غزة ـ «القدس العربي»: تراهم على مفترقات الطرق الرئيسية، وفي الشوارع المكتظة، وعند إشارات المرور، وفي قلب الأسواق الشعبية، وأمام المحال التجارية التي تتوسط أرقى أحياء مدينة غزة، وأمام المساجد خاصة بعد صلاة ظهر الجمعة، وأمام البنوك والشركات، موزعين على كافة الأعمار، منهم الطفل الصغير الذي خرج مرغما، حتى أضحى عمله عادة لا يعرف مدى خطورتها، ومنهم الشاب والصبية، ومنهم من اشتعل رأسه شيبا، كل منهم لجأ لاستخدام جمل تتشابه في المعاني، وأن اختلف توظيفها وأدواتها، غير أن جميعهم يهـدف لكسب المال من وراء «التسول» الذي اتخذه الكثيرون منهم مهنة غير متعبة، في حين لجأ إليه قسم آخر لكسب قوت يومه بسبب ارتفاع معدلات البطالة والفقر.
من أراد أن يدخل سوقا شعبيا، أو يتجول في شوارع قطاع غزة الساحلي، لا بد أن يسمع نداءات أطفال حملوا بين أيديهم قطعا من الحلوى أو العلكة، يطلبون مقابلها بأسلوب مليء بالتوسل، قطعا نقدية، ويسيرون بجانب المار حتى يقنعوه مرغما على شرائها، أو يعودوا بخفي حنين، بعد ملازمتهم شخصا مل سماع أساليب التوسل، خاصة وأن أشخاصا آخرين من كبار السن أو من النساء، يتواجدون في تلك الأماكن وقد افترشوا الأرض، واتخذوا من أساليب «الدعاء بالبركة والرزق» مصدرا للحصول على النقود.
وأضحى «التسول» في قطاع غزة ظاهرة مقلقة للمجتمع، فالعدد بدأ يتسع وحملات إنهائها من قبل السلطات المختصة لم تحقق كامل أهدافها، فالمتجول في شوارعه يلاحظ كيف أن قسما من المتسولين لهم أماكن عملهم، رغم أنهم لا يعــملون ضمن منظومة لها أسس وقوانين.
فترى أن لكل منهم مكانه الخاص، فلا أحد بجانبه ينافسه، حتى لا يفسد عليه، وكل شخص يعتمد على توزيع تواجده في عدة أماكن في اليوم الواحد، وكذلك وضع له برنامجا للعمل الشهري، فيحرص على الوقوف قرب البنوك عند استلام الموظفين رواتبهم، أو أمام المحال التجارية في ساعات مساء أول أيام الشهر، حيث يرتادها الموظفون وأسرهم لشراء احتياجاتهم بعد استلام الرواتب، ومنهم من يحرص أن يتواجد في ساعات الصباح في قلب الأسواق الشعبية، أو أمام المراكز الصحية، عله يكسب نقودا من وراء الدعاء بالشفاء للمرضى. أما الشباب، بين 30 و 40 عاما، فيلجأون لنسج قصص مأساوية يحرصون على سردها بشكل وأسلوب حزين للتأثير على ضحاياهم وسحب المال من جيوبهم بمحض إرادتهم.
ومن المتسولين من يحمل أوراقا طبية يدعي أنها تعود لأحد أبنائه أو زوجته، ويطلب المال من أجل شراء الدواء اللازم لعلاجهم، أو أن يدخل بأسلوب القسم والحلفان أن أطفاله لم يدخل الطعام جوفهم منذ الصباح، إضافة لقصص لا يتسع المجال لسردها.
وبالرغم من حديث المتسولين بإسهاب أمام المواطن العادي، إلا أنهم يصمتون أمام الصحافيين، فالمتقصي لهذه الظاهرة، بإمكانه محاورة السكان والمسؤولين والمختصين، غير أنه سيلاقي صعوبات بالغة للغاية في أخذ أي حديث ولو مقتضب من المتسولين.
الأطفال يدفعون للتسول
«القدس العربي» التقت عددا من الأطفال الذين دفعوا لهذا العمل، وجميعهم لم يذكر إلا اسمه الأول، رغم أن الاسم نفسه لم يكن صحيحا في معظم الأحوال.
سلمى هي طفلة لا يتجاوز عمرها العشرة أعوام، تقف صباحا أمام أحد البنوك الواقعة غرب مدينة غزة وتضع على رأسها غطاء المحجبات، ولا تحمل شيئا بين يديها لتبيعه للمارة على غرار أطفال كثر، فهي تبادرك عند الاقتراب منها بالدعاء، وتطلب «شيكلا» (العملة المحلية) وقد رسمت على وجهها بطريقة غريبة ملامح الحزن، التي سرعان ما تزول في لحظة أقرب إلى ارتداد طرف العين، عند الحصول على مبتغاها، فتراها تودع من ألقى بين يديها «الشيكل» فاغرة الفم.
ما يفاجئ في قصة سلمى، أن أحد الأطفال الذين قاسموها «مكان الكسب» وكان يحصل على المال من المارة في تلك المنطقة مقابل بيع العلكة، حرص من باب وقف تعاطف المارة معها، على أن يقول أن ما تقوم به عبارة عن «شحاته» وهو المرادف اللغوي في لغة أهل غزة لـ «التسول» ويشير بأحد يديه إلى مكان قريب، ويقول أن والدتها تجلس هناك للغرض ذاته.
وليس بعيدا عن المكان هناك صبية آخرون يحملون الحلوى والبالونات الملونة بغرض بيعها بطريقة «التسول» وتراهم جميعا في ساعات المساء تحديدا يتواجدون على مقربة من «ساحة الجندي المجهول» لا يكلون من ترداد الجمل ذاتها، في مشهد يدفع الكثيرين للشراء، على أمل أن يسدوا ولو قليلا من ألم هؤلاء الأطفال.
من بينهم طفل ادعى أن اسمه محمد، ويدرس في الصف الخامس الابتدائي، أي أن عمره 11 عاما، وبدت عليه علامات التعب الشديد، فالساعة كانت تتعدى الخامسة مساء، وهذا الطفل كان قد عاد لتوه من المدرسة التي يتلقى فيها علومه ضمن الفترة المسائية.
ملامح التعب والبؤس لم تكن متمثلة في صوت محمد فقط، فملابسه الرثة كانت تشير إلى ذلك أيضا، فيقسم أنه لم يتناول طعام الغذاء، وأن والده يدفعه عنوة للعمل، بسبب فقر الأسرة، وحين سألناه عن عمل الوالد، حدثنا بجمل توضح أن أسرته دفعته لهذه المهنة مرغما، فيرد بشكل خجول «إنه مريض ومبيقدرش (لا يقدر) على الشغل (العمل)» ويقول أنه يشعر بالخجل كلما رأى أحدا من زملائه يتنزه مع أفراد أسرته في مكان عمله.
أحد المواطنين الناشطين على موقع «فيسبوك» كتب قبل أيام، بعد أن تعرض لعملية «تسول» من نوع جديد، يقول «طفل لا يتجاوز عمره أحد عشر عاما، التقيته في شارع عمر المختار وسط مدينة غزة عندما كنت أهم بدخول سيارتي، بدأ حديثه بطريقة غاية في التأثر والذكاء، (..) قال لي انه من عائلة فقيرة جدا تسكن في حي شعبي لمدينة غزة ، وانه لم يذهب للمدرسة وخرج للحصول على عشرين شيكلا فقط ليكمل أجرة البيت الذي يسكن فيه هو وعائلته». ويكمل باقي قصته على لسان الطفل «قال إن أعطيتني عشرين شيكلا، سأعود للبيت حالا وسأحكي لأمي ما حدث، وهي ستدعو لك بالصحة والعافية، قال الكثير من الكلام الذي يمس القلب والوجدان» ورغم شكه بعض الشيء في صحة الرواية، إلا أنه لم بجد مفرا من أعطائه المبلغ عن طيب خاطر.
مثل هذا المواطن الكثير، يتعاملون مع هؤلاء الأطفال بطريقة سهلة، إلا إن هناك آخرين يواجهونهم بخشونة، فهم يشتكون من كثرة عدد المتسولين، واعتمادهم الإلحاح في البيع، ولأجل ذلك انطلقت حملة شعبية للدفاع عن هؤلاء الأطفال المجبرين على هذا العمل، واتخذت من شعار «يبيعون السعادة وهم تعساء» رمزا لها، وظهر ذلك في لافتات إعلامية كبيرة وضعت في مفترقات طرق مهمة، تطالب بالتلطف مع هؤلاء الصبية.
ولم يكن أمر التحدث إلى كبار السن سهلا، فهم يعبرون عن حالتهم، بقصص مبتدعة لكسب المال، وقد صادفت «القدس العربي» أحدهم، وهو ينسج قصة عن زوجته المريضة في مشفى قريب وكونها في حاجة للمال من أجل التحاليل الطبية، ويشرح ما تمر به من خلال ورقة كتبت بخط واضح، تشير إلى أن هذا الشخص إما محتاج لمسكن أو لطعام أو دواء لأسرته، ولا يقبل أي منهم الحديث لصحافي يعد تقريرا عن هذه المهنة.
والمعروف أن الكثير من المتسولين، يمارسون عملهم في أماكن بعيدة عن مناطقهم السكنية، حتى لا يتعرف عليهم أحد.
أفقر الفقراء
كان لزاما التوجه لجهات الاختصاص لمعرفة تفاصيل أكثر عن الموضوع، فوزارة الشؤون الاجتماعية عملت قبل فترة على تنظيم حملة وطنية بالتعاون مع جهاز الشرطة، لمعاجلة الظاهرة عبر حملة تثقيفية والتوعية النفسية والاجتماعية والقانونية والاقتصادية والإعلامية بالظاهرة، باعتبار أن المتسولين هم ضحايا الاحتلال، كون المحتل فرض الحصار والإغلاق وتسبب في الفقر والبطالة.
ويقول رياض البيطار مدير عام الحماية الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية لـ«القدس العربي» أنه تبين لهم أن السبب الرئيسي في حالات التسول هو الفقر الذي يرجع للحصار الإسرائيلي المفروض على غزة منذ عشر سنوات.
وأوضح أن 80 في المئة من حالات التسول في القطاع، وعددها يقدر بـ 300 حالة، مسجلين لدى الوزارة على أنهم ضمن حالات «أفقر الفقراء».
ويقول أن المتسولين هم من ضمن الـ 50 في المئة ممن لا يغطيهم برنامج المساعدات المالية المقدم من قبل الوزارة، وأن موضوع التسول يبدأ بسبب الحاجة، ثم يتحول إلى سلوك لدى بعض الأفراد، من خلال استخدام أساليب الاستعطاف، أو الأطفال في هذه العملية.
وفي صدد استخدام الأطفال يقول البيطار «يتوجب التفريق بين العمالة المبكرة والتسول، على أن هناك عددا من الأطفال يبيعون بطريقة عادية لا تميل للتسول، غير أن الخطأ المرتكب هو تشغيلهم من قبل ذويهم في سن مبكر» وتبين ذلك من خلال عملهم ضمن الحملة الوطنية للتعامل مع التسول، «هناك أطفال اتخذوا من بيع الحلوى والسكاكر قناعا لعملية التسول».
ويؤكد أنه خلال عملهم في الخطة الوطنية حققوا انجازات كبيرة، عبر خلق بدائل عن التسول في سبيل الحصول على المال، ما أدى لتوقف البعض وهو يرى أن هناك جهلا لدى هؤلاء في معرفة الآثار السلبية لهذه الظاهرة.
ويوضح البيطار أن الأسر التي تلجأ للدفع بأفرادها إلى الشارع بهدف التسول، تبين أن السبب الرئيسي في ذلك كان توقف معيلها الرئيسي عن العمل بسبب ما خلفه الحصار الإسرائيلي، خاصة وأن أرباب هذه الأسر كانوا يعملون في مصانع وورش أغلقت بسبب الحصار المفروض منذ عشر سنوات.
وتوقف إسرائيل بموجب الحصار إدخال أصناف عديدة من السلع والمواد الخام، ما جعل مئات المصانع تتوقف عن العمل، لافتقارها إلى المواد الأساسية، وبذلك ترتفع نسب الفقر والبطالة.
ورغم ذلك يؤكد المختص الاجتماعي الدكتور درداح حسن الشاعر، رئيس مجلس إدارة مركز التدريب المجتمعي، أن البطالة وشحة المال يدفعان إلى التسول، لكنه أشار إلى أن ما وصلت إليه الأمور حول احتراف البعض لهذا العمل كمهنة، بات أمرا مقلقا للغاية.
ويقول أن هناك أناسا يتواجدون صباحا في الأسواق بغرض التسول، حيث تتزاحم أقدام السكان، ودعا خلال حديثه لـ «القدس العربي» أن تتم معاملة هؤلاء خاصة بعد أخذهم الأمر كـ»مهنة» بشكل حازم من قبل السلطات المختصة، كونه كسبا غير شرعي، محذرا من مخاطر هذا العمل خاصة بالنسبة للنساء والفتيات.
ورأى الشاعر أن الحل للقضاء على الظاهرة يكمن في توفير فرص عمل لأولياء الأمور وأرباب الأسر الذين يندفعون أو يدفعون أطفالهم للتسول، أو أن تقوم الجهات المختصة بتوفير مساعدات مالية لمن لا يقدر على العمل، على أن يودع بعد ذلك المخالفين في السجن، حال لم يلتزموا بالعيش وفق ما وفر لهم، لاتخاذهم «التسول» مهنة.
يشار إلى أن عدد سكان قطاع غزة الساحلي المحاصر وصل إلى مليوني نسمة، ويعيش غالبيتهم في ظروف اقتصادية سيئة.
وكانت منظمة «الأونروا» التي تقدم خدماتها لقطاع اللاجئين في غزة، ويفوق عددهم ثلثي عدد السكان، أكدت في تقرير سابق أن الحصار الإسرائيلي الذي دخل عامه العاشر، ما زال يأتي بآثار مدمرة. وأوضحت أن 80 في المئة من السكان يعتمدون على المساعدات الخارجية من أجل التكيف والعيش في ظل ارتفاع نسب الفقر والبطالة.
وذكرت 80 منظمة أهلية الأسبوع الماضي، في بيان مشترك تطرق لآثار الحصار، أن الأوضاع في قطاع غزة تتدهور بشكل خطير.
وأشارت إلى ارتفاع نسبة البطالة إلى نحو 42 في المئة، وقالت أن 65 في المئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وأن 38 في المئة منهم يعيشون في فقر مدقع.
ومن ضمن البيانات التي تشير إلى خطورة الوضع الاقتصادي في غزة، ما أعلنه النائب جمال الخضري رئيس اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار، حيث أكد أن 80 في المئة من المصانع أغلقت بشكل كامل أو شبه كامل، ما خلق واقعا صعبا على السكان، حيث أصبح القطاع يعيش «كارثة إنسانية حقيقية».
وأضاف أن معدل الدخل اليومي للفرد في غزة يقدر بدولارين أمريكيين فقط، وأن هذه النسبة من أقل المعدلات في العالم.
تقرير أممي: 25 ٪ من أطفال غزة بحاجة لدعم نفسي واجتماعي
قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» إن 25٪ من الأطفال في قطاع غزة الفلسطيني، ما يزالون بحاجة لدعم نفسي واجتماعي، من جراء الحرب الإسرائيلية الأخيرة صيف عام 2014.
وذكر المكتب الأممي، في دراسة نشرها مؤخرا، أن العدوان الأخير على غزة «خلّف آثاراً وتغيرات دائمة في سلوك الأطفال».
وبعد مرور عامين، «لا يزال هناك واحد من بين كل 4 أطفال بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي، ومعالجة آثار الحرب التي شكلت عبئاً ثقيلاً على صحتهم النفسية والعقلية»، بحسب الدراسة.
المكتب قال أيضاً إن أطفال غزة «ما زالوا يعانون من زيادة النزعة العدوانية، وإنه بالرغم من مرور عامين على انتهاء الحرب تواصلت الآثار السلوكية النفسية؛ ومن بينها التبول اللاإرادي، والبكاء، ومظاهر السلوك العدواني خاصة عند الأولاد».
ودعا المكتب الأممي إلى حماية الأطفال من الصراعات، وتوفير الدعم النفسي اللازم لهم، وتلبية احتياجاتهم الصحية والنفسية والاجتماعية.
وتعرّض قطاع غزة في السابع من يوليو/تموز 2014، لعملية عسكرية إسرائيلية كبيرة استمرت 51 يوماً.
وشنت قوات الاحتلال خلال العدوان آلاف الغارات الجوية على قطاع غزة، ما أدى إلى استشهاد أكثر من 2300 فلسطيني وإصابة الآلاف، بالإضافة إلى تدمير آلاف المنازل (بشكل جزئي وكامل)، وارتكاب مجازر مروعة.
أشرف الهور