الافصاح بأن الإنسان العربي مكبوت سياسياً، اجتماعياً، دينياً واقتصادياً ليس بالشيء الجديد. كل هذا يجعل من الكبت العام واحدا من أبرز البديهيات التي ترافق هذا المخلوق الحائر في دنياه. حتى هذه اللحظة ورغم المجهود الشاق لم يتمكن هذا الإنسان من تجاوز الضغط الناتج عن مختلف أنواع الكبت، ولا تثبيت أساليب نمط حياة جديدة تمنحه هامشا أكبر من الحرية، الكرامة، العدالة والمساواة. لقد فعل الكثير في هذا المضمار، لكن شدة وطأة الظلم وجبروت المستبد مازالت أقوى بكثير من إرادته، ومازال المشوار امامه شائكا وطويلا. وبنضوجه وانفتاحه على العالم وانفتاح العالم عليه سينال كل ما يصبو ويناضل من أجله، من جهة أخرى نتيجة الانفتاح السريع امام أعين وعقل الإنسان العربي عامة وجيل الشباب خاصة، بدأت تطفو بإلحاح وطأة الكبت الجنسي المتراكم.
سابقاً، جماح الكبت الجنسي كان يكبح ذاتياً وبشكل تلقائي، خوفاً من العقاب وبفعل الحياء العام، اما الآن فان الأمور اختلفت، فالكبت الجنسي مثله مثل أي كبت آخر، لا بد أن ينفجر، بسبب التغييرات الهائلة التي تحدث في العالم. ضمن هذا الإطار يمكن اعتبار التحرش الجنسي الممارس من قبل حفنة من الشباب إفرازا بديهيا لما هو دفين في الشعور الباطني من تراكمات. حقيقة ذلك لا تنفي ارتباط التحرش بانحلال بعض قيم المنظومة الأخلاقية عند بعض من الشباب نتيجة ما يسمع ويرى من استعراضات وإيحاءات تضغط عليه من كل الجوانب، تلقاء عدم وجود طريقة تسمح بإشباع الرغبات الكامنة، هنالك من لا يجد مخرجا سوى ممارسة وأحدة من أدنى الأفعال، ألا وهي التحرش بفتيات اليوم وسيدات الغد. على كل الأحوال، أياً كانت الأسباب التي يقع ضمن إطارها هذا الفعل، فهو منبوذ ومرفوض تماماً.
ولكي لا يكون هنالك فهم خاطئ لما سبق ذكره من ترابط بين الكبت والتحرش، ولتكون الصورة أكثر وضوحاً، يجب الجزم بأن وجود كبت جنسي لا يعطي لأي شاب، أياً كان عمره وعلته، أدنى حق في ازعاج وترهيب البنات. وأن شدة الكبت الذي يعاني منها سراً وعلانية لا تبرر بتاتاً أي عمل هابط يخدش حياء أي فتاة، ولكي تكون الصورة كذلك أكثر اكتمالاً، فان أي شكل تظهر فيه المرأة لا يبرر أي سلوك يحط من عزيمتها أو ينقص من حريتها وإنسانيتها. من يعتقد ويفعل عكس ذلك عليه أن يدرك ويستشعر بأن سلطة القانون والمجتمع أشد وطأة من سطوة شهواته على نفسه وعلى غيره.
للمرأة كرامة تتجاوز كافة حدود المظهر والمنطق.. لهذا من الضروري أن تُرفض أي محاولة مباشرة أو مبطنة تحملها مسؤولية ما يحدث لها من تحرش من قبل من لا يتحكم في مخالبه. وللعلم، أي ربط بين المظهر الخارجي للمرأة وفعل التحرش يعطي مبرراً قوياً لمن تهيمن عليه نزواته، خاصة أن كل من يحاول خدش وعفة المرأة يفعل ذلك لإشباع رغباته على حساب كرامتها، بغض النظر عن شكلها الخارجي وطبائعها. أمثال هؤلاء لا يميزون بتاتاً بين تلك المتوجهة لعملها أو جامعتها أو تلك التي في بيتها. ما يهم هؤلاء هو التربص بها كما يتربص الذئب بفريسته، هذا يجعلنا نعتقد بأن عاهة التحرش تكمن اساساً في شخصية من يقوم بهذا الجرم وليس في سلوك المرأة، كما يريد أن يصور لنا البعض. المعروف عموماً أن النساء في مجتمعاتنا أكثر حياءً والتزاماً بالقيم والمبادئ الحميدة.
انتشار ظاهرة التحرش تفرض على مؤسسات المجتمع والدولة، وبالتحديد من يملكون قوة القانون، ملاحقة وإنزال أشد أنواع العقاب على كل من تسول له نفسه تجاوز حدود الأدب. في هذا الشأن هنالك اتفاق ضمني بين كافة مكونات المجتمع، في أن هناك في كل بيت سيدة، لذلك حفاظاً على سمو مقامها يجب عدم التركيز على السلوك والمبررات الخفية التي تدفع نحو التحرش بقدر ما يكون التركيز على ما ينتج هذا من تأثير وعقاب. هذا التركيز لا يلغي قضية الاعتراف بوجود مشكلة تحتاج إلى علاج جذري. مجرد الاعتراف بوجود هذا لظاهرة يفرض فتح نقاش صريح حولها وحول ما لها من علاقة بالكبت المتراكم وبغياب الثقافة الجنسية. تناول مثل هذه القضايا في غاية الأهمية، خاصة أن اساليبها وتداعياتها سوف تتصاعد بحكم تنوع طرق التواصل وزيادة وتيرة الانفتاح داخل المجتمع الواحد وبين مجتمعات ذات عادات وتقاليد مختلفة. يخطئ من يظن أن تناول مثل هذه القضايا عيب أو حرام، وأن العلاقة الجنسية أمر يجب عدم الاقتراب منه لأنه يقع ضمن إطار الممنوع، المحذور والخاص. بالعكس المبادرة بهذا الشأن فرض واجب وكفاية للحفاظ على كيان الرجل والمرأة معاً.
المتابع لظاهرة التحرش على يقين من أن هذه الظاهرة هي إفراز لعملية كبت جنسي متفاقم، وسيضيف بأنها انفجرت الآن نتيجة تعقيدات الوضع القائم، وزيادة درجة الاحتكاك بين الرجل والمرأة، وانحلال بعض القيم، وانحدار فاعلية الوازع الداخلي الخارجي بمعناه الديني والقانوني، والانفتاح التام على مجتمعات تقيم العلاقة بين الرجل والمرأة من منظور الحرية الشخصية. في المجتمعات العربية مثل هذا النوع من الحرية مقيد وغير مقبول، حتى في جوانبها العاطفية البحتة. الآن وقد تفاقمت الأمور حان الوقت للتطرق لمثل هذه العلاقة عامة ولقضية التحرش والكبت الجنسي خاصة بأسلوب يخلق نوعا من التوازن يساهم في تفادي كافة المشاكل المنبثقة عن كل ما يحدث في السر والعلانية. تناولها الحكيم سيساهم في تقديم الحلول لجيل من الشباب يختلف عما سبقه في الطبائع والمرجعيات. هذا الجيل لن يرفض من يرشده بعقلانية صائبة في مثل هذه القضايا الشائكة.
هنا بالتحديد يأتي دور مختلف مؤسسات المجتمع المدني وأجهزة الدولة. قبل وبعد كل شيء عليها حماية أعراض النساء وإنزال أقصى أنواع العقوبات على كل من تراوده نفسه تجاوز حدود المنطق، وأن تكون صيانة كرامة وإنسانية المرأة مقصدها الأساسي. حتما الحل هنا ليس بالأمر الهين، لكن هذا لا يلغي ضرورة وجود استراتيجية متكاملة تخفف من وطأة عملية التحرش والعنف ضد النساء. الكل على معرفة بأن المجتمعات العربية تعاني كثيرا من المشاكل السياسية، الاقتصادية، الثقافية، الدينية والاجتماعية، مع ذلك يجدر التنويه هنا بأن مشكلة التحرش والعنف وما يرافقها من عذاب من أصعب التحديات القائمة والعالقة. هذا يفرض توجيه وتوفير العناية التامة التي تحد من حدوث أي نوع من الأذى النفسي والجسدي. في هذا الشأن يجب أن توضع قوانين واضحة وصارمة وأن تؤسس أجهزة مختصة برعاية حقوق المرأة خلال مختلف مراحل حياتها. الكل على معرفة بأن ما تعانيه المرأة من قسوة وألم مضاعف عما يعانيه الرجل.
الآن وبغض النظر عن حقيقة كل من ذكر سابقاً، يجب ألا يربط التحرش والعنف ضد النساء بوضع اجتماعي أو بتوجه سياسي أو ديني سائد، أو بحال مؤسسة أو شريحة معينة من شرائح المجتمع والدولة، كذلك يجب الا يكون اداة للمزايدة بين مختلف القوى الوطنية. يفترض النظر له على اساس أنه مشكله عامة تمس عمق المجتمع.
٭ كاتب فلسطيني- إسبانيا
د. ناصر عبد الرحمن الفرا