أحداث 11 سبتمبر هي نتيجة لتورّط الولايات المتحدة خارج أراضيها على امتداد القرن العشرين، خاصة التدخّل السافر في شؤون العالم الاسلامي والانقياد الأعمى وراء البترول في الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي ككلّ.
ولم يكن يهمّ أمريكا في كلّ ذلك سوى مصالحها الذاتية والنفطية أساسا، وحماية حلفائها في المنطقة، وهم تحديدا إسرائيل والسعودية.
ظنّت أمريكا أنّها محتمية خلف جغرافيا ممتدّة وبعيدة يفصل بينها وبين باقي العالم المحيط الأطلسي والبحر المتوسّط، ومن المستحيل الوصول إليها، ولكنّها ضُربت وفي عقر دارها، وقد يكون كلّ ذلك مُحصّلة لتدخّلها في شؤون الدول عبر إسقاط أنظمة وتنصيب أخرى، إضافة إلى الدعم العسكري والمالي المطلق لإسرائيل، في حروبها وعدوانها المتواصل في فلسطين ولبنان وسوريا. وقد دأبت أمريكا على عدم تبرير سياساتها أو توضيح أجنداتها، فهي تخدم مصالحها الخاصّة غير عابئة بهموم الشعوب وحقّها في الحياة الكريمة أو تقرير المصير.
واليوم لا أحد ينخدع بمقولاتها حول الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الشعوب والقانون الدولي، إلّا من بلغ درجة عظيمة من الغباء، فحقيقة زيف القيم الديمقراطية التي تدّعيها أصبحت مكشوفة أمام العالم، وما المأساة التي تعانيها الشعوب العربية إلّا نتيجة لدعم أمريكا لحكّام المنطقة ضدّ تطلّعات شعوبهم، وما تصفيق الكونغرس للثورة التونسية إلّا ضحك على الذّقون، فالأنظمة الدكتاتورية العربية تلقّت الدّعم التام من قبل أمريكا، وهم وُكلاء للغرب وتلامذة نُجباء وفّروا تكلفة الاستعمار المباشر وخدموا أسيادهم بتفانٍ وإتقان.
لقد هدمت أمريكا العالم من أجل قتل بن لادن، فهل كان إيجاد شخص يمارس العنف المنافي للعرف والأخلاق والدين والإنسانية بحاجة لفعل أضعاف ما فعل هو، وأن تعلن الحرب على الإسلام فتتنامى الإسلاموفوبيا ويقتل الأبرياء، وندخل في دوّامة الفعل وردّ الفعل، ضمن مناخ من التعبئة يشتغل في الاتّجاهين. فبين إرهاب شخص أو منظّمة وإرهاب دولة يدخل العالم في نفق مظلم تعتريه مطبّات، لعلّ «داعش» أبرز مظاهرها، لتتداخل حينها المصطلحات والتّسميات، فمن أطلق عليهم ريغان بالأمس تسمية «مقاتلي الحرية» أصبحوا فجأة ارهابيون لأنّهم قاتلوا أمريكا.
يصف ادوارد سعيد أحداث 11 سبتمبر بأنّها هجوم غامض وغير سوي ولم تواكبه أيّ توضيحات أو تصريحات، اتّخذ من أناس أبرياء ضحايا له، دونما غاية يمكن رؤيتها في الأفق سوى الإرهاب لذاته، وهو بهذا المعنى يشكّل قفزة ميتافيزيقية إلى مملكة أخرى، مملكة التّجريد المجنون والتعميمات الميثولوجية الغامضة. وهي قفزة قام بها أناس قاموا فيما يرى باختطاف الإسلام نفسه لأجل أهداف تخصّهم وحدهم، ومن الضروري عدم الوقوع في المصيدة ومحاولة الاستجابة بانتقام ميتافيزيقي من نوع ما.
مسعى عسكرة المنطقة دفع الجميع إلى شراء الأسلحة، وطبعا كان ذلك على حساب مخصّصات التعليم والبحث العلمي وقطاع الصحّة، وكل ما له علاقة بالتكنولوجيا ورفاه الشعب، وأبرز الدول التي أوغلت في مثل هذا المسار السعودية والإمارات وقطر ومصر، وتعلم مثل هذه الدول خاصة دول الخليج أنها تستورد أسلحة متطورة وتكنولوجيا عالية الدقة وهي غير قادرة على استخدامها ما يعني دوام التبعية والارتهان للغرب. في الوقت الذي يتجاوز دعم اسرائيل منحها الأسلحة المتطوّرة إلى تسويغ مقولات دينية ثيولوجية تحرص في تأكيد أحقّية امتلاكها الأرض، فهي حسب تعبيرهم بلد اليهود، التي أُعطيت لهم من قبل الربّ ولذلك يجب عليهم أن يهاجروا وبقوة نحو اسرائيل ويتوجّهوا من كلّ أنحاء العالم إلى صهيون وفق الترويج الديني المزيّف، الذي عملت مراكز القرار العالمية ولوبيات الإعلام والدعاية وصناعة الرأي العام على تصديرها للجميع.
رغم كل ذلك يبقى كثيرون يؤمنون بأنّ القوة والعسكرة والاخضاع إنّما هي ثقافة في منتهى العقم واستراتيجية إلغاء يجب أن يتمّ تحاشيها وتجنّبها لكي تتصالح الانسانية مع ذاتها.
كاتب تونسي
لطفي العبيدي