في ما يبدو أنها محاولة حاسمة لصياغة أسطورة متكاملة عن حياة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا، تطلق «نيتفليكس» – الشركة الأمريكيّة التي تعتبر أكبر موزعي الأفلام والمسلسلات على الإنترنت في العالم – اليوم الجمعة أحدث إنتاجاتها من المسلسلات الدراميّة فتقدّم الموسم الأوّل «التاج» – من أصل ستة مواسم يخطط لها فريق العمل – لسرد سيرة حياة الملكة إليزابيث الثانية الأطول حكماً في تاريخ المملكة المتحدة (64 عاماً تقريباً) وهو رقم قياسي في عدد الساعات التلفزيونية التي أنتجت حول شخصيات تاريخيّة، رغم أن المنصب الملكي في بريطانيا منصب رمزي بحت يملك صاحبه (أو صاحبته) ولا يحكم فعلياً.
المراهنة على التحليق بالعمل نحو أقصى النجاح (نص وسيناريو بيتر مورغان، إخراج ستيفن دالدري) معتمدة على ثلاثة إفتراضات: الأول إحتمال اجتذاب الجمهور الوفي الواسع لـ «دونتون آبي» المسلسل الشعبي المعروف عن حياة خيالية لعائلة مالكة، والذي له متابعون كثر في بريطانيا وحول العالم. والثاني إمكان توظيف رصيد الإهتمام العالمي الدائم بالملكة ورموز الحياة الملكيّة البريطانيّة، كما يتبدى من نهر السيّاح المتدفّق على لندن. أما الثالث فهو الإستثمار الهائل الذي وظّفته «نيتفليكس» ويعتقد أنه تجاوز – في الموسم الأول فحسب – 100 مليون دولار في الديكورات والملابس والمجوهرات وتحف القصور الباهرة، وسيكون بمقدوره استعاده نجاح «بي بي سي» هذا العام في مسلسلها المأخوذ عن رواية الحرب والسلام لتولستوي، والذي أبهر الجمهور بالحياة الباذخة للطبقة المخمليّة في روسيّا القيصريّة.
لن تكون المهمة سهلة، فـ «التاج» ليس فانتازيا خياليّة يمكن التلاعب بمصائر أبطالها وإعادتهم إلى الحياة مع موسم الشتاء، كما في «لعبة العروش»، والملكة إليزابيث رغم أنها محبوبة شعبيا فإن حياتها ليست مثيرة أو صاخبة كما كانت حياة بابلو إسكوبار (مسلسل ناركوز)، ولا مليئة بالمفاجئات والإنعطافات كما حياة السيّد وولتر وايت (مسلسل بريكنغ باد).
والأهم من ذلك كله أن القصة الرسميّة لبعض الأحداث الهامة التي عاصرتها الملكة في حياتها لم تكشف بعد، وربما لن تنشر وثائقها على العموم قبل خمسة وعشرين أو خمسين عاماً من اليوم، ولذلك فإن العمل كلّه يكاد يفقد موقعه بين أنواع الدراما تائهاً بين السيرة التأريخيّة، والخيال.
وحتى لو تجاوز العمل هذه المصاعب البنيويّة، فإن انتقادات شديدة وجهت منذ الآن في الصحف البريطانيّة للممثلين الرئيسيين (كلير فوي – في دور الملكة إليزابيث – و مات سميث – في دور زوج الملكة، الأمير فيليب) لعجز تعابيرهم وأدائهم وحتى لهجتهم عن تقديم العمق الحقيقي للشخصيات الملكيّة المألوفة بشكل واسع للجمهور البريطاني، خاصة الرعيل القديم الذي عاش أهوال الحرب العالميّة الثانية.
مشكلة الأعمال التاريخيّة عموماً (هل تذكرون الفيلم الفاشل «خطاب الملك»؟) أنها – غالباً – ما تحاول جرنا إلى مشاهدة الشخصيات والأحداث التاريخيّة من خلال إنحيازاتنا المعاصرة، وهمومنا المعاشة دون نقل الإطار العام الذي كانت فيه، فتشوه بذلك التاريخ والشخصيّة والحدث، وتخلق رواية أسطوريّة المناخ عن تاريخ موازٍ متخيل، لا يشبه الأصل إلا رمزيّاً.
لكن بيتر مورغان – كاتب نص العمل – حاول وبشدّة أن يقلل من خطورة الجزء المتخيّل في أحداث المسلسل على نزع واقعيّة وقائع الأحداث في حياة الملكة، بل واعتبر إضافاته مجرّد هوامش صغيرة على أطراف الأحداث، ولا تزعج السيّاق التاريخي بأي شكل.
مورغان كان أعلن للصحافيين أنه وظّف سبعة من المحررين لتوثيق وتدعيم المعلومات الواردة في السيناريو، لكن ذلك لا يغيّر بالطبع من حقيقة أن نصوص معظم الحوارات هي من بنات أفكار مورغان بالذات.
«نيتيفلكس» لا تنتج إلا روايات المنتصرين
لا شك أعقد التحديّات وأخطرها سيكون تأثير نوعيّة قناة المشاهدة نفسها على كيفيّة استقبال جمهور المتلقين للعمل الدرامي. فـ»نيتفليكس» غيرت شكل الدراما نفسها، فالأخيرة ليست تلفزيوناً تقليدياً تبث الحلقات متباعدة بين الأيام أو حتى كل أسبوع على نحو يسهّل تكرار بعض الأحداث، وربما تنفيذ حلقات دون روابط حقيقيّة، بل يعرض الموسم كاملاً مرّة واحدة، وبالتالي فإنه ينبغي للعمل أن يمسك بأنفاس وانتباه جمهوره لساعات عدة متتالية متشوقاً من تصاعد الحبكة الدرامية وكأنه فيلم «أمريكي» آخر طويل. مورغان يفترض أن تعدد الشخصيات التي ستقف أمام الملكة في الحلقات المتعاقبة سيساعد العمل على توفير مشاهد متسمر على كرسي المتعة الدرامية مستمر عبر الحلقات، وأيضاً التذكير بأحداث غابت عن ذاكرة المشاهدين لسبب أو لآخر.
يلعب المسلسل بقوة على مجموعة من التناقضات التي يفترض أن الملكة شخصياً والمحيطين بها يعيشونها من خلال تشابك متطلبات أدوارهم العامة مع حيواتهم الشخصيّة. فالعائلة المالكة بحاجة إلى الإعلام لإضاءة الهالة الملكيّة، لكنها في الوقت ذاته تريد الحفاظ على حياتها الخاصة بعيداً عن أعين الفضوليين.
والملكة التي استدعيت لتسلم «التاج»، كانت تفضّل – وتتوقع – حياة هادئة كزوجة وأم، لولا وفاة الملك جورج المفاجئة (كان في أوائل الخمسينات) وتنازل أخيه عن العرش قبل ذلك لإصراره على الزواج من سيّدة مطلقة! وكذلك كيفيّة تعامل الأمير فيليب مع الحقيقة المستجدة في حينها – وهو ضابط البحريّة المهم ـ وهي أنه تحوّل بتولي إليزابيث مقاليد العرش إلى رتبة سيّدة البلاد الأولى، في ظل الملكة لا إلى جوارها.
يغطي الموسم الأول فترة شباب الملكة عندما كانت في الحادية والعشرين، ومن ثم زواجها بالأمير فيليب في 1947 وإصرارها في 1956 على منع أختها الأميرة مارغريت من الإقتران برجل مطلّق.
تغطي كل حلقة في ساعة كاملة قصصاً على مستويين: سرد درامي محليّ في أجواء الحلقة ذاتها يبدأ ويتصاعد وينتهي خلال تلك الساعة، ومستوى آخر يضم خطوط سرد موازية – أطول نفساً – تنقل تسلسل الأحداث عبر مجموع الحلقات، وتحكي القصص الكبرى التي كانت الملكة إليزابيث جزءاً منها – بشكل أو بآخر -.
ولعل من أهم الشخصيات التي تعاطت معها الملكة، وفق الموسم الأول، كانت رئيس الوزراء الأسبق السير ونستون تشرشل (لعب الدور جون ليثغو)، وهي علاقة قال عنها بيتر مورغان إنها تستحق فيلماً خاصاً بها.
ومن المتوقع أن يغطي كل موسم مقبل عقداً من السنوات في حياة الملكة علماً بأن الموسم الثاني قد بدأ تصويره بالفعل قبل أسابيع من موعد عرض الموسم الأوّل.
لا شك أن «التاج» سيحاول أن يقدّم قراءة تاريخيّة – وفق منظور عهد الملكة إليزابيث – لبريطانيا ما بعد الحرب العالميّة الثانية، وتطورات التراجع المستمر لمكانة المملكة المتحدة في العالم من إمبراطوريّة لا تغيب عنها الشمس، إلى مجرد جزيرة صغيرة مقابل البرّ الأوروبيّ، لكننا بالطبع لا نتوقع أن يعرّج المسلسل ولو قليلاً على ضحايا المملكة خلال فترة حكم الملكة إليزابيث الثانية – مع معرفتنا بالطبيعة الملكيّة الدستوريّة لسلطتها – من فلسطين 1948 إلى مصر 1956 إلى اليمن 1967 إلى العراق 2003.
فـ «نيتفليكس» أيها السادة لا تنتج إلا روايات المنتصرين.
إعلامية لبنانية تقيم في لندن
ندى حطيط