة الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان، كما لو أنها تؤدي أغنية عاطفية. إنها رؤية الملحن على أي حال.
لكن هل يستحق حرف الطاء هذه الضجة؟ وهل هو المعضلة حقاً، أم أنه مجرد ذريعة للهجوم على مغنية تقف في غير خندق الممانعة. ماذا لو وجدنا من يقول كل تلك الحروف بشكل مضبوط تماماً، لكنه ضالع في الجريمة والقتل؟ يقول المثل الشعبي «إقعد أعوج وإحكِ جالس»، وقالت العرب «يحق للشاعر ما لا يحق لغيره». ربما يصح القول أيضاً: يحق لصاحب ضمير مثل أليسا أن يرقّق حرفاً ما دام ينصر قضية، عادلة طبعاً.
كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى