إن تأسيس أي تحالف يقتضي مشاورات عميقة تضع بين عينيها هدفاً أسمى هو خوض حرب بلا هوادة ضد مرض العصر، الإرهاب. التحالف الإسلامي ضد الإرهاب، بقدر ما هو مهم وضروري للتنصل والانفصال عن حركات أساءت للإسلام والمسلمين، فهو مثير لأسئلة كثيرة تدخل في صميم أهمية هذا التأسيس. فهو مبادرة كبيرة من دول أصبحت اليوم في حاجة ماسة لأخذ زمام مصائرها بأيديها ولا تنتظر قرارات الدول العظمى، مثلما فعلت أوروبا في مواجهتها لجرائم داعش الأخيرة. تنسيقاتها المختلفة سمحت لها بوضع يدها على الإرهابيين ولكن أيضا على اللوجستيك المساعد والأموال المموهة هنا وهناك. أو كما قيل في بيان التأسيس، الإعلان عن تشكيل التحالف الإسلامي العسكري للتصدي للإرهاب «يأتي حرصاً من العالم الاسلامي على محاربة هذا الداء، ولكي يكون شريكاً للعالم كمجموعة دول في محاربته».
ركز البيان على إنشاء قوة إسلامية مشتركة بقيادة العربية السعودية، ومشاركة عدد من الدول العربية والاسلامية. ويأتي تشكيل التحالف الإسلامي ضد الإرهاب، تأكيدًا على مبادئ وأهداف ميثاق منظمة التعاون الإسلامي التي تدعو الدول الأعضاء إلى التعاون لمكافحة الإرهاب. من 57 دولة تشكل منظمة التعاون الإسلامي، وافقت 34 على المشاركة في التحالف: السعودية والأردن والإمارات وباكستان والبحرين وبنغلاديش وبنين وتركيا وتشاد وتوغو وتونس وجيبوتي والسنغال والسودان وسيراليون والصومال والغابون وغينيا وفلسطين وجمهورية القمر الاتحادية وقطر وكوت دي فوار والكويت ولبنان وليبيا والمالديف ومالي وماليزيا ومصر والمغرب وموريتانيا والنيجر ونيجيريا واليمن. بينما غابت 23 دولة هي أذربيجان وأفغانستان وألبانيا وأوزبكستان وأوغندا وإيران وبروناي وبوركينا فاسو وطاجكستان وتركمنستان والجزائر وسوريا وسورينام والعراق سلطنة عُمان وغويانا وغامبيا وغينيا بيساو وقيرقيزيا وكازاخستان والكاميرون وموزمبيق. طبعا أربع دول غيابها يثير الدهشة.
عُمان التي اختارت الحياد وعدم التورط في أي حرب. الجزائر التي كانت أول بلد عربي واجه الإرهاب بقوة على مدار عشر سنوات، ولم ينتصر الا بتضحيات جسام في وقت وقف العرب وكأن الأمر لم يكن يعنيهم. والعراق وسوريا اللتان تعانيان من تمزقات كبيرة لعب ويلعب فيها الإرهاب الدور الحاسم. إضافة إلى إيران التي تشكل قوة جهوية مهمة، مهما كانت الاختلافات معها كبيرة وكثيرة.
لكن فكرة أخذ الثور من قرنيه بدل الهرب إلى الأمام، مسألة مهمة. إثارة مسألة التكتل ضد الإرهاب أمر في غاية الأهمية. يعني ذلك من الناحية الرمزية أن هذه الآفة التي تمس العالم كله اليوم، ومهما كانت التفسيرات والتأويلات، خرجت من صلب المجتمع الإسلامي للأسف، ومن انحرافاته الثقافية والدينية التي تحولت إلى إيديولوجية عدمية لا شيء يشغلها، ومن حساباته الضيقة أيضا. إضافة إلى أن ضحية الإرهاب الكبرى عالميا، هي الدول الاسلامية. صحيح ان الصحافة العربية الإسلامية من شدة التعود على رؤية عشرات من الضحايا الممزقين، لم تعد تثيرها الأرقام، على العكس من أوروبا حيث المواطنة وحقوقها جزء من المشهد الحياتي العام. ليس الأمر رفاها. فإحساس الإنسان بأنه ينتمي إلى وطن وأرض، وحكم عليه بأن يشعر بمأساته الداخلية والحساسة، جزء من مسألة الحكم وتسيير الدولة. ستواجه الدول الإسلامية المتحالفة سلسلة من المعوقات التي يجب عليها حلها، حتى يكون تجمعها مسألة استراتيجية وليس تكتيكاً أملته الظروف الصعبة.
المشكلة الكبرى، باستثناء المواطنة، تتعلق بتعريف وتوصيف الإرهاب. وهذا ليس استفاضا لغويا، ولكنه جزء من الضرورة الحتمية، اذ لا يمكن إقناع كل الدول الأسلامية التي لم تلتحق، بالإشتراك بقوة وقناعة، إلا إذا كان توصيف الإرهاب كحركة عدمية تعتمد تأويلاً ضيقاً للدين الإسلامي وتجتزئته من كل سياق، لتنفيذ أغراض سياسية محلية، وربما أيضا لتلبية أجندة دولية الهدف من ورائها تدمير ما بقي واقفا من هذه المجتمعات العربية والإسلامية.
سؤال آخر يجب بلورة تصور عقلاني حوله. الإرهاب ليس قدرا، ولكنه حركة سياسية عنيفة، وجدت تربة إيديولوجية محلية، اجتماعيا وايديولوجيا، يفترض توضيحها وتوصيفها وخوض حرب ضروس ضدها لأنها شوهت صورة الإسلام السمح الذي تنهجه الغالبية العظمى في المجتمعات الإسلامية، ومحت صورة الاسلام العقلاني الذي تطور بقوة بدءا من القرن العاشر حيث منح لنا شخصيات مثل ابن خلدون، وابن رشد، وابن حزم، وابن طفيل والفارابي، والغزالي، وابن الهيثم، والخوارزمي، وغيرهم على اختلاف تشكيلاتهم، فقد جعلوا العقل مقياسا في التحليل والكشف عن المضمر. ولو وجدت حركاتهم مناخا حقيقيا للتطور، لكان أمر المسلمين اليوم شيئا آخر. فالرشدية التي اعتمدت في القرون الوسطى، منحت أوروبا فرصا لرؤية العالم والحكم بشكل آخر، في ظل كنيسة قمعية. لهذا، ففكرة التحالف جاءت في وقتها. السؤال الكبير هو كيف تصبح فاعلة؟ وربما كانت الدول الآسيوية في هذا السياق، أكثر تطورا من الناحية الاقتصادية لأنها واقعة تحت الجاذبية الآسيوية التي رسخت نماذجها اليابان وكوريا والصين. ربما وجب التفكير أيضا في إسلام الأقليات التي ليست عددياً أقليات، مثلما هو الحال في الصين وأمريكا وأوروبا أيضا، ولو كملاحظين، لأن إسلام هذه البلدان امتداد للحركات الاسلامية بأفقيها الانساني والمتطرف. ويخدم ذلك القوى المتطرفة المعادية للعربي والمسلم. لا يمكن إهمال دور هذه الأقليات إذ كثيرا ما يكون حاسما في تغيير الموازين، وغلق الأبواب أمام الاسلاماوية المتطرفة التي تنتج الموت والتخلف والرجوع إلى منطق القرون الوسطى حيث المرأة كائن لا اعتبار له، والإنسان مجرد رعية ضائعة، وليس مواطنا كامل الحقوق وعليه أكبر الواجبات. اذا ذللت هذه المصاعب، ووجد الحد الأدنى التوافقي، يمكن للدول الإسلامية أن تصبح قوة اقتراحية مهمة وعملية ميدانياً أيضا. وتتم محاصرة القوة الإرهابية التي جعلت من العالم العربي والمحيط الإسلامي مركز انطلاقها. ليس الأمر التوافقي مستحيلاً لأن كل الدول الإسلامية معنية بذلك. يمكنها، من خلال استراتيجية إسلامية واضحة لمحاربة الإرهاب بوصفه عدواً فاتلاً، وتجفيف منابعه المالية التي تأتي من مصادر كثيرة، النفط المسروق من البلدان التي تم تفكيكها، والمخدرات التي أصبحت سوقاً كبيرة ممولة للعنف، وتجارة الأسلحة والأعضاء أيضاً، وحسابات بعض الدول أو رجال المال، الذين يرون مصلحتهم في الإرهاب ولهذا يصمتون عليه من منطق: دعه يعمل، دعه يمرّ.
بعض البلدان الاسلامية تتصور أنها بهذه الطريقة المتواطئة تبعد الخطر عنها وهو خطأ فادح لأن العدمية الإرهابية لا أخلاق لها. من هنا، يجب خوض حرب آيديولوجية بلا هوادة تقدودها السلطات بمواقفها الواضحة، ورجال دين مسلمون، متنورون وعقلانيون لأنه لا يمكن للإسلام التقليدي، على الرغم من تسامحه، أن يقود حرباً آيديولوجية رهنت الدين وجعلته بين مخالب القتلة وأنصار الإسلام المسلح. وهذا يفترض وجود قوة فكرية لها قوة المقاومة وخوض الصراع الثقافي والآيديولوجي بلا انقطاع. لهذا كله، يحب أن لا يتحول هذا التكتل الإسلامي الكبير إلى قوة آيديولوجية تقف على الطرف النقيض من آيديولوجية الإرهاب، وإلا سيصبح تحالفاً مفرغاً من جوهره الذي يُفترض أن يدافع عن القيم الإنسانية المشتركة بين جميع الأمم كيفما كانت دياناتها، من محبة وإيخاء وتعددية وحوار ونبذ الحروب.
واسيني الأعرج