بات واضحا أنّنا لا نُنصت إلى الإلحاح المتواصل لبيداغوجيا التعليم في الوطن العربي، للتملّص من المدرّجات والأقسام المغلقة ومن أفواه المتعلّمين، فرحمة بمـــساكين الأرض أيّتها السماء!
إنّ الوجاهة الأكاديمية المبالغة في التأنّق التي يلحّ أصحابها في اثبات ذواتهم، باظهار المعرفة الواهمة والمتوهّمة، أفرزت نماذج هزيلة من خرّيجي الجامعات، الذين كثيرا ما تطلق عليهم تسمية مثقّفين، باعتبارهم أصحاب شهادات عليا، وهو فهم ينصبّ في إطار ذاك الخلط المتواصل لدى كثيرين بين مفهومي «المتعلّم» و«المثقّف»، وبين التعليم في وجهه «الأكاديمي المدرسي الحرفي» وبين الآخر «الذاتي» الذي يسعى طالبه في أن يشحذ نفسه بنفسه بعيدا عن أبجديات مسطّرة تسعى إلى تخليصه من النوع الأحط والأدنى لدرجات الأمّية، وهي «الأمّية الأبجدية» متناسية أنّ الأمّية أمّيات، فالمسألة لا تتوقّف عند محو أمّية أبجدية، بل يجب المراهنة على أكثر من ذلك، وكم نحن في حاجة اليوم إلى «الأمن الثقافي» الذي يحمي الأجيال المتعاقبة من الاستقطاب الديماغوجي والتوجيه الأيديولوجي البراغماتي، ولكن أغلب العقول التي تسطّر قوالب الأمية وتسعى الى مجابهتها بدفع النسق التعليمي تجاه أبجديات تسطّرها بيداغوجيا خالدة (ترفض الاستسلام) تعيش بدورها أمّية لا بل أمّيات غالبا ما تجهلها، لأنّها ترى بعين واحدة، وتحصر المسألة في تدعيم القراءة الأبجدية بكفايات مهمّة.
تتنصّل الأمية حينئذ من الفردانية لتتقمّص صيغة الجمع، والأكيد أننا أمام أمية ثقافية وفكرية نعجز في إطارها عن الإلمام بالأنساق الابستيمولوجية ومختلف الحركات الفكرية والتيارات المعرفية، كذلك نحن أمام أمية سياسية يفسّرها وضعنا العربي وقضايانا المستهلكة في مجالس مغلقة في الدول الغربية، وما يعانيه الخطاب السياسي للأمّة من ضعف أمام التخطيط الامبريالي العالمي الذي جنّد كلّ طاقاته لرسم توجّهات واستراتيجيات أيديولوجية على المدى البعيد في أقطار الشرق الأوسط، من أفغانستان مرورا بالعراق نحو الخليج وصولا إلى الساحل الأطلسي، في مسعى دائم لتجديد المنطقة وفق رؤى غربيّة تطلب نسخا متتالية ومتنوّعة لهذا الموقع الجيواستراتيجي، كي لا تملّ من الصورة الواحدة للوطن العربي والإسلامي ذي الحدود الهشّة، لهشاشة عقول أبنائه والقائمين على أمره شكلا فقط.
أين تغيب الارادة والقرار السّيادي ويحلّ الخنوع ومسايرة الأجندات الغربية المسلّطة، كيف لا وهذه الأقطار تعاني حتّى من الأمّية الصحّية، وتتلاعب بها الشركات العالمية متعدّدة الجنسيات، التي تطرح أمصالا تحت شعار أنفلونزي في كلّ حين، لإعادة تشكيل الأوزان الاقتصادية العالمية، ومقارعة شركات أخرى في إطار الصراع السياسي الاقتصادي بين القوى العالمية الكبرى.
تجد الأمية السمعية مكانا لها أيضا هنا وهناك وحتى الطرقية، وكذلك العرفانية والعلائقية، في إشارة الى الاحتكاك بالآخر وسوء فهمه ومأزق التّواصل ضمن رهانات العولمة وتحدّيات النظام الدولي الجديد. ولا ننسى الأمّية «المعلوماتية» و»التكنولوجية»، التي نرقص بـ»خيال شرقي جامح» – بلغة المستشرقين – لأنّها بين أيدينا، ولكنّها للأسف تبقى مجرّد استيراد مبهم وأصمّ، ويظلّ مسدودا أمام العقل العربي، الذي تغيب عنه الحداثة الفكرية وإن استورد التقنيات واعتقد في الحداثة المادية التقنية..
ذاك شيء من فهم تؤكّده من حين لآخر بعض أصوات النخب المثقّفة على قلّتها، وهي التي تحمل على عاتقها هموم الأمّة وقضاياها، ولكنّها كثيرا ما تُجابه بتصنيف تراتبيّ يمنعها من تصدّر المسيرة، وهي أزمة أزلية بين العالم ورجل السلطة، رغم التزام المثقّف الصّادق بالقضية، وهو الذي يدفع أحيانا حياته من أجلها. وهذا ليس بالغريب على بلدان تقبع خارج حركة التاريخ وتخلط بين المفاهيم، فترى المخلص ثائرا والمتعلّم مثقّفا وتتصدّر قوافلها البيروقراطية أو التكنوقراط كما يحلو لها. أمّا المثقّفون ففي ذيل القائمة، إذا ما كان هناك حيّز في هذا الذيل حتّى.
سبق أن طرحت «اليونسكو» تقريرا يقول بأنّ خمسين في المئة من الأساتذة الجامعيين المغاربة خاصّة، ما عدا البحوث التي تقدّموا بها لنيل شهادات أكاديمية ودخول مجال الشّغل كمسعى أساسي وضروري، لم يكتبوا ولو مقالة واحدة على مدى كلّ فترات حياتهم، من الصّبا إلى فترة نضجهم الفكري والأكاديمي، ورغم ذلك تظل المجتمعات التي يعيشون في أوساطها تنتظر منهم أن يقوموا بتخريج أجيال قرأت الكثير أو تنشد الكتابة والمثاقفة، وتستوعب قواعد التكوين، منهجيّا وذهنيّا وعقليّا، وتلمّ بمطالب العلم ومقتضيات أخلاق العلم.
الحقيقة أنّ التجارب الإبداعية، أدبا وعلما وفلسفة، على قلّتها طالها الاغتراب من متلقّي النصّ وطارحه وعمّقها سوء الفهم والتأويل وضيق الأفق ومحدودية الرؤية لدى أغلب الأكاديميين، و«كلّ بما لديهم فرحون» يغالبون المصادر رهبة فتغلبهم ثقافة المراجع رغبة.. وهم في ما يتّبعون من نصوص إبداعية وانتاجات معرفية وفكرية نوعية يخلّون بآليات الفهم ومناهج التحليل والتأويل.
فيسوقها هذا «الأستاذ الجامعي» في قاعة مغلقة تكاد تخلو من الطلبة شغورا في بعض الأحيان، وذلك بأسلوب سطحي يصل حدّ تشويه التجارب الابداعية وتهميشها وابتذالها قسرا وإملاء، تحت مظلّة ديكتاتورية علمية فاسدة ومُفسدة في غياب العلمي والابستيمي. والجامعة في ذلك «بؤرة الاستبداد المقنّن واخصاب مصارع الاستعباد..
وإنّ في ذلك ترسيما للفهم القائم على ضرورة تعديل مناهجنا المعرفية وأن نفتح الخطاب على مصراعيه بين المثقف مُنتج النصّ الإبداعي وبين طالب هذا النصّ ومتتبّع المعرفة الذي يرُوم تحصيل مستوى فكري وثقافي، ويبحث في الخروج من موقعه السلبي كمستهلك للنصّ إلى منتج لنصّ معادل أو أفضل، وهو المدخل الحقيقي لإنتاج المعرفة وإعادة إنتاج المعارف البديلة. وإذا ما كناّ نطلب النفس التقدّمي المنهجي والعقلاني العلمي، علينا أن نستبدل غير النشيطين والمفلسين فكرياّ ومنهجياّ أصحاب شهادات الفقر الفكري والفقر المعرفي المعطٌّلين والمعطِّلين الكاسدين هجرا للمعرفة قراءة وكتابة، بأولئك الذين يعملون في صمت ويقارعون المناهج والأفكار بعلميّة وحياديّة الباحث الحقيقي المؤهّل ذهنياّ ومنهجياّ لإنتاج المعرفة وإعادة إنتاجها، بمعنى الإضافة لا النسخ والتكرار.. وذاك مطلب يحثّنا على ضرورة الكفّ عن التفويت في المقامات لفاقدي الأهلية، ممّن يغيب عنهم معنى العلم باعتباره «سلطة» لا «مجاملة» أو «تملّقا» وتلك قضيّة أخرى ..
والأكيد أن هذه الأمّة معطاءة والقوى الفاعلة في المجتمعات العربية موجودة، وعلينا أن لا نخفّض إيقاعها أو نخفته تماما كي لا نبقى نعيش الوهن العربي من ضعف ثقافي وتراجع قيمي وأخلاقي وجوّ معكّر وتفرقة وتشرذم فكري واندحار حضاري. ولا ننسى أنّ لحظة الأمل يمكن أن تبرز من داخل لحظة السقوط نفسها، وإمكانية استئناف الدّور الحضاري تبقى قائمة ومُمكنة بتحقّق رهاناتها وتوفّر شروطها.
٭ أستاذ وباحث في الحضارة من تونس
لطفي العبيدي