تونس ـ «القدس العربي» عبدالدائم السلامي: التعدّدُ حكمةُ نُشوءِ العالَم. ذلك أن العالَمَ بأشيائه وأحيائه لا يتكوَّن عبر سبيل النّسخِ المُطابِقِ وإنما عبر سبيل التنوّع، ولم تتعدَّدُ فينا هويّاتُنا إلا بسبب اختلاف خصوصياتنا فيها، نحن لا نستطيع أن نوجَد إلا مُتَعدِّدين شرط أن نفهم التعدُّدَ من جهة كونِه بُرهانًا على خصوصياتنا وإثراءً لها. ومن ثَمَّ لا تكونُ حياةٌ إلاّ بالتعدُّدِ، ولا يكون تعدُّدٌ إلا باختلاف ملامحنا وثقافاتنا ودياناتنا وقومياتنا وألسنتنا. غير أنّ التعدُّدَ يستوجِبُ حُسْنَ إدارته وتدبيره، وإلاّ سبّب احتكاكًا بين المُتَعدِّدين، ونَمَّى بينهم التوتُّرَ والخلافَ.
ولعلّ كثرة مشاكل الإنسانِ الراهن تعود في أغلبها إلى سوءِ إدارته مسألةَ التعدُّد، أو قُلْ إلى سوء إدارته مسألة الخصوصية. وفي هذا الشأن طرحنا على ثلاثة من الكتّاب الجزائريّين السؤال: هل يُعدُّ التعدّدُ اللسانيُّ في الجزائر عاملَ إثراءٍ لحركة الإبداع فيها؟ أم هو عاملٌ مُشتِّتٌ لجهود الكتّاب؟ وكانت إجاباتهم كالتالي:
***
صراع تاريخي وأيديولوجي
الصدّيق حاج أحمد الزيواني ـ أكاديمي وروائي
تثير إشكالية التعدّد اللساني في الجزائر، أو ما يصطلح عليه (plurilinguisme)؛ عديد التساؤلات الحسّاسة والمربكة، على مستوى الهوية والانتماء الحضاري والثقافي للمجتمع الجزائري، وإن كانت هذه الإشكالية المزخرفة بغطاء التعدّد اللّغوي واللّهجي، تخفي خلف ستارها، صراعا تاريخيا وأيديولوجيا عميقا، لا يمكن فهمه، دون عزوه للخلفية التاريخية والجغرافية، فأمام مُعطى التاريخ، نجد أن المسألة محكومة بالتراكمات والتعاقبات اللغوية، بدءا بأمازيغية الأصل، مرورا بعربية الفتوحات، وصولا للفرنسية كغنيمة حرب.
إن سؤال التعدّد اللساني في الجزائر، يفرض علينا سؤالا آخر، يتمثل في اللغة الجامعة (المركز)، ومدى التجاذبات المطروحة حول هذه القضية، من حيث التعايش السلمي أو التنافر الهادم، وإن كانت هذه التهويلات، أخذت أبعادا أسطورية أحيانا، الغرض منها القصدية في زيادة الهوّة بين التعايش والتثاقف اللساني المتعدّد، فإذا أخذنا التجربة الهندية مثلا، كأنموذج للتعدّد اللغوي والعرقي، ومدى فاعلية ذلك، وخدمته للمكوّن الثقافي العام للشعب الهندي، نجد أن القوم هناك، تجاوزوا هذه الطروحات المفبركة عندنا، وبالتالي فالمسألة – في تقديري – مرتبطة أساسا، بطول الفترة الاستعمارية في الجزائر، وغور جرحها وتقيّحه عشية خروج الاستعمار الفرنسي.. بالإضافة للذهنية القابلة للفرنكفنة، كأحد اللبنات التي عملت عليها منظومة ما بعد الكولونيالية ثقافيا، وغير خاف على أحد، أنه منذ الرعيل الأول للكتّاب الفرنسيين المقيمين في الجزائر (الأنديجان)، مورست وصاية فوقية على الثقافة الجزائرية المستلبة، ما مهّد السبيل بعد ذلك، لأن يقتفي الكتّاب الجزائريون مسار الكتابة بالفرنسية.
في اعتقادي أن مسألة الصراع بين الطرفين، مسألة مفتعلة، إذ لا يمكننا إغفال ما قدّمه الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية في الفترات السابقة، إن على مستوى الفرنسيين المعمّرين أو الجزائريين. وحتى نضيّق الهوّة، علينا أن نواجه الحقيقة التاريخية بشجاعة، ونعتبر ما قُدّم بالفرنسية من أدبنا، هو إغناء وتعدّد له، وبالمقابل فإن العربية (اللغة المركز)، ستظل متجذّرة دون خوف أو رهبة عليها، وإن ظهرت لنا باهتة على مستوى النّخب المهيمنة في المركز (العاصمة)، بالمقابل فإن الفرنكفونية سرعان ما تنكمش، عند خروجنا من العاصمة نحو مدن الداخل والجزائر العميقة.
أما من حيث السؤال الجوهري المطروح: هل يُعدُّ التعدّدُ اللسانيُّ في الجزائر عاملَ إثراءٍ لحركة الإبداع فيها؟ أم هو عاملٌ مُشتِّتٌ لجهود الكتّاب؟ في تقديري الخاص، أرى أن المسألة، يمكن النظر إليها من ناحيتين؛ الأولى تتعلّق بالتعدّد اللساني على مستوى النص الإبداعي الواحد (الأنا)، والثانية على مستوى النصوص الإبداعية المتباينة (الآخر)، فبالنسبة للشق الأول، أعتقد أن تنظيرات ميخائيل باختين ومقاربته للنص الإبداعي البوليفوني، وضرورة تعدّد الأصوات، واللغات الساردة، وإن كان وفق سيرورة أدبية منظمة؛ لكنه في الحقيقة، يطرح الخلفية اللغوية والاجتماعية للشخوص والمتلقين في آن، مع تشديده على ضرورة التهجين والباروديا في النص الإبداعي. فكثيرا ما نصادف في النص الإبداعي الجزائري الواحد، شيئا من هذا التعدّد والتنوّع اللساني واللّهجي، فنجد أحيانا سياقات دارجة ومفرنسة، تفرضها طبيعة الشخوص الساردة، فمثلا في روايتي الأخيرة «كاماراد: رفيق الحيف والضياع»، وظّفت سياقات لهجية جزائرية وفرنسية، وحتى إفريقية بلهجة (الهوسا) و(الزرما)، أملتها عليّ الذات الساردة، ما يعطي فاعلية للنص وتلقيه. أما بالنسبة إلى التعدّد اللساني واللهجي، على مستوى النصوص المتباينة ونظرة الآخر إليها، فاعتقد كذلك أن الأمر حيوي وفاعل، ففي السرد مثلا، أرى أن النصوص الروائية الجزائرية الصادرة بالعربية، والفرنسية، والأمازيغية؛ هي كشكول إثراء وإغناء للرواية الجزائرية، دون أن تكون هناك قصدية سالبة، أو متعالية، فكثيرا ما نرى الكاتب الفرنكفوني، ينظر لنفسه بشيء من التعالي والأرستقراطية، على نظيره الكاتب بالعربية، أو أن يكتب الكاتب بالأمازيغية، وفي ذهنيته فكرة الثأرية والأحقية التاريخية. ودون هذه الخلفيات والقصديات، تبدو لي مسألة التعدّد اللساني في النص الإبداعي الجزائري، خادمة ومغنية. في الأخير الكاتب ككائن مثقف، يبقى مرتبطا في ذاته الواعية، بإيديولوجية معينة، وإن حاول التخلّص من عباءتها في قوله الواعي؛ غير أن الذات الكاتبة، ستنتصر لا محالة في اللاوعي، لقطب من الأقطاب الجاذبة.
***
تعدّدٌ لسانيٌّ وهُويّةٌ واحدةٌ
محمد فتيلينة- روائي
ليس خافيا عنّا ولا غريبا أن يعرف العالم أفولاي النوميدي، وهو صاحب أقدم رواية لاتينية «الحمار الذهبي»، وليس غريبا أيضا أن تكون لغة النص حينذاك اللاتينية، وقد كانت لغة الغزاة الذين هيمنوا على جزء لا يستهان به من الشمال الإفريقي. وعبر حقب عديدة مرّت على الجزائر برزت فيها ثورات الأمازيغ ضد الوافدين بالقوة، كان لافتا أن يتأثر هؤلاء بلغة الغزاة وبآدابهم وهو شيء طبيعي عرفته الحضارات الإنسانية، ولكن ما يدعو إلى الملاحظة أن يتفوقوا فيه فنيًّا ومعرفيًّا.
ومع استلهام سيرفانتيس من المكان (الفضاء الشمال إفريقي)، طواحين بطله «دي لامانشا» تتجلى جاذبية هذا المكان واختلافه، ومرورا بالحقب التي عاشتها المنطقة، لم يمر عصر إلا ووجد فيه كتّاب من أمازيغ الجزائر ضالتهم في الكتابة والمتابعة القرائية، لما أتى به الغزاة أو الفاتحون. واستمرت هكذا طاحونة التأثر والتأثير في دورانها الأزلي، إلى أن وصلت إلى القرن العشرين (وبعضا من القرن الواحد والعشرين) حين كان للاستعمار الفرنسي، رغم بشاعة ممارساته اللاإنسانية وشططه في التنكيل بأصحاب الأرض، دور في بروز أقلام كتبت باللغة الفرنسية، لتمسي سريعا غنيمة غير معتادة في حرب طاحنة، وكُتبت نصوص ومقالات ودراسات بهذه اللغة الوافدة، وترسّخت عناوين بعينها شغلت أهل اللغة ذاتها ومتابعي فنيات الكتابة الإبداعية، فمن منا لا يعرف «نجمة» التي استحضر مؤلفها كاتب ياسين حقبة النوميديين بشكل بارز أحيانا، ومضمر في أحايين كثيرة، ومن منّا لا يعرف ثلاثية الجزائر «الدار الكبيرة»، ومن ذاك لم يتعاطف مع الفقير ووالده عبر نص مولود فرعون، كل هؤلاء وغيرهم غنموا من التعدد اللساني الذي كان إما أصيلا، من خلال أهل المنطقة وتعدّد أعراقهم، أو مفروضا بالسيف والنار كي يخدم الوجود الغازي ويُبقيه.
كان لتلك النصوص أثرها في إثراء المدونة اللسانية الأمازيغية هي الأخرى، هذه اللغة المتجذرة في هذه الرقعة من العالم ببعديها اللغوي والثقافي، وبعيدا عن حفريات اللسان في الزمن الغابر، وما عرفته من أسماء بربرية مثل يوغرطا والكاهنة وأوغستين، لا يكاد مثقف واحد في الجزائر – على الأقل- يجهل شاعرا بحجم محمد أومحند وقد أجمع المؤرخون على أنه تثقف بالثقافة الشعبية الأمازيغية العريقة، كما نهل من الثقافة العربية الإسلامية في بعديها اللغوي والروحي واعتبره بربر الجزائر شاعرهم الفريد وذاكرتهم الثقافية وحضن هويتهم الاثنية.
وغير بعيد عن تأثر الأدب والفن وتشكيلهما من روافد المثاقفة والتفاعل الحضاري بين الشعوب والإثنيات، لم يكن التعدد اللساني ببعيد عن الصراع السياسي، إذ أشعلت فرنسا في القرن العشرين البعد الأمازيغي الصرف (ووظفته في سياق سياساتها المبنية على شعار فرّق تسد) من خلال بناء النظريات التي تفرق عرقيا بين الجنس الآري أو الهندو-أوروبي وبين الجنس السامي الممثل للعرب. ولم يمنع هذا البعد السياسي الضيّق والمنحاز بأن يذكّرنا أشهر مؤرخ للجزائر الحديثة أبو القاسم سعد الله بأن (الدراسات العربية تثبت أن اللغة العربية والبربرية تعايشتا واستعارتا من بعضهما وتقاسمتا حياة الازدهار والانحطاط، فهل يعود ذلك إلى أصولهما الواحدة؟ أو إلى دور الإسلام؟
وعبر هذا التعدد اللساني الذي كتب به الجزائريون وثراؤه على مر العصور، بدءا من أفولاي ووصولا إلى كمال داوود، مرورا باللسانيين والفقهاء الأمازيغ، لا نجد أفضل مما لخّصه مالك حداد، ابن عاصمة النوميديين سيرتا، بالقول: «إن طابع الإسلام الذي طبع حياتنا بطابع لا يمحى يميزنا كذلك عن بعضنا (…) وحتى لو عبرنا بالفرنسية فإننا ننقل حلمنا، وغضبنا، وشكوانا الصادرة من أعماق قرون من تاريخنا».
***
التعدّد اللغوي رافد ثقافي ومعرفي
حمد ساري – مترجِم
إن التعدّد اللغوي في الجزائر ظاهرة قائمة، صقلها التاريخ منذ قرون خلت. الأمازيغية، العربية والفرنسية، هي اللغات الثلاث التي يتعامل بها الجزائريون شفاهة وكتابة. هل هي نعمة أم نقمة؟ يقول المفكرون بأنّ هوية شعب هي أولا هويته اللغوية، وأغلب اللغات تسمى بأسماء بلدانها (الفرنسية، الألمانية، الروسية، الصينية، الإنكليزية، اليابانية…). وتُستثنى الجزائر، على الرغم ممّا يقال عن العربية الجزائرية، أو العربية المغاربية، وهي إشارة إلى اللغة العربية الدارجة أو العامية، المشتركة بين بلدان المغرب العربي.
على المستوى المعرفي، إنّ هذه اللغات رافد ثقافي ومعرفي ثري، بحيث تسمح للجزائريّ أن يرتبط ومنذ طفولته بأبعاد لغوية وثقافية متعدّدة، من التراث الشفهي الأمازيغي، إلى التراث العربي الإسلامي إلى التراث الفرنسي اللاتيني الغربي. وعلى المستوى الأدبي، فالكتاب الجزائريون متواجدون بقوة على الساحة العربية بالنسبة إلى كتاب العربية، كما على الساحة الفرنكوفونية بالنسبة لكتاب الفرنسية، وهناك نهضة للأدب الأمازيغي الذي يصالح الجزائري مع هويته التاريخية الأولى، بل أقول إن اللغة الفرنسية مكسب عظيم للجزائريين، وهي غنيمة حرب على حد قول كاتب ياسين، لأنها تربط القارئ الجزائري (وخاصة الكاتب) بالأدب الغربي عموما والمعاصر خصوصا. ولا ننسى أن الأدب العالمي في أغلبه مترجم إلى اللغة الفرنسية، فالقارئ باللغة الفرنسية لا يقرأ من الأدب الفرنسي إلا نسبة ضئيلة مقارنة مع ما يقرأ من الأدب والفكر العالميين المترجمين إلى الفرنسية. وهي ظاهرة يومية أعيشها شخصيا، بحيث أقرأ لأكبر كتاب العالم في ترجماتهم إلى الفرنسية، وكثير مما قرأت غير مترجم إلى العربية، لا في المغرب ولا في المشرق.
صحيح أن صراعاتٍ معلَنَةً وخفيةً توجد بين المعربين والمفرنسين، وبين المعربين وبين دعاة الأمازيغية، ولكن هذه الصراعات تحركها دواع سياسية أكثر منها فكرية وثقافية. وأظن أن الهوية «الجزائرية» أو «الجزأرة» مثلما تسمى، هي الكفيلة بحل هذه المعضلة. وأمامنا أمثلة لبلدان تتعايش فيها اللغات، كما يتعايش سكانها في وئام أمثال سويسرا، بلجيكا، كندا… هوية الجزائري، بحكم ظروف تاريخية لا يمكن محوها بجرة قلم، ومن حاول فرض لغة واحدة، يجد أمامه مقاومة من أصحاب اللغات الأخرى قد تؤدي حتما إلى حرب قد تدمّر البلد، مثلما وقع في التسعينيات، حيث تخندق المعربون مع الحركة الإسلاموية المتطرفة، وتخندق المفرنسين ضدها، حتى كاد المشكل السياسي يتحوّل إلى مشكل هوية. بينما هناك شريحة كبيرة من الجزائريين تتعايش مع هذه الأبعاد اللغوية وأبعادها الفكرية والحضارية بليونة إيجابية، وتعتبر أن الجزائر بلد يتسع لجميعها، ويمكنها أن تكون مصدر إشعاع وتقدّم وسلم دائم.
وقد تساهم الترجمة بقدر كبير في محو هذه الخلافات الناتجة عن جهل (من جهل شيئا عاداه). حينما يمكن لأي قارئ جزائري (مفرنس، معرّب، ممزّغ) أن يجد جميع المنتجات الفكرية والأدبية في هذه اللغات الثلاث، يتصالح الجزائريون ويعيشون في وئام. مع العلم أنه لا يمكن محو الخلافات من أي مجتمع، خاصة السياسية والأيديولوجية منها. على المستوى الأدبي والمجهود الفردي في الترجمة، قمت بترجمة أكثر من عشرين رواية لكتاب جزائريين فرنكوفونيين إلى العربية، وهو ما سمح لطلبة الأدب العربي باكتشافهم، وإبعاد الشكوك عن «تهمة الولاء إلى فرنسا» لأنهم اكتشفوا أن الجزائر، أرضا وشعبا وثقافة، موجودة في كتاباتهم وأنهم لا يختلفون عن الكتاب المعربين إلا في اللغة، بل يتفوقون عليهم بالتحكم الفني والسردي بحكم اطلاعهم على الأدب العالمي، الشيء الذي ينقص عند الكاتب الذي لا يتقن لغة أجنبية غربية. وفي الاتجاه الآخر، لقد عمل المترجم مارسيل بْوا على ترجمة كتابات الطاهر وطار وعبد الحميد بن هدوقة وواسيني الأعرج وتعريفهم للقراء المفرنسين، سواء في الجزائر أو خارجها. فالترجمة أبلغ وسيلة لتعايش اللغات في الجزائر وأنجعها.