أكتب هذا المقال وأقرّ مسبقاً بالجهل الذي دفعني للكتابة حول الموضوع. فإنه أمر يستدعي البحث أن يكون بعض منا قد مرّ بمكان طالباً ومدرّساً وهو ما يزال يتحرّك فيه كسائح في بلد أَلفَهُ، وما يزال يبحث عن دليل يوثّق لأهمّ الأحداث التي دارت فيه، فلا يجد شيئاً سوى ما يتداوله شفوياً بعض من مرّوا به عبر التاريخ، تداولاً يشبه أغنية فلكلورية ضاع معظمها فتعكّر مضمونها.
حدثان لا يمكن فصلهما عن الموضوع. الأول النتيجة الكارثية (التي وصفها البعض بالـ»فضيحة المدويّة») للامتحان التنافسي للمعلمين، إذ كشفت عن المستوى العلمي المتدني جداً لخريجي الجامعات. والثاني استمرار منع رواية أيمن العتوم «حديث الجنود» لأنّها تتناول أحداث جامعة اليرموك عام 1986 وما جرى فيها من اعتداء منظّم على الطلاب من قبل قوات الأمن.
نتيجة الامتحان تفضي إلى التساؤل الحتمي: «كيف وصلنا إلى هنا»، ومعظم ما يُكتب عن أسباب انهيار التعليم يتجاهل علاقة النظام السياسي بالبنية الإداريّة للجامعات عبر تاريخها بفتراته الجيّدة والسيئة، فيضيع سؤال المسؤولية بشقّها السياسي. أما الإقبال الكثيف في الأردن على الرواية الممنوعة فيفضي إلى تساؤل تكرر بوضوح في تعليقات القراء من الشباب: «لماذا لم نكن نعرف شيئاً عن هذه الأحداث».
استدعت رواية العتوم عند بعض مراجعيها انتفاضة عام 1978 في الجامعة الأردنية، وهي التي تعاني كتماناً طال أمده، ولم يكتب عنها أحد بطريقة توثيقية، ولم يخرج بعد أحد ليقول إنه كتب. إن معظم خريجي الجامعة من الشباب لا يكادون يعرفون شيئاً عن التاريخ السياسي والفكري والاجتماعي للمؤسسة، وهو التاريخ الذي يرتبط بتاريخ الدولة بشكل مباشر، إلا إذا كانوا على علاقة ما، عائلية أو حزبية أو أكاديمية، بشخوص المراحل الضبابية في ذلك التاريخ.
في حالتي العلاقة عائلية في الغالب وتغطي فترة الستينيات أو «الزمن الجميل». في ذهني صور مبعثرة عن جامعة تأسست بعدد قليل من الطلاب، مدّ ناصري وليبرالي، قصص ما يزال يتناقلها الخريجون عن مستوى الحرية والتعليم، تساءلتُ مراراً إن كان قد رسمها الحنين. صادق جلال العظم يمرّ بالآداب عام 1969 مدرّساً وينشر في العام نفسه كتابه الشهير «نقد الفكر الديني»؛ سامي الدهان يأتي هو الآخر من سوريا ويرفض إكمال تصحيح أي ورقة بعد الخطأ الثالث في قواعد اللغة؛ الفلسفة تدرّس بصرامة وقد رأيت مرّة ملاحظات والدتي في كل صفحة من كتاب ابن رشد «فصل المقال»؛ مجتمع لم ينقسم بعد إقليمياً وجهوياً إذ لم تكن قد نضجت بعد على يد الدولة تقسيمات الأصول والفروع والمنابت؛ الطالبة ريما كمال من نابلس تغني في مدرج سمير الرفاعي في المساء «الأطلال» كاملة فيميل البشر والشجر والحجر على أنغام «هل رأى الحب سكارى»؛ حب ممكن رغم الفوارق الطبقية، قلّصها أكثر ندب مشترك على نكبة 67، وقبلها كانت حراكات طلابية أفضت إلى فصل طلبة بعثيين عام 1965، بينما اعتقل آخرون في العام الذي يليه إثر مظاهرة تندد بالعدوان الإسرائيلي على قرية السموع في الخليل، أفضى إلى استشهاد الطيار الأردني موفق السلطي وبعض رفاقه، فخرج الطلاب في الجامعة بعد تظاهرات في الضفة الغربية محتجين على التقصير الأردني في مواجهة العدوان.
هناك من كتب في الذكرى الخمسين لتأسيس الجامعة عن «تزييف» تاريخ تأسيسها داعيا إلى إعادة الاعتبار لدور المؤسسة العسكرية ولبعض الشخصيات مثل وصفي التل وحابس المجالي. ليس هذا النوع من الكتابة هو المطلوب، فإضافة إلى كونها مشوبة بشيء من الإقليمية ومغازلة السلطة، فهي لا تعاند وجهة النظر الرسمية السائدة حول تاريخ الجامعة كما تدّعي، بل تتواطأ معها على طمس الرواية اليسارية والقومية، إضافة إلى الإسلامية والطلابية بشكل عام إذا كان فيها ما يهدد صورة الدولة عند الأجيال اللاحقة.
تشوشت الدنيا بعد أحداث 1970. وفي عام 1972، أجريت أول انتخابات طلابية في الجامعة الأردنية، وقد ذكر د. موفق محادين في مقال له قبل شهرين أن المنافسة كانت بين القوى اليسارية والقومية من جهة، والإسلامية وأخرى محسوبة على الحكومة من جهة أخرى، وكان الفوز للأولى حتى في كلية الشريعة، كما يقول، «رغم تدخل الدكتور عبد الله عزام» (الذي عمل أستاذاً في الجامعة وكان له دور كبير في نشر الفكر السلفي الجهادي). من غير الواضح (لي) كيف كانت طبيعة الصراع بين الأقطاب المختلفة، فكريا وسياسياً، وكيف أخذت علاقة الإسلاميين بالدولة شكل المد والجزر، ومتى بدأت بالفعل أسلمة التعليم في الأردن في فترة تقارب فيها الإسلاميون من النظام فاختير منهم من يرأس الجامعة ويحول الفلسفة عن متطلباتها لصالح الثقافة الإسلامية، كما تقول الروايات، وكيف أثر ذلك في التعليم في الأردن برمّته إلى اللحظة الحالية، كما تندد بذلك باستمرار وإخلاص الكاتبة زليخة أبو ريشة إحدى خريجات الجامعة الأردنية في الستينيات.
لا بدّ أن يطلّ علينا من يشرح لنا تفاصيل المراحل الغائمة لنفهم كيف تطور المشهد ليصبح الحضور القومي واليساري هامشياً في انتخابات الطلبة (كما هو في الدولة) ويصبح الإسلاميون منافسين للقوى العشائرية المحسوبة غالباً على النظام، خاصة أن ذلك يعكس بوضوح توجهات مؤسسات التعليم في ما وصفتُه مرارا بالتجهيل الممأسَس عبر تعزيز نزعة التقديس. لكل الأيديولوجيات بالطبع مقدساتها وهو ما يقودها دوماً إلى الانهيار البطيء، ولا ينبغي أن تستفرد أي منها في قطاع التعليم، لأن ذلك سيقود إلى انهيار آخر، على أن ذلك لا ينفي ضرورة التعدد في الحياة السياسية والتأريخ له على مستوى الجامعات.
إن ما يقال عن هذه المراحل لا يتجاوز سطوراً في مقال أو كتاب. في كتاب «تاريخ كليه الطب بالجامعة الأردنية» الصادر عام 2013 يفرد د. كامل العجلوني بضع صفحات للحديث عن «الاضطرابات الطلابية»، ذاكرا أن قرار الجامعة عام 1977 برفع الرسوم أفضى إلى «إضراب حام» قررت إثره الجامعة فصل بضعة طلاب من كليتي الطب والتمريض، يذكرهم العجلوني بالأسماء (ومنهم الطبيب المعروف سمير سماوي الذي لا يذكر العجلوني أنه طرد من عمله طبيباً مقيماً في مستشفى الجامعة بناء على توصية الأجهزة الأمنية ولاحقاً منع من السفر والعمل لعشر سنوات). بعد ذلك يشير العجلوني سريعاً إلى أن طلبة التمريض «كانوا في منتهى التنظيم» وقد قابلهم الملك حسين وألغى قراري رفع الرسوم والفصل. وعن أحداث 78 يخصّص العجلوني سطرين ونصف السطر، سطراً للإشارة إلى إضراب عام للطلبة بسبب اجتياح إسرائيل لجزء من جنوب لبنان، وسطراً ونصف السطر عن تفهم رئيس الجامعة د. إسحاق فرحان للموقف وتعامل الجامعة مع الطلبة بـ»ليونة واحترام» من غير مظاهر عنف.
يناقض هذه الرواية ما يصلنا عبر مصادر شحيحة أخرى. قبل فترة وجيزة نشر موقع حبر الإلكتروني الذي يعاني قمعاً مستمرّا من الجهات الرقابية (وإحدى المؤسسات له الصديقة لينة عجيلات التي هي أيضاً من خريجات الجامعة الأردنية)؛ نشر مراجعة لرواية العتوم بقلم محمد عمر جاء في مقدمتها:
«في آذار عام 1978، انتفض طلبة الجامعة الأردنية، استمرت انتفاضتهم أحد عشر يوماً، انتهت بقمع شديد: اعتقالات، ضرب مبرح، تحقيق، فصل كلّي، فصل جزئي، حرمان من المنح…الخ. وقد كنت من ضمن الطلبة المنتفضين ونالني ما نال عشرات الطلبة من الإجراءات القمعية. كانت «انتفاضة» طلبة الجامعة الأردنية المنسية بدأت لإحياء «أيام» سياسية، يحفل بها شهر آذار، وتزامنت مع توقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، لكنها تطورت نحو شعار مطلبي بإعادة إحياء اتحاد الطلبة عوضاً عن «الجمعيات الطلابية» التي فتّتت وحدة الطلبة، وأدت ضمن أسباب أخرى إلى تراجع الأداء الأكاديمي للجامعة، بعد أن لم يعد للطلبة دور فاعل في عملية التعليم. طويت صفحة هذه الانتفاضة، ولم يكتب عنها أحد، ولم يعد يذكرها أحد، مع أن قمعها شكل بداية الانحدار في الوسط الطلابي.»
أما عن 1979 فيذكر العجلوني أنّ الطلاب انتفضوا لأن «الوضع في فلسطين كان سيئاً جدا» من غير ذكر تفاصيل سياسية أخرى، وينتقل للحديث عن إصابة رئيس الجامعة د. ناصر الدين الأسد بالجلطة وزيارة الملك حسين له، وكأن هذه التفاصيل أكثر أهمية من ذكر أسباب الطلاب للانتفاضة. ويذكر أسماء الطلاب الذين فصلوا فصلاً نهائياً من الجامعة وقتها «لقيامهم بأعمال مخالفة لأنظمة الجامعة واشتراكهم بنشاط جماعي أدى إلى الإخلال بأمن الجامعة ونظامها». ومن الأسماء المعروفة ناهض حتر ومحمد طمليه وسعود قبيلات. وقد كتب الراحل الساخر الكبير محمد طمليه كيف اعتُقل بعض الفصل من قبل «رجال ظرفاء» بسبب انتمائه للحزب الشيوعي، وقبيلات أيضاً أشار إلى اعتقاله وسجنه خمس سنوات للسبب نفسه «إثر تظاهرات حاشدة تشرَّفتُ بقيادتها في الجامعة الأردنية ضدّ توقيع اتّفاقيات كامب ديفيد».
العجلوني لا يشير إلى اعتقالات وتدخل أمني، لكنه يسرد كيف طُبّق اقتراحه بفصل جميع طلبة كليّة الطب المضربين، باستثناء طلبة السنة السادسة، ثم فتح المجال لاحقاً لإعادة تسجيلهم شريطة أن يصطحب الطالب ولي أمره ويكتب تعهداً خطياً. يصف العجلوني القرار الذي اقترحه بالـ»حكيم»، ويقول في نهاية الفصل: «لم يشارك بعدها طلبة الطب بأي نشاط إضرابي أو إشكالات أخرى وأصبحت الكلية مثالا في التنظيم وأصبحت علاقة الأساتذة بالطلبة علاقة حميمة».
إن أزمة غياب التأريخ تنطبق على الفترات اللاحقة. نعرف عن مظاهرات في الانتفاضة الأولى، وفترة أواخر الثمانينيات شهدت فكّ الارتباط بين الضفتين وإعلان الاستقلال الفلسطيني في 1988 وهبة نيسان في 1989. وتتداول الروايات الشفوية أنّ الهبّة الخالدة كانت سبباً في أن تجمع المظاهرات بطريقة نادرة كلّ الطلاب، بمن فيهم المحسوبون على الأجهزة الأمنية، الذين انضموا لشباب الأحزاب. ومن الروايات الشفوية أيضاً أن شباباً يساريين تظاهروا في الذكرى الأولى لإعلان الدولة الفلسطينية واعتدي عليهم ونقل بعضهم إلى مستشفى الجامعة، وعندما ذهب الطلاب لزيارة زملائهم حوصروا داخل المستشفى واستدعيت لهم قوات أمنية، فما كان من طاقم الأطباء والممرضين في الطوارئ إلا أن حموا بعضهم بأن أعطوهم أروابا بيضاء وخبؤوهم في غرف الفحص.
يمتدّ التعتيم إلى الوقت الحالي، رغم أنه زمن الإعلام البديل، وهو التعتيم الذي وصفته الكاتبة الصديقة تقوى مساعدة، التي هي أيضاً من خريجات الأردنية بـ»الطبطبة على الدمامل»، وهو عنوان تغطيتها لأحداث الانتخابات انتقدت فيها إصرار إدارة الجامعة «على تقديم الوجه السويسري لانتخابات الطلبة».
هناك، إن أمكن القول، وجه «فرنسي» لبعض الأحداث غير المدوّنة، بالأخص ما كان منها سابقاً لطغيان العشائرية وطرح نفسها كقوة سياسية طغت تحت رعاية الدولة على التجمعات الحزبية (باستثناء الإخوان المسلمين). فمن المعروف أن أيار 1968 الذي بدأ بإضرابات طلابية في فرنسا شكل منعطفا في تاريخها المتاح لكل البشر، بينما ما تزال السلطات الأردنية تمنع «رواية» لشدة خوفها من انتشار الحقيقة. على أن رواية التاريخ لم تعد مقسومة بين رواية موالاة ومعارضة، خاصة لالتحاق الكثير من المناضلين القدامى بتيار السلطة، وليس هذا مقام الإدانة أو التبرير، فالخلاف هو بين رواية سائدة وغير سائدة حول الأحداث، وعلى من شهدها أو عانى منها مسؤولية التوثيق لتاريخه المشرّف. وإذا كان هناك من يرى أن في هذا المقال فجوات تحتاج للإضافة أو التعديل وأمكَنَهُ فعلا ذلك، فقد بلغتُ المقصود، وإلا بقي الخطاب المستخف بالعقول والفضول هو السائد.
«كانت قصة الجامعة وعياً وطنياً»: ورد هذا في كتاب «سيرة ومسيرة» حول تاريخ الجامعة. على أن التأريخ الذي يتجنب ذكر تفاصيل مفصليّة قد يمثل خيانة للـ»وعي الوطني» إذا ما اختُزل برواية السلطة تحت شعار مصلحة الدولة، إذ ليست الدولة دوما الرديف الحرفي للوطن، كما ستقول لغة مستوحاة من تاريخ الانتفاضات والإضرابات الذي يستحق التدوين.
٭ كاتبة اردنية
د. بلقيس الكركي