منذ صدور طبائع الاستبداد لعبد الرحمن الكواكبي قبل قرن، وكذلك كتاب سايكولوجيا الجماهير لجوستاف لوبون، اخذت المُساءلات السياسية والأخلاقية للسلطة في مختلف تجلياتها منحى آخر، انه منحى ميداني، يخرج عن نطاق التجريد والتعميم، ويتناول المستبدين بأسمائهم ومواقعهم وسيرهم الذاتية وليس الاستبداد فقط، وفي ضوء هذا الفهم صدرت عشرات الكتب عن بسمارك وهتلر ونابليون وموسيليني وستالين وسائر هذه السلالة، إضافة إلى ما كتبه سارتر بعنوان «طفولة زعيم» وما رصده غونتر غراس وريمارك عن النازية.
ولم تكن تلك الكتب هجائية بالضرورة أو تقتصر على رصد الخطايا ومنها ما هو اشكالي ككتاب اسحق دويتشر عن ستالين، وهناك أكثر من سبعة عشر كتابا عن بسمارك تتباين من حيث وجهات النظر واستقراء السّيرة، بحيث علّق أحد النقاد الألمان قائلا ان هناك سبعة عشر بسمارك وليس واحدا.
وبهذا المعنى يمكن القول ان نابليون تعدد تبعا للمقتربات التي حاولت إعادة النظر في سيرته، وهناك كتب اقتصرت على الامبراطور العاشق انطلاقا من قصة الحب الشهيرة التي ربطت بينه وبين جوزفين التي استطاعت تطويع صولجان الامبراطور، ولم يكن بالنسبة لها امبراطورا بقدر ما كان رجلا قصير القامة وشبه أصلع ويعالج توتره العصبي بالماء الساخن الذي كان يوشك ان يحرق جسده، وكذلك الأمر بالنسبة لستالين الذي لم يكن بالنسبة لأمه ذلك الرجل الفولاذي أو الديكتاتور، بل الطفل سوسو!
وفي عالمنا العربي باستثناء حالات قليلة لم تقدم دراسات سايكولوجية عن حكام رغم انهم عيّنات نموذجية في هذا السياق، ومنهم من أطلق على نفسه لقب الزعيم الأوحد، إضافة إلى آخرين بلغت القابهم المتعاقبة ما يتجاوز السطرين أو الثلاثة، وعلى سبيل المثال هناك دراسات تناولت زعماء من العرب في ضوء الفرويدية منها ما كتبه حازم صاغية عن صدام حسين بعنوان «صدام حسين ذكرا»، أما محاولة محمود درويش الشعرية وذات المنحى الكوميدي فقد كانت في قصائد نشرتها الكرمل عن خطب زعماء وهي أقرب إلى الكاريكاتور الشعري باعتراف محمود ذاته.
* * *
كتاب موريال فايسباخ الصادر بعد الأحداث التي عصفت بالعالم العربي عام 2011، محاولة لا تخلو من نزوع استشراقي لتحليل شخصيات أربع زعماء عرب في ضوء المنهج النفسي، وهم مبارك وابن علي والقذافي وعلي عبد الله صالح، وعنوان الكتاب صريح ويحدد بشكل استباقي ما توصلت إليه الباحثة، وهو «المهووسون بالسلطة»، ويهمنا في هذا السياق ما هو غير مُتداول في الأوساط السياسية والشعبية العربية عن هؤلاء الزعماء الذين حملوا لقبا جديدا هو المخلوعون، فالخلع في لغتنا وفقهنا الطلاق القسري الذي تفرضه المحكمة على الزوج رغم اصراره على التشبث بعقد القران وقد يكون الفيلم الشهير «أريد حلا» للراحلة فاتن حمامة خير تجسيد له.
بالطبع لا يمكن التعامل مع الشعوب باعتبارهم زوجات، لكن تقاليد وأعراف المجتمع الباترياركي تتيح ذلك ولو على نحو مجازي.
من أهم ما يتوصل إليه كتاب موريال فايسباخ ما تسميه الادعاء الارتكاسي بالموت، وتحديدا فيما يخص حسني مبارك الذي فاجأه الحراك بنقلة نوعية تتخطى الحراكات الموسمية السابقة، وهذا المصطلح السايكولوجي يعني جملة من الدلالات حول الشخصية النرجسية والتي لم يدر في خلدها ان المطالبة الشعبية سوف تتطور من الاصلاح إلى الاسقاط ومن الكم إلى الكيف. وعلى سبيل المثال لم يخطر في بالنا نحن العرب ان رمسيس الثاني عاش أكثر من قرن وحكم مصر ستة وستين عاما أي ضعف الفترة التي قضاها مبارك في الحكم، لهذا فالتاريخ يقدم لمن ينتقي منه الامثولات ما يكفي من التبرير لمن يشاء، فالعاشق يجد فيه جذور قصته وكذلك الثوري والطاغية، لأنهم جميعا مسبوقون بنماذج منها مَنْ تطرف منهم وذهب إلى أبعد مما ذهبوا إليه .
المشترك في هذا التحليل النفسي هو النرجسية أي عشق الذات، وما يضاعف منها هو النفاق السياسي من الحاشية التي تذكرنا بقصة مأمورية الزير، فالحاكم دائما على حق، وبمرور الوقت وتراكم النفاق يصبح مُحصّنا ضدّ أي اعتذار أو شك في مواقفه وقراراته حتى لو كان منها ما يبيد نصف شعبه. النرجسية تلد المعصومية بالضرورة أو وهم الاعتقاد بأن الزعيم لا يخطئ فهو ملهم وعصيّ على التفكيك، سواء كان من قادة العالم الثالث أو انكلوساكسونيا يتربع على العرش الأبيض في أمريكا، فالرئيس بوش الابن قال أكثر من مرة انه يستلهم قراراته من السّماء، وهذا ما كرره زعماء من مختلف الأجناس والألوان مرارا عندما حاولوا تلفيق شرعيات بديلة.
وثمة وصف في الكتاب لعلي عبد الله صالح هو شخصية شكسبيرية تراجيدية لكن هذا الوصف يتراجع أمام ممارسات ما بعد الخلع . فالرئيس المخلوع ليس الملك لير، وما من ابنة من طراز كورديليا تكافأ على حزنها الصامت والصادق بالعقاب.
حين قرأت الكتاب واستوقفني هوس الزعيم بالألقاب عدت إلى أطول لقب كتب على ضريح في تاريخنا، فوجدت انه يتكون من سبعة ألقاب، وهو عدد متواضع إذا قورن بألقاب القياصرة الجدد الذين تنوء صدورهم بأوسمة عن معارك دونكيشوتية، وربما عن هزائم قرر الإعلام الداجن إجراء جراحات تجميلية لها فأصبح القرد بعين تابعه وليس امه فقط غزالا أو حمامة.
* * *
المقدمة التي اختارتها المؤلفة لكتابها قد تختصر كل ما يمكن قوله عن الهوس والجنون والافراط في الطغيان والتفريط بالأوطان، انه حوار بين أربعة زعماء عرب في أحد مؤتمرات القمة، يقول فيه أحدهم، اننا بحاجة إلى طبيبب نفسي ليفحص ما نحن عليه ويضيف الثاني إذا وجدت طبيبا كهذا فاحجز لي موعدا على الفور، اما الاثنان الآخران فقد تحسس كل منهما مسدسه!!
كاتب أردني
خيري منصور