في النصف الأول من السبعينيات من القرن الماضي كانت صحيفة «الأهرام» القاهرية تفتح أبوابها لشابة مصرية تقوم بتحضير رسالة الدكتوراه في جامعة أمريكية مرموقة، الفتاة ذات الأصول الأرستقراطية ركزت على إجراء حوارات معمقة مع الصحافيين واعتكفت لفترة طويلة في الأرشيف، هذه المهمة جعلتها لا تكترث حتى بلقاء هيكل عندما أخطرتها سكرتارية مكتبه برغبته في لقائها، كانت في ذلك الوقت تحاور الدكتور غالي شكري بمكتبه في مجلة الطليعة داخل مبنى الأهرام. بعد فترة ليست بالبعيدة كانت سناء حسن تقوم بزيارة علنية لإسرائيل وتعود بمؤلفها «عدو في أرض الميعاد»، الذي اتخذ الطابع التبشيري بالسلام والتعامل مع الوجود الإسرائيلي بوصفه إضافة للمنطقة، السادات استصدر أوامره بسحب الجنسية المصرية منها ـ أعادها بعد كامب ديفيد ـ وطلقها زوجها الذي تعرفت عليه أثناء مهمتها البحثية في مصر.
سناء حسن كانت من أوائل المطبعين وأكثرهم خطورة، لا يحتاج الأمر إلى معرفة عميقة بعلم النفس من أجل توصيف غرائزيتها الانتقامية تجاه ثورة يوليو 1952 وتجاه ما ورثته من هوية مضطربة جراء ذلك، ومع أن سناء كان يمكن أن توصف بأي شيء إلا الجاذبية والقدرة على الحوار، إلا أنها واصلت استمالة العديد من الشخصيات إلى المنزلق التطبيعي الذي بدأته، وقت كانت كلمة اسرائيل تتصف بالـ(فحش) كأي مرض جنسي سري، ومع أن هذه الشابة حصلت على شهرة كبيرة في السبعينيات فأصبحت من كتاب «النيويورك تايمز» وضيفة على برامج حوارية أمريكية كثيرة، إلا أنها اليوم مجرد نكرة لا تهتم موسوعة الوكيبيديا بمجرد تقديم ولو سطر واحد عنها، وكذلك موقع «غود ريدز» فإنه لا يقدم سوى سطرين متواضعين حول مؤلفاتها بدون أي شروحات أو صور مرفقة.
التطبيع لم يعد مخيفاً بالنسبة للنخبة العربية، تتابعت الأسماء التي منحت نفسها مبررات مختلفة لزيارة دولة العدو، وأثارت ما أرادته من ضجة، فعلي سالم بزيارته لإسرائيل أعاد نفسه لدائرة الاهتمام التي انحسرت عنه بعد ظهور جيل جديد من مؤلفي الكوميديا، بينما كان رؤوف مسعد يقدم نفسه للأوساط الأدبية من جديد على خلفية الجدل الذي أثارته زيارته لإسرائيل في التسعينيات، وبعد ذلك تبين أن أحداً لا يمكنه أن يستثمر في التطبيع، لأنه ببساطة لم يعد خروجاً على التابو، فوسائل الإعلام العربية استطاعت أن تجعل ظهور الشخصية الاسرائيلية جزءاً من الموضوعية والمهنية في التعاطي، وأصبح الشهداء يتحولون إلى قتلى، وتغيبت مقولة العدو الصهيوني حتى أنها أصبحت قرينة لوصف شخص بالتشنج واللغة الخشبية.
التطبيع مصطلح لكثرة استعماله حصل على هوية منفردة وكأنه بدون أصول لغوية، فالجميع يستخدمه وكأنه لا يدرك بأن الأمر لا يتعلق بوصف العلاقة مع اسرائيل، والدخول بها في مرحلة التعامل الاعتيادي والطبيعي، فالطبيعي الذي تسعى مقولة التطبيع تجاهه هو وجود اسرائيل ذاته، بمعنى أنه وجود طبيعي ومقبول ولا يستدعي «غضبة حيوية» من الجسد العربي الذي استقبل اسرائيل في جغرافيته، وبذلك، فإن التطبيع بالضرورة يستدعي على الجانب الآخر إنكاراً لفلسطين والفلسطينيين، فالمطبعون لا يمكن أن يمرروا شرعية اسرائيل بدون أن يصادروا منطقياً وضمنياً الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني في أرضه.
السلام الذي قدمه السادات كان يحمل بذرة فاسدة في أحشائه، فالسلام هو أحد درجات الصراع السياسي، ويمكن للسلام أن يعني فقط تغييباً للحرب، ولكنه لا يستلزم بالضرورة أن تعيش اسرائيل في أحضان المنظومة العربية وتتمتع بمزايا وجودها في المنطقة، مع فرصة منحها القيادة المستقبلية بما تمثله من قدرات علمية وفكرية واقتصادية، وربما كانت الطموحات التي تداولها السادات وبيغن في القدس وكامب ديفيد والمينا هاوس تتفوق في طموحاتها على أي اتفاقيات ثنائية بين دولتين عربيتين جارتين. التطبيع يتراجع ليصبح قضية ثانوية للغاية، وهذه مسألة يمكن تفهمها في إطار تفاعلات الربيع العربي، ولكن تراجعها في الأولويات الخاصة بالفعل السياسي والنخبوي يجب ألا يرتبط بعملية التعامي عن القفزات التي تتحقق في الخطاب التطبيعي، والتي جعلت اسرائيل لا تستنكف عن ابداء رأيها في كل كبيرة وصغيرة بالمنطقة العربية، وتعتبر نفسها حليفاً محتملاً للدول العربية في صراع مع ايران، فاليوم اسرائيل استطاعت وبدون أن يجبرها أي طرف على الحد الأدنى من التنازلات أن تحقق من خلال صراعات العرب الداخلية كل ما لم تتمكن من تحقيقه من خلال مبادرات السلام السابقة.
إسرائيل تعيد إنتاج ذاتها بوصفها عنصراً متطرفاً يمتلك خصوصيته ضمن منظومة المنطقة، ولم تعد إلى حد كبير ذلك العنصر المرفوض، فالرفض موقف سياسي وأخلاقي، أما الكراهية فهي موقف عاطفي يتسم بالميوعة والغموض، وهذه التلاعبات التي تمت خلال عقدين من الزمن كانت وسائل إعلامية عربية تعمل على ترسخيها في المنظومة العربية ليتحول، أفيخاي أدرعي إلى وجه مألوف لدى العرب، والمشكلة في أدرعي تأتي في ملامحه الشرقية التي تتغيب عنها الطبيعة الاستعمارية التي تميز اليهود الأوروبيين، وكأنه يحمل بمجرد ظهوره رسالة بأن اليهود الطبيعيين في الدول العربية، وهم طبيعيون بالفعل والمنطق التاريخي، لم يفعلوا شيئاً إلا الهجرة الداخلية من أرض عربية إلى أخرى، وكأن اسرائيل ليست دولة دينية متطرفة ومتعصبة ومنتهكة لحقوق الإنسان ولكنها مجرد ظاهرة سكانية.
التطبيع ضروري من أجل مستقبل المنطقة، عبارة تبدو مناقضة لجميع الفقرات السابقة، فالواقع أن وجود اسرائيل أعاق تقدم المنطقة، تسبب في مشكلات مادية ذات طابع لوجيستي وأخرى نفسية عبرت عن نفسها في الممارسات السياسية، وبدون تطبيع وجود اسرائيل لا يمكن أن تتقدم المنطقة، والتطبيع لا يمكنه أن يتحقق تحت لافتة اسرائيل، لأنها في وجودها «غير الأخلاقي» تبقى ورماً سرطانياً. هذه التناقضات لا يمكن أن تجد طريقها للحل إلا في دولة واحدة علمانية يعيش فيها المواطنون العرب واليهود بحقوق كاملة سياسياً ومدنياً، أو على الأقل صيغة ما شبيهة بالترويكا اللبنانية، دولة واحدة كالتي عاشت فيها غولدا مائير تستقبل الرسائل من أصدقائها في الولايات المتحدة بعنوانها في فلسطين، وكانت هي الأخرى تبادلهم الرسائل بالعنوان ذاته.
لا حل الدولتين، ولا أي مشروعات تؤدي إلى يهودية الدولة يمكن أن يكون حاملاً لوجود طبيعي، كل ذلك سيسفر عن حالة من اللاسلم واللاحرب التي تعيشها الدول العربية أصلاً منذ التسعينيات، مجرد تصورات مجهضة واحباطات متتابعة بالطريقة التي تلحق ضرراً جسيماً بالمخيلة والذهنية السياسية التي تحملها الجماهير العربية لتفقد مع الوقت قدرتها على الاستجابة، ويدفعها إلى حالة من اللاأبالية التي تدفع التطبيع ليصبح مثل الخيانة مجرد وجهة نظر، كما أتى تحذير غسان كنفاني، وبذلك تتواصل مهزلة الهدايا المجانية التي لا تكترث اسرائيل لمقابلتها ولو بلفتة معنوية، بعد أن قدمت المجموعة العربية جميع التنازلات في السابق بدون طائل أو نتيجة.
٭ كاتب أردني
سامح المحاريق